تعتبر غابات دبين ومحمية أرز جرش في محافظة جرش واحة خضراء عريقة ترتفع فوق قمم الجبال الشامخة وتُعد محطاً لأنظار الباحثين عن عبق التراث وجمال الطبيعة الأردنية الأصيلة .

مملكة الأرز الخضراء في جرش ودبين ... واحة الجمال وتاج الطبيعة الأردنية

بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​تعتبر غابات دبين ومحمية أرز جرش التابعة لمحافظة جرش موقعاً أردنيا كبيراً وعريقاً يتربع على قمم الجبال الشامخة ، ومرتبطة ارتباطاً وثيقاً بذاكرة الأرض وأصالة التراث الريفي الأردني . وجاء اسم محمية الغابات والأرز في جرش من تنوع طبيعتها وغناها بالشجار العتيقة ، حيث تُعرف غابات دبين بكونها الرئة الخضراء والتنفس الطبيعي لشمال الأردن . ويُعتقد أن وجود أشجار الأرز والسنديان المعمرة في هذه البقعة يعود إلى مئات السنين ، حيث ما زالت هذه الأشجار الشامخة تحتفظ بجمالها ورونقها حتى الآن . وقد تسببت وفرة التربة الغنية والمناخ المعتدل في وجود أرض خصبة وخضراء ، ومنظر عام جميل وأخضر يحيط بها ، بينما يأتي إطلاق اسم أرز جرش ودبين ارتباطاً وثيقاً بالدلالات التاريخية والعشائرية والملكية العقارية للمكان في الذاكرة المحلية لأهل المنطقة ؛ إذ تُعزى التسمية في الغالب إلى العشائر والعائلات التاريخية أو الأسر التي تعود ملكية أراضي تلك البقعة الحرجية أو حراستها والانتفاع منها إليها كألقاب أو أراضٍ محددة بأسماء مالكيها القدامى في جبال جرش ، وهي ظاهرة معروفة في جغرافية الأردن الريفية حيث تُعرف المواقع والغابات بأسماء العائلات أو الأقسام العشائرية التي تستغلها أو تقع في حوزتها . أما موقع الغابات فهو في محافظة جرش في الشمال الغربي من الأردن ، وتحديداً بالقرب من قرية ساكب ومنطقة نجدة ، حيث تبعد نحو 8 إلى 19 كيلومتراً عن مدينة جرش ( وتقع المحمية في جنوب غرب مدينة جرش وتبعد 19 كيلومتراً وتعود إدارتها لوزارة الزراعة كغابة طبيعية ترتفع نحو 1057 متراً عن سطح البحر ) ، وتقبع الغابات على تلال وجبال ضخمة متقابلة ، وتشرف على مدينة جرش الأثرية العريقة التي تبعد نحو بضع كيلومترات إلى الغرب منها ، كما تشرف على بعض البلدات الأخرى ومنها بلدة برما وبلدة السواقي . وترتفع غابات جرش ودبين عن سطح البحر بمعدل يتراوح بين 700 إلى 1000 متر ( وفي بعض المرتفعات العالية والشاهقة التي تقع عليها غابة الأرز تحديداً تزيد عن 1200 متر فوق مستوى سطح البحر ) ولذلك تُعرف ببرودتها واعتدال صيفها وكثرة تساقط الأمطار والثلوج في الشتاء كباقي مناطق المرتفعات الشمالية ، بل وتشرف بإطلالتها الساحرة على مناطق أبعد وصولاً إلى سهول حوران ووديان الأردن ، وتطل بشكل خاص على جبال السلط وسد الملك طلال . وفي هذه الأجواء الساحرة الممتدة على رقعة خضراء تحيط بها أشجار الصنوبر البري والأرز والسنديان والبطم ، تتناغم الأشجار الحرجية المعمرة والكثيفة في غابات جرش مع الينابيع العذبة المنسابة من بطون الجبال في لوحة ربانية فريدة تخلو من التلوث الصناعي ، وتستعد المنطقة لاحتضان الزوار والباحثين عن الهدوء والسكينة في تلاحم فريد بين الإنسان والمكان . وتجدر الإشارة إلى أن النواة الأولى لإنشاء "غابة الأرز" (التي تُعد الغابة الوحيدة في الأردن من نوعها) المجاورة لمنطقة دبين في محافظة جرش تعود إلى عام 1973 م ، حيث أقيمت على مساحة تقدر بنحو 90 دونماً (ويوجد شجر الأرز منها في مساحة تقارب 30 دونماً) وتضم الغابة نحو 200 شجرة أرز وتعتبر امتداداً لغابات دبين وتتداخل مع أشجار السنديان والبلوط والصنوبر ، وقد تم بناء أحد الأبراج الحرجية عليها لمراقبة الغابات ، وذلك بإشراف الجهات الرسمية والزراعية الأردنية لتكون بمثابة تجربة حرجية استثنائية ونادرة في الأردن نظراً لاحتياج شجر الأرز لارتفاعات عالية وأجواء باردة . ورغم رمزية أرز لبنان وانتشاره الواسع هناك ، إلا أن زراعة الأرز في الأردن لم تنتشر على نطاق واسع نظراً للاحتياجات المناخية والمطرية الصارمة التي تتطلب كميات هائلة ومستدامة من الأمطار ورطوبة جوية عالية وثلوجاً كثيفة لا تتوافر بهذا الاتساع في الجبال الأردنية ، فضلاً عن منافسة الأنواع المحلية المتأقلمة كالسنديان والصنوبر الحلبي وطبيعة التربة التاريخية والسياسات الحرجية التي ركزت على استدامة الأنواع الأصيلة . وتعتبر ذاكرة جرش وبلاد الشام غنية بالكثير من الحكايات والأمثال والذكريات المرتبطة بهذه الغابات العريقة والآثار التاريخية المحيطة بها ، حيث لخصت بكلمات قليلة جمال الطبيعة وعراقة الأرض وخبرات الأجداد في الموروث الجمعي الأردني ، وعبر صفحات الصحف الوطنية ومصادر التراث المحلي التي طالما ربطت هبوب نسائمها بأصالة الشمال وذكريات الطبيعة الحنينية .

​دلالة ( غابات الأرز ودبين في جرش ) لغوياً وعُرْفاً في الوجدان الأردني :

​يُقصد باسم محمية أرز جرش ودبين تلك البقعة الأردنية الكبيرة والعتيقة التي تستمد اسمها من جزأين أساسيين ؛ الأول هو شجر الأرز والصنوبر للدلالة على كثافة الغابات المعمرة والشموخ البيئي والنباتي في أرضها ، والثاني هو ارتباط المكان باسم جرش التاريخية وعراقتها . بينما تحمل غابات دبين اسمها العريق المرتبط بعبق الأرض والتاريخ المحلي ودلالته في الموروث المحلي والشعبي بوصفه رابطاً عميقاً يوثق أواصر العلاقة بين الإنسان والأرض ، ويحفظ حقوق الذاكرة المكانية والعشائرية التي تبين كيف أطلق أهالي جرش أسماءً دقيقة على تلالهم وغاباتهم لتمييزها وتناقلها عبر الأجيال لتظل شاهدة على تاريخ الملكيات التقليدية والتضامن الريفي في ربوع الشمال الأردني . أما في العُرْف الدارج عند أهل الأردن عموماً وأهل جرش والريف خصوصاً ، فيُعتبر هذا الموقع رمزاً للجمال والخصوبة والرحمة ، إذ تتدفق منها المياه الصافية وتعتدل الأجواء في ظلال أشجار الأرز والبلوط والصفصاف ، ليطلق عليها الأجداد والأهالي مأثوراتهم الشهيرة التي توثق طبيعة مناخها ومواسمها الزراعية والجمالية في ربوع الوطن .

​غابات الأرز ودبين في الذاكرة الزراعية والتراثية الأردنية :

​يزخر التراث الشعبي الأردني بالعديد من الأمثال والمأثورات التي ترتبط بطبيعة جرش وغاباتها ارتباطاً وثيقاً بالزراعة والفلاحة وتقلبات الجو والينابيع ، ومن أشهر هذه التعبيرات الدارجة في القرى والمدن الأردنية قولهم ( جرش دانة الدينا وغاباتها ما تملها ) بمعنى أن جمالها وبساتينها الغناء تظل واحة راحة واسترخاء لكل زائر ، ويعني أن جبالها ومرتفعاتها لا تخلو من الخيرات والطبيعة الساحرة . ويضاف إليها قولهم التراثي المعبر ( يا ميرد جرش ويا بيرم ريحانها ) للدلالة على وفرة الخضار وعذوبة الطبيعة المتدفقة في دبين وما حولها ، وقولهم ( طبيعة جرش تسر الخاطر وتشفي العليل ) كناية عن صفاء هوائها وروعة غاباتها .

​ومن الأمثال والحِكم الحاثة على حماية الطبيعة والتأهب للاستفادة من خيراتها قولهم ( احفظ شجر الأرض تلقى ظل ودفى ) تأكيداً على أهمية المحافظة على الغابات الحرجية في المرتفعات الأردنية ، و ( اللي ما يعرف جرش ما عرف تاج الشمال ) تحبيبًا بزيارة هذه البقاع الساحرة ، بينما يعبر الوصف الدارج عن المنطقة بأنها ( غابات جرش ما تنشبع منها شوفة ) تعبيراً عن جمال إطلالاتها ومناظرها الخلابة التي تمس جبال جرش الشامخة . كما يُشير التراث المحلي إلى ارتباط هذه الغابات بموسم الحصاد والقطاف في سهولها وبساتينها المجاورة ، ويؤكد الموروث أن غابات جرش هي رئة الوطن وتاج الطبيعة الأردنية .

​موسم القطاف والينابيع والملامح التراثية الأردنية في جرش :

​يُعدّ موقع غابات الأرز ودبين في محافظة جرش موسماً حيوياً للنشاط الزراعي والبيئي ، فهو يُعرف تراثياً في الموروث المحلي بـ ( جنة الأشجار والينابيع ) لكثرة خضرتها وتنوع أشجارها طوال العام ، وبـ ( موسم الخيرات الجرشية ) لبدء تحضير وتشغيل الأراضي الزراعية وصنع المنتجات البلدية الأصيلة . كما يُعرف هذا المكان في الذاكرة الشعبية الأردنية بكونه ملاذاً هادئاً بعيداً عن صخب المدن ، وبكونه حاضنة للتنوع البيئي والنباتي الفريد في المرتفعات الشمالية . وتجتمع العائلات الأردنية في ربوع هذه الغابات والبساتين لتبادل التعاون والجهد في طقس اجتماعي تراثي أصيل يجسد معاني التكافل والفرح بجمال الطبيعة .

​الملامح والطقوس التراثية والطقسية في المجتمع الأردني :

​تتكامل التجربة في غابات الأرز ودبين في جرش مع استهلال مواسم الاسترخاء والرحلات العائلية في الأردن ، وهو ما يتزامن مع ممارسات تراثية عريقة مرتبطة بالعناية بالأرض وحمايتها . وتبرز في هذه الأجواء العادات الاجتماعية المرتبطة بالضيافة الريفية الأردنية العريقة وتخزين المؤونة المجففة والمنتجات الطبيعية ، وسط أجواء غابية دافئة منعشة تعكس ارتباط الأسر الأردنية بجذورها وتراثها العريق ، استناداً إلى قيمنا وثقافتنا وبإشراف ومتابعة من وزارة الثقافة الأردنية ووزارة السياحة والآثار .

​جغرافيا جرش وغابات الأرز :

​تتسم منطقة جرش وغابات الأرز ودبين بتنوع مناخي وطبوغرافي ساحر يجمع بين كثافة الغابات الحرجية وارتفاع الجبال وشموخها ، وهدوء المرتفعات المطلة على الوديان والسهول الزراعية . وتكتسي المناظر الطبيعية في هذه الربوع بمسحة من السكينة والجمال الأخاذ ، لتبقى جرش وغاباتها محطاً لأنظار العشاق والباحثين عن عبق التراث وجمال الطبيعة الأردنية الأصيلة .