يُبيّن المقال غابة الشكاير وقرية عين جنة في محافظة عجلون ، مُستعرضاً جمال طبيعتهما الخلابة وتاريخهما العريق وينابيعهما العذبة وأهميتهما في الموروث التراثي الأردني .
غابة الشكاير وعين جنة في محافظة عجلون ... واحة الخضار وتاج الطبيعة الأردنية
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
تعتبر بلدة عين جنة وغابة الشكاير التابعة لواء قصبة عجلون في محافظة عجلون بلدة أردنية كبيرة و قديمة تتربع على قمم الجبال الشامخة ، ومرتبطة ارتباطاً وثيقاً بذاكرة الأرض وأصالة التراث الريفي الأردني . وجاء اسم بلدة عين جَنـّا من كلمتين ، هما ( عين ) أي نبع الماء ، و ( جَنـّا ) تحريف عن كلمة ( جَنـّة ) ، وأحيانا يكتبونها عين جنة ، ويُعتقد أنها أعطيت هذا الاسم بسبب كثرة الينابيع والجداول الصافية التي كانت في البلدة ومحيطها ، حيث ما زال الكثير منها موجودا حتى الآن . وقد تسببت وفرة المياه في وجود أرض خصبة وخضراء ، ومنظر عام جميل وأخضر يحيط بها ، بينما يأتي إطلاق اسم ( الشكاير ) على هذه الغابة الواقعة في منطقة عين جنة ارتباطاً وثيقاً بالدلالات التاريخية والعشائرية والملكية العقارية للمكان في الذاكرة المحلية لأهل المنطقة ؛ إذ تُعزى التسمية في الغالب إلى العشائر والعائلات التاريخية أو الأسر التي تعود ملكية أراضي تلك البقعة الحرجية أو حراستها والانتفاع منها إليها كألقاب أو أراضٍ محددة بأسماء مالكيها القدامى في جبال عجلون ، وهي ظاهرة معروفة في جغرافية الأردن الريفية حيث تُعرف المواقع والغابات بأسماء العائلات أو الأقسام العشائرية التي تستغلها أو تقع في حوزتها . أما موقع البلدة فهو في محافظة عجلون في الشمال الغربي من الأردن ، وتبعد حوالي 70 كم عن العاصمة الأردنية عمان ، وتقبع البلدة على جبلين ضخمين متقابلين ، وتشرف على قلعة عجلون التي تبعد نحو 2 كم إلى الغرب منها ، كما تشرف على بعض البلدات الأخرى ومنها ، مدينة عجلون الملتصقة بها ، وبلدة عنجرة وبلدة كفرنجة . وترتفع عين جنا عن سطح البحر بمعدل يتراوح بين 850 إلى 1100 متر ( وفي بعض المرتفعات تصل إلى 1250 متراً ) ولذلك تُعرف ببرودتها وكثرة تساقط الثلوج في الشتاء كباقي مناطق جبال عجلون ، بل وتشرف بإطلالتها الساحرة على مناطق أبعد من الحدود الأردنية وصولاً إلى جبال نابلس في الضفة الغربية على مسافة نحو 30 كم جواً . وفي هذه الأجواء الساحرة الممتدة على رقعة خضراء تحيط بها أشجار السنديان والصنوبر والكروم والزيتون والتين واللوزيات ، تتناغم الأشجار الحرجية المعمرة والكثيفة في غابة الشكاير مع الينابيع العذبة المنسابة من بطون الجبال في لوحة ربانية فريدة تخلو من التلوث الصناعي . وتستعد المنطقة لاحتضان الزوار والباحثين عن الهدوء والسكينة في تلاحم فريد بين الإنسان والمكان . وتعتبر ذاكرة عجلون وبلاد الشام غنية بالكثير من الحكايات والأمثال والذكريات المرتبطة بهذه الغابات العريقة ومقام الشيخ علي المومني التاريخي ، حيث لخصت بكلمات قليلة جمال الطبيعة وعراقة الأرض وخبرات الأجداد في الموروث الجمعي الأردني ، وعبر صفحات الصحف الوطنية ومصادر التراث المحلي التي طالما ربطت هبوب نسائمها بأصالة الشمال وذكريات الطبيعة الحنينية .
دلالة ( غابة الشكاير وعين جنة ) لغوياً وعُرْفاً في الوجدان الأردني :
يُقصد باسم عين جنة تلك البلدة الأردنية الكبيرة والقديمة التي تستمد اسمها من جزأين أساسيين ؛ الأول هو ( عين ) للدلالة على نبع الماء العذب والينابيع المتدفقة بكثرة في أرضها ، والثاني هو ( جنـّا ) الذي يُعد تحريفاً تاريخياً وعفوياً في اللهجة المحلية عن كلمة ( جنـّة ) لوصف روعة المكان وبساتينه الخضراء ونقاء عيونه ودلالة اسمه البصرية والبيئية العميقة التي تعكس خصوبة الأرض ووفرة مياهها الصافية التي تحيل جبالها إلى واحة تشبه الجنة في إضراب خضرتها وكثافة أشجارها وتنوع ثمارها ليكون رمزاً للجمال والصفاء والرخاء في الوجدان الشعبي الأردني . بينما تحمل غابة الشكاير اسمها العريق المرتبط بعبق الأرض والتاريخ المحلي ودلالته في الموروث المحلي والشعبي بوصفه رابطاً عميقاً يوثق أواصر العلاقة بين الإنسان والأرض ، ويحفظ حقوق الذاكرة المكانية والعشائرية التي تبين كيف أطلق أهالي عجلون أسماءً دقيقة على تلالهم وغاباتهم لتمييزها وتناقلها عبر الأجيال لتظل شاهدة على تاريخ الملكيات التقليدية والتضامن الريفي في ربوع الشمال الأردني . أما في العُرْف الدارج عند أهل الأردن عموماً وأهل عجلون والريف خصوصاً ، فيُعتبر هذا الموقع رمزاً للجمال والخصوبة والرحمة ، إذ تتدفق منها المياه الصافية وتعتدل الأجواء في ظلال أشجار البلوط والبطم والصفصاف ، ليطلق عليها الأجداد والأهالي مأثوراتهم الشهيرة التي توثق طبيعة مناخها ومواسمها الزراعية والجمالية في ربوع الوطن .
غابة الشكاير وعين جنة في الذاكرة الزراعية والتراثية الأردنية :
يزخر التراث الشعبي الأردني بالعديد من الأمثال والمأثورات التي ترتبط بطبيعة عجلون وغاباتها ارتباطاً وثيقاً بالزراعة والفلاحة وتقلبات الجو والينابيع ، ومن أشهر هذه التعبيرات الدارجة في القرى والمدن الأردنية قولهم ( عجلون جنة الدنيا وخضرتها ما تملها ) بمعنى أن جمالها وبساتينها الغناء تظل واحة راحة واسترخاء لكل زائر ، ويعني أن جبالها ومرتفعاتها لا تخلو من الخيرات والينابيع الجارية . ويضاف إليها قولهم التراثي المعبر ( يا ميرد عجلون ويا بيرم مائها ) للدلالة على وفرة المياه وعذوبة العيون المتدفقة في عين جنة وما حولها ، وقولهم ( طبيعة عجلون تسر الخاطر وتشفي العليل ) كناية عن صفاء هوائها وروعة غاباتها .
ومن الأمثال والحِكم الحاثة على حماية الطبيعة والتأهب للاستفادة من خيراتها قولهم ( احفظ شجر الأرض تلقى ظل ودفى ) تأكيداً على أهمية المحافظة على الغابات الحرجية في المرتفعات الأردنية ، و ( اللي ما يعرف عجلون ما عرف ريحان الشمال ) تحبيبًا بزيارة هذه البقاع الساحرة ، بينما يعبر الوصف الدارج عن المنطقة بأنها ( عين جنة ما تنشبع منها شوفة ) تعبيراً عن جمال إطلالاتها ومناظرها الخلابة التي تمس جبال عجلون الشامخة . كما يُشير التراث المحلي إلى ارتباط هذه الغابات بموسم قطف الزيتون والرمان والعنب في سهولها وبساتينها المجاورة ، ويؤكد الموروث أن غابات عجلون هي رئة الوطن وتاج الطبيعة الأردنية .
موسم القطاف والينابيع والملامح التراثية الأردنية في عين جنة :
يُعدّ موقع عين جنة وغابة الشكاير في محافظة عجلون موسماً حيوياً للنشاط الزراعي والبيئي ، فهو يُعرف تراثياً في الموروث المحلي بـ ( جنة العيون والينابيع ) لكثرة عذوبتها وتدفقها طوال العام ، وبـ ( موسم الخيرات العجلونية ) لبدء تحضير وتشغيل بساتين الزيتون والرمان والعنب وصنع المنتجات البلدية الأصيلة . كما يُعرف هذا المكان في الذاكرة الشعبية الأردنية بكونه ملاذاً هادئاً بعيداً عن صخب المدن ، وبكونه حاضنة للتنوع البيئي والنباتي الفريد في المرتفعات الشمالية . وتجتمع العائلات الأردنية في ربوع هذه الغابات والبساتين لتبادل التعاون والجهد في طقس اجتماعي تراثي أصيل يجسد معاني التكافل والفرح بجمال الطبيعة .
الملامح والطقوس التراثية والطقسية في المجتمع الأردني :
تتكامل التجربة في غابة الشكاير وعين جنة مع استهلال مواسم الاسترخاء والرحلات العائلية في الأردن ، وهو ما يتزامن مع ممارسات تراثية عريقة مرتبطة بالعناية بالأرض وحمايتها . وتبرز في هذه الأجواء العادات الاجتماعية المرتبطة بالضيافة الريفية الأردنية العريقة وتخزين المؤونة المجففة والمنتجات الطبيعية ، وسط أجواء غابية دافئة منعشة تعكس ارتباط الأسر الأردنية بجذورها وتراثها العريق ، استناداً إلى قيمنا وثقافتنا وبإشراف ومتابعة من وزارة الثقافة الأردنية ووزارة السياحة والآثار .
جغرافيا عجلون وغابة الشكاير :
تتسم منطقة عجلون وغابة الشكاير في عين جنة بتنوع مناخي وطبوغرافي ساحر يجمع بين كثافة الغابات الحرجية وارتفاع الجبال وشموخها ، وهدوء المرتفعات المطلة على سهول حوارة وإربد وغور الأردن . وتكتسي المناظر الطبيعية في هذه الربوع بمسحة من السكينة والجمال الأخاذ ، لتبقى عجلون وغابة الشكاير محطاً لأنظار العشاق والباحثين عن عبق التراث وجمال الطبيعة الأردنية الأصيلة .

قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) وزارة السياحة والآثار الأردنية ( 2023 م ) : دليل المعالم الطبيعية والغابات الحرجية في محافظات الشمال .
- 2 ) مديرية أوقاف عجلون ( 2021 م ) : التوثيق التاريخي والديني للمقامات والأماكن الأثرية في عجلون .
- 3 ) دائرة الإحصاءات العامة ( 2024 م ) : التجمعات السكانية والخصائص الجغرافية لبلدات محافظة عجلون .
- 4 ) التراث الشعبي الأردني والموروث البيئي ( 2020 م ) : الينابيع والمواسم الزراعية في جبال عجلون .
- 5 ) وكالة الانباء الأردنية ( بترا ) ( 2025 م ) : تقارير سياحية وبيئية عن غابات عجلون ومنطقة عين جنة .
- 6 ) موسوعة ويكيبيديا الحرة : توثيق جغرافية وتاريخ بلدة عين جنا في محافظة عجلون .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.