يتناول هذا المقال الجذور التاريخية والثقافية والبيئية لارتباط مدينة ملقة ( مالقة ) ببلاد الأردن ، مستعرضاً أسباب إطلاق لقب أردن الأندلس عليها وأبرز معالمها التاريخية وشخصياتها البارزة .
ملقة ( مالقة ) الإسبانية : أردن الأندلس ... قصة الشام التي أزهرت في قلب إسبانيا
بقلم : الاستاذ قيصر صالح الغرايبه
بين شواطئ البحر المتوسط الساحرة في جنوب إسبانيا ، وتلال شرق المتوسط العريقة في بلاد الشام ، يمتد خيط رفيع من التاريخ الإنساني والحضاري الذي نسجه الفاتحون الأوائل بوعي وحنين عميق . فلم يكن ارتباط مدينة ملقة ( مالقة ) التاريخي ببلاد الأردن مجرد تشابه عابر أو صدفة جغرافية ، بل كان تجسيداً حياً لوطن نُقلت تفاصيله بدقة ليُعاد بناؤه فوق تراب الأندلس ، حتى استحقّت بجدارة أن تُعرف تاريخياً وبعمق بلقب ( أردن الأندلس ) .
الجذور التاريخية والتأسيس المبكر : من ( مالاكة ) الفينيقية إلى كورة ريّة :
تمتد جذور مدينة ملقة ( مالقة ) التاريخية لأكثر من 2800 عام ، مما يجعلها واحدة من أقدم المدن المأهولة باستمرار في أوروبا الغربية . فقد أسسها التجار ( الفينيقيون ) في القرن الثامن قبل الميلاد ( حوالي عام 770 - 1000 ق . م ) ، وأسموها ( مالاكة ) . ويرجح اللغويون والمؤرخون أن الاسم مشتق من الكلمة الفينيقية التي تعني ( الملح ) ، نظراً لتمليح الأسماك وتجارتها على شواطئها ، أو نسبةً للإله الفينيقي ( مالكارت ) ، أو لكونها مرفأً تجارياً عظيماً يتحكم بثروات المنطقة وموقعها الإستراتيجي ، حتى وصفها التجار الأوائل بأنها ( ضوء الليل ) لانعكاس ضوء القمر على شواطئها .
تعاقبت على المدينة لاحقاً حضارات عريقة ؛ بدءاً من القرطاجيين واليونان ، مروراً بالإمبراطورية ( الرومانية ) في القرن الثاني قبل الميلاد والتي تركَت آثاراً خالدة كالمسرح الروماني ، ثم القوط الغربيين ، وصولاً إلى المحطة التاريخية الأبرز وهي ( الفتح الإسلامي عام 711 م ) .
كيف وُلد جند الأردن في الأندلس ؟
يعود أصل الارتباط الخاص بين ملقة ( مالقة ) والأردن إلى منتصف القرن الثاني الهجري ، وتحديداً في عام ( 142 هـ ) ( الموافق 742 م ) ، عندما واجهت الدولة الأموية في الأندلس مخاضات واضطرابات داخلية حرجة . حينها ، بادر الوالي ( أبو الخطار الكَلبي ) إلى الاستعانة بالأجناد الشامية الباسلة لضبط الأمن وإرساء دعائم الاستقرار .
وعندما هدأت الأمور واستقرت البلاد ، اتبع الوالي سياسة إدارية حكيمة قوامها تسكين الجند في مناطق تطابق بيئتهم الأصلية ، حيث وزّع هذه القبائل والأجناد على أقاليم الأندلس :
لماذا ملقة ( مالقة ) سُميت ( أردن الأندلس ) ؟ ( فلسفة التشابه البيئي والجغرافي ) :
أكد المؤرخون والباحثون المعاصرون ، وفي مقدمتهم معالي الباحث ( الدكتور صلاح جرار ) في دراسته القيّمة حول المدينة ، أن إطلاق اسم ( أردن الأندلس ) على ملقة ( مالقة ) لم يكن من فراغ ، بل جاء نتاج تطابق بيئي وجغرافي لافت :
ملقة ( مالقة ) في عيون المؤرخين والمعالم الأندلسية الخالدة :
سجل الجغرافيون والمؤرخون المسلمون هذا الارتباط في مدوناتهم الخالدة ، فكانوا يصفون ( كورة رية ) بأنها ( أردن الأندلس ) . وكتب المؤرخ والأديب ( لسان الدين بن الخطيب ) واصفاً المدينة بأنها طيبة الهواء ، كثيرة الفواكه ، وقد غلب عليها طابع الجند الذين نزلوها وأضفوا عليها رونقهم .
ولم يقتصر هذا الارتباط على الجانب العسكري والإداري ، بل تحول إلى روابط اجتماعية وثقافية عميقة ؛ حيث حافظت العائلات التي استقرت هناك على أنسابها الشامية لقرون طويلة ، ونقلت معها أنظمة الري المبتكرة وتقنيات الفلاحة المشرقية التي حولت ملقة ( مالقة ) إلى جنة خضراء . ومن أبرز المعالم الإسلامية التي شُيدت في تلك الحقبة :
الإرث الحديث والشخصيات البارزة :
في العصر الحديث ، أعاد الباحثون إحياء هذا الرابط التاريخي المنسي ، حيث أثبتت الدراسات أن الروح الأردنية ظلت حاضرة بقوة في ملقة ( مالقة ) حتى بعد سقوطها التاريخي بيد مملكة قشتالة عام ( 1487 م ) وتحول مساجدها تدريجياً إلى كنائس ( مثل كاتدرائية ملقة الشهيرة ) . ويتضح هذا الإرث جلياً في هندسة شبكات الري القديمة ، وفي المطبخ الملقي الذي لا يزال يحمل بصمات وتشابهات واضحة مع المطبخ الشامي التقليدي .
كما أنجبت ملقة ( مالقة ) عبر تاريخها قامات علمية وأدبية عالمية خلدت اسمها ، وفي مقدمتهم العالم الطبيب والنباتي الشهير ( ابن البيطار ) ، وصولاً إلى عصر النهضة الصناعية والاقتصادية في القرنين التاسع عشر والعشرين ، واشتهارها عالمياً كمسقط رأس الفنان العالمي ( بابلو بيكاسو ) .
إن لقب ( أردن الأندلس ) ليس مجرد استعارة شاعرية أو ترف أدبي ، بل هو وثيقة تاريخية دامغة تؤكد كيف استطاع الإنسان العربي أن يحمل وطنه في أعماق قلبه ليغرس أوتاده في أرض جديدة ، لتظل ملقة ( مالقة ) - التي تشرق شمسها اليوم على ملايين السياح من أصقاع الأرض - تحمل في ذاكرة التاريخ بصمة جند الأردن الذين رأوا فيها طبرياهم وجبالهم الخضراء ، فجعلوها أجمل ثغور الأندلس وأزهرها .









قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) الدكتور صلاح جرار : دراسة محكمة ومنشورة في صحيفة الرأي حول عنوان : مدينة مالقة هي أردن الأندلس .
- 2 ) صحيفة الدستور الأردنية : مقال وتوثيق تاريخي بعنوان : جبال وسواحل الأردنيين في مالقة الإسبانية - تاريخ الأندلس .
- 3 ) ابن الخطيب ، لسان الدين : الإحاطة في أخبار غرناطة ، مادة الحديث عن كورة رية وملقة .
- 4 ) الأنطاكي ، يحيى / والمؤرخون الأندلسيون : دراسات حول توطين الأجناد الشامية في الأندلس خلال العصر الأموي .
- 5 ) موسوعة ويكيبيديا وموقع إسلام ويب : مواد توثيقية وتاريخية حول تاريخ مدينة مالقة الأندلسية ومعالمها الأثرية ، القصبة وجيبرالفارو .
- 6 ) موقع مالقة الرسمي Malaga . com وموقع Spain . info السياحي : نبذة تاريخية عن الاستيطان البشري ، المعالم الأثرية ، وشخصيات ملقة البارزة كابن البيطار .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.