يستعرض هذا المقال دور نساء الكرك البارزات ، مشخص وبندر وشفق المجالي ، في مواجهة الحكم العثماني وثورة عام ١٩١٠ م.
نساء من الكرك في مواجهة الحكم العثماني : مشخص وبندر وشفق المجالي أنموذجاً
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
حين يتراجع الظل وتشتد عتمة الاستبداد ، يبرز جوهر الرجال والنساء في صناعة ملحمة البقاء . وتظل صفحات التاريخ الأردني مشرعةً على بطولات ناصعة خلدتها الذاكرة الوطنية لنساء ماجدات يقين أن الأوطان تبنى بدم الأحرار وأرواحهم . وفي قلب الصحراء والسهول ، وتحت وطأة سياسات الإمبراطورية العثمانية القاسية ، سُطّرت حكايات الشجاعة والتضحية لنساء من الكرك قهرن المستحيل ، وجعلن من أسمائهن أيقونات خالدة في مسيرة النضال والكرامة .
هبة الكرك وسياق المواجهة الوطنية :
اشتعلت الأرض تحت أقدام الغزاة مطلع القرن العشرين ، حين فرضت الدولة العثمانية سياسات مركزية جائرة استهدفت هوية الإنسان وكرامته عبر محاولات التجنيد الإجباري ونزع السلاح وجباية الضرائب المجحفة . لترد مدينة الكرك وجنوب الأردن بصوت هبة الكرك عام ١٩١٠ م معلنة رفضها المطلق للظلم . وفي خضم هذه المواجهات العارمة بقيادة شيخ مشايخ العشائر الكركية الشيخ قدر المجالي الذي وحد العشائر تحت رايته وظل مطارداً ومتوارياً عن الأنظار رافضاً الاستسلام ، لم تكن المرأة مجرد شاهدة عيان ، بل كانت روح الثورة ونبضها الخفي ؛ فقد بعن الحلي والذهب لتمويل العزيمة وصناديد الرجال ، وابتدعن أساليب ميدانية ذكية كوضع رماد النار في علائق خيول جنود الاحتلال بدلاً من الشعير لإشعال صدورها بالهيجان أثناء الملاحقات . وقد واجهت العشائر الأردنية وبدو الحمايدة حملات التنكيل العثمانية بقيادة سامي باشا الفاروقي وناجي باشا بأسمى معاني الشهامة والوفاء ، رافضين الإدلاء بأي معلومات تقود المحتل لمكان إخفاء الشيخ قدر رغم إحراق البيوت وإعدام الشيوخ . وتأديباً لتلك العشائر التي رفضت تسليم الشيخ قدر أو الوشاية به ، شن العثمانيون هجمات واسعة على مضارب البدو والعشائر المحيطة وأعدموا عدداً من شيوخهم .
الاعتقال السياسي وولادة البطل حابس باشا :
في رحلة الوجع والبطولة ، اشتدت ملاحقة قوات الاحتلال لعشائر المجالي والحمايدة ، مما اضطر بعض فرسان المجالي إلى الهرب نحو الشوبك ، وهنالك وقعت الواقعة حين أُسرت مجموعة من نساء العائلة وسُقن إلى سجن معان سيء الذكر والمعروف بكمّ المجازر ، لتكونا من أوائل المعتقلات السياسيات . وشملت قائمة الأسر النشميات مشخص فارس المجالي وشقيقاتها بندر وشفق . وكانت الراحلة بندر المجالي زوجة الشيخ رفيفان المجالي حاملاً حين أُلقي القبض عليها ، فوُلد في قلب المعتقل العتم طفلٌ كُتب عليه أن يكون رمزاً عسكرياً تاريخياً هو المشير البطل حابس رفيفان المجالي قائد الجيش العربي ورئيس هيئة أركانه وبطل معارك باب الواد واللطرون ، سُمّي " حابس " كناية عن مولده في الحبس . وإلى جانبها ، برزت النشمية مشخص فارس المجالي بموقفها الجريء والصلب في تحريض زوجها الشيخ قدر المجالي على الثورة ومواجهة المحتل ، لتصبح رمزاً وطنياً خلدته الأهازيج الشعبية : ( لعيون مشخص والبنات ) ، فضلاً عن تخليد أهالي الكرك للفارس الشهيد صخر المجالي الذي استشهد وهو يشاغل العسكر حتى أمّن انسحاب النساء بأهازيج : ( صخر يا صخر يا كاسر الطوابير ) .
دور شفق البطولي وحيلة الخلاص :
ولم تتوقف الحكاية عند أسوار السجون ، بل تجلت عبقرية الشجاعة في موقف استثنائي لمرأة أخرى من حرائر المجالي وهي شفق المجالي ، التي لم يأخذ دورها البطولي حقه الكافي في التوثيق التاريخي . حين وقعت في قبضة الأتراك مع شقيقاتها ، لم تلن لها عريكة بل لجأت إلى حيلة بالغة الذكاء ؛ إذ تظاهرت بالجنون الكامل وأخذت تنثر التراب على رأسها أمام الجنود لتخدعهم وتوحي لهم باختلال عقلي وتفلت من قبضتهم . انطلت الحيلة على المحتل فأطلقوا سراحها ، لتتحول هذه اللحظة إلى مفتاح خلاص ؛ فانطلقت ترقب الدروب وتتجاوز الحواجز الأمنية حتى بلغت فرسان العشائر الأردنية وأبلغتهم بمكان المعتقلات وفداحة الأسر وحقيقته ، مسارعة في إنقاذهن ومساندة الفرسان في ملحمتهم لدحر المحتل .



قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- ١ ) موقع جوردان هيرتيج ، نساء الثورة - مشخص و بندر المجالي .
- ٢ ) صحيفة الرأي ، بندر ومشخص المجالي .. رائدات العمل النضالي ، ٢٠١٠ م .
- ٣ ) منصة مرآة الإخبارية ، مقالات تاريخية وتوثيقية .
- ٤ ) موقع جوردان هيرتيج ، الشيخ قدر صالح المجالي - شهيد الهية .
- ٥ ) موقع تاريخ الأردن ، وثائق ومذكرات تاريخ الهبة .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.