يستعرض المقال جهود الدولة العثمانية في التصدي للأوبئة عبر تأسيس منظومة الحجر الصحي ( الكرنتينا ) وتنظيم إجراءات الوقاية والرقابة الصحية في مختلف ولاياتها .

الدولة العثمانية والأوبئة : ريادة تنظيمية وتاريخ في مواجهة الجوائح

​في الفكر الإنساني والوجدان التاريخي ، غالباً ما ترتبط الدولة العثمانية بالفتوحات والسياسة والتحولات الكبرى في تاريخ العالم الإسلامي وأوروبا ، غير أن التتبع الدقيق لسيرتها يجلّي جوانب حضارية وتنظيمية بالغة الأهمية ، لعل أبرزها تعاملها المبكر والمؤسسي مع الأوبئة والجوائح . فقد واجهت الدولة العثمانية ، بحكم موقعها الجغرافي الفريد على مفترق طرق التجارة العالمية والحج ، تحديات صحية جسيمة فرضت عليها ابتكار وتنظيم منظومة متكاملة للحجر الصحي ، متجاوزة تدريجياً المفاهيم التقليدية المرتكزة على القدر وحده نحو الأخذ بالأسباب والتدابير الوقائية العلمية . وكما دخل العالم في العصر الحديث بأسرِه في حجر صحي عقب تفشي فيروس كورونا ، فإن ذلك يعيد إلى الأذهان تلك المحطات التاريخية في العصر العثماني التي طُبّقت فيها إجراءات العزل المنزلي وتم تقييد حركة السكان للسيطرة على الأوبئة .

​أولاً : الجذور الأولى والانتقال من التوكل المطلق إلى الأخذ بالأسباب

​في العقود الإسلامية الأولى وفترات الحكم العثماني المتقدم ، كان التعامل مع الطاعات والأوبئة مثل الطاعون يستند إلى الهدي النبوي الشريف في الحجر المكاني ( مثل حديث طاعون العمواس واجتناب دخول الأرض التي وقع بها الوباء أو الخروج منها ) . ومع تكرار الجوائح الكبرى وازدياد الاحتكاك بالعالم الخارجي عبر حركة السفر البحري والبري ، أدركت الإدارة العثمانية أن مواجهة الأوبئة تتطلب مؤسسات رسمية وقواعد تنظيمية صارمة تحمي العباد والبلاد ، لاسيما مع تطور العلوم الطبية في العالم .

​وقد أظهر التاريخ والأرشيف العثماني قيام الدولة بتطبيق الحجر الصحي للسيطرة على وباء الكوليرا والطاعون الذي تفشى وانتشر في الدولة في القرن التاسع عشر الميلادي ( وامتد إطارها التنظيمي التاريخي بين عامي 1831 و 1923 م ) ، ليحل محل وباء الطاعون الذي فتك بالإنسانية على مر العصور . وترجع البدايات الأولى لاهتمام الدولة العثمانية المنظم بالخدمات الصحية إلى سنة 1256 هـ / 1840 م ( أو بدءاً من عام 1831 م مع الطاعون والكوليرا ) عندما صدر نظام الكرنتينة . وقد ذكر العزل في الكتاب المقدس ، كما عرفه المسلمون في مراحل مبكرة من التاريخ الإسلامي ، فما بين عامي 706 و 707 م قام الخليفة الأموي الوليد الأول ببناء أول مستشفى في دمشق وأصدر أمراً بعزل المصابين بالجذام عن مرضى آخرين في المستشفى ، واستمرت ممارسة الحجر الإلزامي للجذام حتى عام 1431 م عندما بنى العثمانيون مستشفى الجذام في أدرنة ، وطُبقت إجراءات الحجر المجتمعي الطوعي في بعض الحالات منذ عام 1838 م . وعلاوة على ذلك ، في أواخر العهد العثماني ، شهد العراق ( مثل مدينة السماوة أنموذجاً ) تفشي أوبئة متعددة مثل الطاعون ، الكوليرا ، الجدري ، والملاريا ، ما ترك آثاراً صحية واجتماعية واقتصادية بالغة عمقت الأزمات في ظل محدودية الإمكانات الإدارية والطبية وضعف الوعي الصحي وتردي البنية الخدمية .

​ثانياً : التأسيس الرسمي لمؤسسة الحجر الصحي ( الكرنتينا ) وتطورها التاريخي

​بدأت النقلة النوعية الكبرى في عهد الإصلاحات التنظيمية ( التنظيمات العثمانية ) في القرن التاسع عشر الميلادي ، وتحديداً في عهد السلطان محمود الثاني ، إذ شكلت إدارة المجلس الصحي الأعلى إثر انتشار مرض الطاعون الذي اجتاح العاصمة إسطنبول ( الأستانة ) سنة 1253 هـ / 1837 م ، وقرر السلطان اللجوء إلى مساعدة ممثلي الصحة العالميين لمنع انتشار الأمراض الوبائية . وتألفت إدارة المجلس المذكور من ثمانية أعضاء ممثلين للدولة العثمانية ، ومندوبي قناصل روسيا وفرنسا وألمانيا والنمسا والمجر وبريطانيا وبلجيكا وإسبانيا وهولندا واليونان والسويد والنرويج وإيران .

​وفي سنة 1256 هـ / 1840 م ، صدر نظام الكرنتينة ( Quarantine ) أو ما يعرف بالحجر الصحي ، تلاها إصدار أنظمة وتعليمات فرعية تضمنت استخدام العثمانيين لمصطلحي "أصول تحفُّظ" و"تحفُّظ خانه" للدلالة على الحجر الصحي والمكان الذي يتم فيه الحجر بهدف منع انتشار الوباء واحتجاز المشتبه بإصابتهم بعيداً عن الأصحاء ومعالجة المرضى . وفي سنة 1288 هـ / 1871 م ، صدر ( نظام الإدارة الصحية العمومية ) وهو أول نظام يتعلق بالصحة العامة ، حيث ألزمت المادة الأولى منه بلديات الولايات بتعيين طبيب ومعاون له لعيادة مرضى البلدة مجاناً ( على أن تتكفل البلدية بدفع رواتبهم من ميزانيتها ) ، وألزمت المادة الخامسة الملاك الطبي بمعاينة المرضى مجاناً ، بينما ألزمت المادة السابعة مأموري دوائر الكرنتينة بوجوب إبلاغ الجهات الرسمية في حالة ظهور وباء ما .

​ووفقاً للوثائق ، فإن وباء الكوليرا الذي وصل إلى عاصمة الدولة العثمانية إسطنبول وولايات أخرى في الأعوام ما بين 1847 - 1848 م إلى 1892 - 1895 م ، أدى إلى حالة ذعر بين السكان ، واتخذت الدولة عقبه تدابير صارمة مثل حظر دخول المدن ومنع رحلات الحج للسيطرة على الوباء .

​ثالثاً : آليات العمل الميداني ودوائر الحجر في الولايات ( والولاية العراقية أنموذجاً )

​مرت هذه المنظومة بمراحل التطوير وتأسيس دوائر الحجر الصحي في الولايات - ولا سيما الولايات العراقية كولاية بغداد والبصرة - وفق الآتي :

​1 ) إنشاء المجالس الصحية ودوائر الحجر الإقليمية : تشكيل لجان طبية عليا تضم خبراء محليين وأجانب لمراقبة الوضع الوبائي العالمي وتحديد الموانع الصحية . وفي الولايات العراقية ، عنى الولاة مثل مدحت باشا أثناء ولايته بافتتاح عدد من دوائر الحجر الصحي في السليمانية ، راوندوز ، خانقين ، مندلي ، وفي مدن العتبات المقدسة وبعض المدن على الطرق الموصلة إليها لكثرة الزوار الإيرانيين ( مع منع الإيرانيين من الحج عبر العراق ما لم يتزودوا بشهادة السلامة الصحية ) ، فضلاً عن دائرة الحجر الرئيسة في البصرة ودائرتي أبي الخصيب والفاو . وتألفت الملاكات الإدارية لتلك الدوائر ، فعلى سبيل المثال تألفت دائرة بغداد ( سنة 1329 هـ / 1911 م ) من طبيب مفتش ، رئيس كتاب ، كاتب ، ومضمد وعدد من العمال ، في حين تألفت دائرة خانقين من طبيب ورئيس كتاب وثلاثة كتاب .

​2 ) محطات الحجر البحري والبري : إقامة محطات حجر صحي صارمة في الموانئ الرئيسية ( مثل إسطنبول ، القدس ، بيروت ، بغداد ، ومكة المكرمة ) وعلى الحدود البرية وطرق الحج الشريف لمراقبة القادمين وعزل المشتبه بإصابتهم بالأمراض المعدية كالكوليرا والطاعون . وفي بدايات التنظيم بإسطنبول ، صدرت قرارات باحتجاز السفن في مضيق البوسفور وخليج إستينيا ، وعُزل المصابين في مستشفى مالتبه و " برج الفتاة " في أوسكودار تحت إشراف الطبيب " أنطوان لاغو " . كما تأسست مراكز حجر في بورصة ، طرابزون ، جناق قلعة ، سيروس ، وجزيرة ميديللي .

​3 ) تفتيش السفن والقوافل والتطهير : دأبت الدوائر على اتخاذ الإجراءات تجاه الأشخاص والسفن الوافدة ، من خلال حجز الزوار القادمين لمدة ( 10 ) أيام ، وتزايد الشدة عند انتشار الأمراض . فخلال المدة ( 1896 - 1900 ) ، حُجزت ( 409 ) سفينة تجارية ، وخضع للعزل والتطهير ( 8 ) آلاف مسافر و ( 20 ) ألفاً من أطقم السفن . وبلغ مجموع المستفيدين ( 14,363 ) مسافراً سنة 1324 هـ / 1906 م ( منهم 4,929 عراقياً ) . كما شملت الإجراءات إنزال الرزم والطرود البريدية إلى كمرك الحجر الصحي لتطهيرها قبل نقلها ، واستقدام الطبيب ميناس ومساعده ومترجمه من النمسا لخبرتهم .

​4 ) تدابير دبلوماسية وواسعة النطاق : يذكر المؤرخ التركي محمد جليك أن الإمبراطورية العثمانية كافحت الأوبئة بفرض الحجر على جميع السفراء المعينين حديثاً والقادمين إلى إسطنبول مع عائلاتهم ، كأعضاء السفارة الألمانية ( 24 سبتمبر 1893 م ) ، والسفير الروسي ألكسندر نيليدوف وعائلته في فيشيفجه بصربيا ( 25 سبتمبر 1892 م ) ، والسفير الفرنسي مسيو كامبون ( 4 نوفمبر 1894 م ) . وشمل الحجر أيضاً الأمانات المقدسة ، ومحمل الحج العثماني ، والعاملين في قصر طوب قابي ( الذي بُني عام 1478 م بأمر محمد الفاتح واستمر مقراً للسلاطين 391 عاماً ومركزا للإدارة 380 عاماً ) ، فضلاً عن قاعدة تحتم عدم دفن أي متوفى في مناطق أيوب سلطان ، غلاطة ، وأوسكودار دون ترخيص من مجلس الحجر الصحي مهما كانت قوميته ، مع استيفاء ( 50 قرشاً ) عن الجنازة الداخلة للمدن .

​رابعاً : الحجر الصحي وتأمين طريق الحج الشريف

​لعب الحجر الصحي العثماني دوراً تاريخياً محورياً في حماية صحة حجاج بيت الله الحرام القادمين من شتى بقاع الأرض . فقد كانت الحجاز ومحطات طريق الحج ( ومنها خط سكة حديد الحجاز لاحقاً ) محط اهتمام بالغ ، حيث أُقيمت محطات الحجر الصحي في مدن مثل الطائف ، ينبع ، وجدة - وأبرزها مركز الحجر الصحي الضخم في جزيرة كمران بمدخل البحر الأحمر إثر مؤتمر الصحة الدولي بإسطنبول عام 1866 م - لمعالجة الفجوات الصحية ومنع تفشي الأوبئة التي كانت تفتك بالحجاج في القرون السابقة ، مما جعل رحلة الحج أكثر أمناً وسلامة .

​وفي هذا السياق ، يوضح المؤرخ جليك أن الدولة منعت رحلات الحج للمسلمين المسافرين من البصرة ، سامراء ، وإيران باتجاه الأراضي المقدسة لمنع وصول العدوى ، وحظرت أيضاً زيارة بيت المقدس في القدس الشريف ، وجرى نشر القرارات في الصحف بتاريخ 18 أغسطس 1891 م . وعند تفشي الكوليرا بين الحجاج عام 1865 ، أرسلت الدولة وفوداً طبية متكررة ، وتعهدت بإصلاحات صحية واسعة في الحجاز شملت تأسيس مديرية الصحة بمكة عام 1895 لمواجهة أطماع الدول الأوروبية في التدخل بحجة حماية الصحة العامة خلال مؤتمرات باريس الدولية .

​خامساً : الموارد المالية ، التمويل الذاتي ، والآثار الحضارية

​اعتمدت دوائر الحجر الصحي في تأمين نفقاتها المالية على الإيرادات الكبيرة التي تستوفيها من المستفيدين من خدماتها الصحية ، والتي شملت :

1 ) رخص مرور السفن : تدفع كل سفينة ( 20 بارة ) عن الطن الواحد إذا لم تزد حمولتها عن 500 طن ، و ( 12 بارة ) إذا كانت بين 500 - 1000 طن ، و ( 8 بارات ) إذا ازدادت عن ذلك .

2 ) رسوم مكوث السفن : تراوحت بين ( 10 - 40 قرشاً ) لليوم الواحد حسب مقدار الحمولة ، فضلاً عن دفع ( 45 قرشاً ) لصالح حراس الدائرة الصحية ، وضريبة تعقيم البضائع الداخلة والخارجة من المناطق المصابة .

3 ) ضريبة الحجر الإلزامي والجنازات : تراوحت بين ( 8 - 10 قروش ) عن كل زائر يقضي مدة الحجر الإلزامي ، مع استيفاء ( 50 قرشاً ) عن الجنازة التي تدخل المدن لتدفن فيها بغض النظر عن مصدرها .

وقد قُدرت عائدات هذه الدوائر في ولايتي بغداد والبصرة وحدهما بـ ( 6830 ) جنيهاً في أحد المصادر .

الآثار الحضارية والنتائج الاستراتيجية :

إن تأسيس وتفعيل منظومة الحجر لم يكن مجرد إجراء إداري عابر ، بل أثمر عن نتائج استراتيجية كبرى ، فقد نجحت هذه الدوائر - بالرغم مما اكتنف عملها من سلبيات وفي ضوء الإمكانات المتاحة - في الحد من انتشار الأمراض والجوائح العالمية الفاتكة إلى حد ما وتقليل الخسائر البشرية الهائلة مقارنة بالعصور السابقة ، ولو سُمح للوافدين بالدخول دون وقاية لكانت الأمراض قد قضت على أعداد كبيرة من السكان . كما أسهمت في ترسيخ الوعي الصحي المؤسسي بنقل المجتمع من العشوائية إلى التخطيط العلمي عبر مؤسسات مثل "مجلس الكرنتينا" وتعديلات وزارة الصحة في إسطنبول ( سنة 1327 هـ / 1909 م و 1331 هـ / 1913 م لتأسيس مواقف الحجر في مراكز الألوية ) ، ومنحت الموانئ العثمانية موثوقية دولية وسمعة صحية جيدة ساعدت في استمرار الحركة التجارية العالمية بأمان ، وتكللت لاحقاً بإلغاء الامتيازات الأجنبية في قطاع الصحة وتأميمه بعد مؤتمر لوزان .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع
  2. ​1 ) الدولة العثمانية تاريخ الحضارة والسياسة ، أكمل الدين إحسان أوغلي .
  3. 2 ) تاريخ الدولة العثمانية ، محمد فريد بك .
  4. 3 ) الطب والصحة في الدولة العثمانية ، دراسات في تاريخ العلوم العثمانية .
  5. 4 ) وثائق الأرشيف العثماني المتعلقة بالمجالس الصحية ومحطات الكرنتينا .
  6. 5 ) دراسة د. لمى عبد العزيز مصطفى ، "الحجر الصحي (الكرنتينة) في العهد العثماني" (عن رسالة الخدمات العامة في العراق 1869 - 1918) .
  7. 6 ) دراسة م. رقيب حسون عبودي سعودي ، "الأوبئة والأمراض والتدابير الصحية المتخذة أواخر الحكم العثماني في العراق – السماوة أنموذجاً" ، مجلة العلوم الإنسانية والطبيعية ( HNSJ ) ، المجلد ( 7 ) ، العدد ( 4 ) ، 2026 .
  8. 7 ) دراسات وتصريحات المؤرخين والأكاديميين مثل البروفيسورة غولدن صاري يلديز والمؤرخ محمد جليك عبر تقارير وكالة الأناضول والأبحاث التاريخية المحكمة حول تطبيق الدولة العثمانية للحجر الصحي ومكافحتها للأوبئة ( 1831 - 1923 ) .