بعد كل شوط من كل مباراة من مباريات مونديال هذا العام يطل علينا نخبة من أبناء الوطن المخلصين للكرة ويقومون بالتعقيب على ما شاهدناه درساً وشرحاً وتحليلاً … وهؤلاء الذين يطلون علينا كل يوم أكثر من مرة لا يتغيرون ولا يتبدلون ولا تتغير ثقافتهم الكروية ولا تتبدل، وما يطرأ عليه تغيير أو تبديل هو الأشخاص الذين يحلون ضيوفاً على خيمة المونديال التلفزيونية
من خيمة التنظير إلى المستطيل العالمي: قراءة تحليلية في مقال الراحل الصحفي فخري قعوار " أفكار كروية! عام 1998 م "
بقلم: الأستاذ قيصر صالح الغرايبة
مقال عن حلم التأهل لمونديال كأس العالم وصعوبته وشكوى ممن كان يظن ذلك مستحيلاً ... سنة 1998 م
أفكار كروية! عام 1998 م
بقلم: فخري قعوار
الأربعاء 23 صفر 1419 هـ ـ الموافق 17 حزيران 1998 م
بعد كل شوط من كل مباراة من مباريات مونديال هذا العام يطل علينا نخبة من أبناء الوطن المخلصين للكرة ويقومون بالتعقيب على ما شاهدناه درساً وشرحاً وتحليلاً ... وهؤلاء الذين يطلون علينا كل يوم أكثر من مرة لا يتغيرون ولا يتبدلون ولا تتغير ثقافتهم الكروية ولا تتبدل، وما يطرأ عليه تغيير أو تبديل هو الأشخاص الذين يحلون ضيوفاً على خيمة المونديال التلفزيونية!
وهذا أمر ليس له أهمية تستحق التوقف أو التأمل وإنما المهم هو ما تنطوي هذه النخبة بقوله للمشاهدين من ملاحظات وتفسيرات وتأويلات لها أبعاد كروية عميقة ومرام رياضية باهرة ، وما يقدمه هؤلاء الإخوة المعلقون يرى فيه مواطن مثلي مادة شديدة التخصص ولا يستطيع أي شخص أن يبحر عبابها أو يخوض غمارها ، وإذا لم يقم المهتم أو المتابع بدراسة فنون كرة القدم وعناصرها ومقوماتها وإذا لم يعزز ذلك بالخبرة العملية كمتفرج ولاعب وحكم ، فإنه لن يطاول بقامته كوع عثمان القريني أو بوع لطفي الزعبي أو حوض محمد المعيدي أو ترقوة أي ضيف من ضيوف خيمتنا المونديالية !
لكن ملاحظتي الأساسية تتعلق بهذا الاهتمام الرياضي الكثيف نقدياً وإعلامياً ودرجة تناسق هذا الاهتمام مع مستوانا الكروي.
وبصراحة فإن ما يتكرم مقدمو الخيمة بإفادتنا به أعتبره علماً وأعتبر المتخصصين به عباقرة وجهابذة لا يشق لهم غبار ، وبصراحة أيضاً.. كنت أظن أن منتخب أي بلد من بلدان العالم يستطيع أن يدخل حقل المنافسة في المونديال بما في ذلك الأردن إلى أن قرأت أمس رأياً لوزير شباب أسبق يقول فيه إن تأهل الأردن للمونديال حلم يصعب تحقيقه ! وقد استخدم معاليه تعبيراً دقيقاً حين وصف الحلم بأنه يصعب تحقيقه، ولم استخدم تعبيراً فظاً أو غليظاً مثل وصف الحلم بأن تحقيقه مستحيل!
وما دمنا نعيش هذه الأيام تحت خيمة العبقرية الرياضية على صعيد التنظير فإنني أحب أن أعرب عن ذهولي من طول المسافة التي تفصل النظرية عن التطبيق ، فلو كان لدينا منتخب متميز رفيع الشأن على مستوى ما يطرح على أسماعنا في الخيمة لكان هناك تناغم طبيعي وانسجام مقبول ، أما وأن البون شاسع بين الحكي والفعل فإننا لا نستطيع أن نتجاوز مرارة الغصة في حلوقنا !
التحليل :
في قراءة تحليلية مغايرة تربط بين البعد التوثيقي التاريخي والتحول الاجتماعي والرياضي في الأردن :
إن مقال الراحل الصحفي فخري قعوار ، الذي نُشر في صيف عام 1998 م إبان مونديال فرنسا ، لا يمكن اختزاله في إطاره الرياضي البحت ، بل هو وثيقة سوسيولوجية وتاريخية هامة ترصد بدقة ملامح ' الإحباط المؤسسي ' والبيروقراطي الذي كان سائداً في أواخر التسعينيات من القرن الماضي . الكاتب هنا استخدم ' المستطيل الأخضر ' كمسرح رمزي لتعرية الفجوة البنيوية في مجتمعاتنا بين الإفراط في التنظير الإعلامي ، وبين عجز الأداء التنفيذي على أرض الواقع .
وتأتي عبقرية المقال في التقاطه الذكي للمصطلح السياسي وتفكيكه لتصريح وزير الشباب الأسبق ، الذي وصف بلوغ المونديال بأنه ' حلم يصعب تحقيقه ' تعففاً عن استخدام كلمة ' مستحيل ' . هذا الالتقاط يعكس وعياً جماهيرياً ونخبوياً يرفض تجميل الواقع عبر المسميات الدبلوماسية ، فـ ' الغصة ' التي تحدث عنها قعوار لم تكن غصة كروية عابرة ، بل كانت صرخة مبكرة تدعو إلى ضرورة المواءمة بين الإمكانات البشرية والخطط الاستراتيجية الفعّالة .
ما كان يوصف في الأمس بأنه حلم يصعب تحقيقه، صار اليوم عنواناً لتحول تاريخي في مسيرة الكرة الأردنية.
واليوم ، وبعد ثمانية وعشرين عاماً على تلك الغصة المكتوبة بمداد التمني والتهكم ، يظهر التحول التاريخي للمشهد الكروي الأردني كنموذج حي على تطور الفكر الإداري والرياضي في وطننا . إن الانتقال الفعلي من مرحلة ' الحلم الصعب ' والتقوقع تحت خيام التنظير والتحليل التلفزيوني إلى مرحلة الانخراط الميداني الحقيقي ، يثبت أن التخطيط التراكمي والمؤسسي هو الكفيل بسد الفجوات التاريخية بين الطموح والإنجاز .
بناءً على هذا المتغير ، يتحول النص الساخر لقعوار من مرثية حزينة تشكو شح الحصاد الفعلي ، إلى وثيقة تؤرخ لبداية التحدي وصناعة الفارق . فها نحن اليوم ، بعد قرابة ثلاثة عقود ، نرى غيوم الاستحالة وهي تتبدد كلياً ، حيث يستعد النشامى بعد أيام معدودات لتدشين مشاركتهم التاريخية الأولى في كأس العالم 2026 م ، ليرتفع العلم الأردني شامخاً في ملاعب الولايات المتحدة الأمريكية ، كندا ، والمكسيك .
أصدق الإنجازات الوطنية هي تلك التي تولد من رحم المعاناة، ومرارة الأمس لم تكن إلا تمهيداً لقطاف المجد.
لقد تحول الحكي الذي انتقد قعوار إفراطه إلى فعل ملموس ، واستحالت النظريات إنجازاً سُكب بعرق المخلصين في الميدان ، ليبقى هذا المقال ، بفضل هذا الربط التحليلي الواعي ، شاهداً على أن أصدق الإنجازات الوطنية هي تلك التي تولد من رحم المعاناة ، وأن مرارة الأمس لم تكن إلا تمهيداً لقطاف المجد وبلوغ رفعة التميز التي يتذوقها الوطن اليوم وهو يسير بخطى واثقة وثابتة بين كبار العالم .
قيصر صالح الغرايبة
كاتب وباحث في الذاكرة الاجتماعية والتاريخ المحلي، يكتب في توثيق المكان والإنسان والتحولات التي صنعت هوية المجتمع الأردني.

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.