تظل مدن الشمال الاردني وعلى رأسها اربد والرمثا في ذاكرة التاريخ الأردني رقماً صعباً عصياً على الانكسار، وميدانياً وتجديدا مدينة الرمثا هذه البقعة المباركة من شمال الاردن وسهل حوران شهدت تحولات كبرى صاغتها سواعد الرجال ورباطة جأش الحرائر. ففي الوقت الذي كانت فيه القبائل البدوية الكبرى تطوف القرى وتسلب المقدرات، كانت الرمثا تقف كالسد المنيع، مدعومة بأحلافها الوثيقة وعمقها الحوراني الأصيل. إن الحديث عن حرب الجندلية ليس مجرد استذكار لواقعة عسكرية، بل هو قراءة في فلسفة لصمود اهل الشمال بشكل عام وأهل الرمثا بشكل خاص، وتوثيق لحظة تاريخية فارقة أثبت فيها عيال صويت (

ملحمة الأرض والكرامة
ملحمة الرمثا

ملحمة الأرض والكرامة: حرب الجدلية وانكسار الغزو على أسوار الرمثا

​بقلم: الأستاذ قيصر صالح الغرايبة

​​تظل مدن الشمال الاردني وعلى رأسها اربد والرمثا في ذاكرة التاريخ الأردني رقماً صعباً عصياً على الانكسار، وميدانياً وتجديدا مدينة الرمثا هذه البقعة المباركة من شمال الاردن وسهل حوران شهدت تحولات كبرى صاغتها سواعد الرجال ورباطة جأش الحرائر. ففي الوقت الذي كانت فيه القبائل البدوية الكبرى تطوف القرى وتسلب المقدرات، كانت الرمثا تقف كالسد المنيع، مدعومة بأحلافها الوثيقة وعمقها الحوراني الأصيل. إن الحديث عن حرب الجندلية ليس مجرد استذكار لواقعة عسكرية، بل هو قراءة في فلسفة لصمود اهل الشمال بشكل عام وأهل الرمثا بشكل خاص، وتوثيق لحظة تاريخية فارقة أثبت فيها عيال صويت ( العزوة الجامعة لأهالي الرمثا في الشدائد، وسُموا بذلك لصيحاتهم المهيبة في الحروب - صويت الحرب -، ولنباهتهم وسرعة نجدتهم لكل مستغيث - صويت الفزعة -، ولشهامتهم في المواجهة الجلية. وقد خلدت الملاحم هذا اللقب كرمز للنخوة التي تذود عن الأرض والكرامة) وسناعيس حوران ( هي عزوة تاريخية شهيرة، وتطلق على الفرسان الأشداء، تقديراً لبأسهم وشموخهم) أن الأرض دونها الأرواح، وأن الكرامة لا تقبل المساومة.

حرب الجدلية على أسوار الرمثا
إطار بصري أرشيفي يوثق ملحمة الرمثا وصمود أهلها

​السياق التاريخي والدوافع:

​قبيل تأسيس الإمارة (فترة الفراغ السياسي وهي الفترة الممتدة بين انهيار حكومة الملك فيصل في سوريا عام 1920 م وتأسيس إمارة شرق الأردن عام 1921 م) ، سيطر قانون الغزو والارتحال على المشهد، حيث كانت بعض القبائل تفرض ما يعرف بـ الخاوة على القرى الزراعية مقابل تأمين الحماية أو كف الأذى. كانت بلدات وقرى سهل حوران والشمال الاردني  ، وعلى رأسها الرمثا وحوارة والصريح والحصن وغيرها، تمثل سلة غذاء المنطقة، مما جعلها هدفاً دائماً للغزوات. ومع تزايد الضغوط، بدأ أهالي البلدات والقرى بجمع الأسلحة من مخلفات الجيش العثماني المنسحب (بعد خسارته في الحرب العالمية الأولى)، وقرروا كسر معادلة التبعية والانتقال من الدفاع الهش إلى المواجهة المنظمة تحت قيادة زعامات وطنية وازنة.

​ميزان القوى والتحالفات:

​شهدت الجندلية اصطفافاً كبيراً عكس خارطة النفوذ آنذاك، حيث تزعم حلف أهل الرمثا والقرى الشيخ فواز البركات الزعبي، والشيخ عمر الحسين، والشيخ عبد الرحمن العمري، وضم الحلف مقاتلين من الرمثا، وسهل حوران، وعشائر بني جهمة في اربد تحديدا قرى شرقي إربد   وبني عبيد في الصريح والحصن. وقد تعزز هذا الحلف برباطة جأش الرماثنة ودعم لوجستي ممتد، في المقابل، ضم حلف القبائل المهاجمة سبع قبائل كبرى مثل ولد علي والزيادنة والعدوان والصخور والسردية والسرحان، بينما سجلت قبيلة بني خالد موقفاً تاريخياً برفضها المشاركة في الهجوم على الرمثا ودعمها لمواقف أهالي المنطقة.

​الدور الاستراتيجي لقرى حوران وحوارة:

​لم تكن الرمثا وحدها في الميدان، بل كانت قرى حوران وإربد تمثل العمق الاستراتيجي والسند الحقيقي في هذه الملحمة. فقد شارك معظم أهالي قرى حوران والشمال الأردني، بما في ذلك بلدة حوارة وغيرها من القرى والبلدات، في دعم ومساندة الرمثا خلال حرب الجندلية عام 1921 م. ورغم أن مشاركتهم لم تكن كتحالف قتالي مباشر في الخطوط الأولى، إلا أنهم اضطلعوا بدور حيوي من خلال إمداد أهل الرمثا والقرى المجاورة بالسلاح، والمال، والمعونة اللازمة لمواجهة الغزو الطاحن. وتبرز أهمية بلدة حوارة في هذا السياق كقرية استراتيجية ومركز علمي وثقافي هام في سهل حوران، حيث شكلت مع جاراتها ظهيراً قوياً لرجال الرمثا. ورغم أن المراجع التاريخية ركزت على الدور الجماعي لأهل حوران والرمثا في هذه الملحمة ولم تورد قائمة محددة بأسماء أفراد من حوارة شاركوا في ساحة المعركة، إلا أن أثر دعمهم كان جلياً في تحقيق النصر.

​السياسة الخارجية والتحالفات السرية:

​اتسمت الرمثا بخصوصية فريدة في علاقاتها، فقد كانت أبوابها تفتح صوب الشرق أكثر من باقي الاتجاهات، حيث حافظت على علاقات طيبة مع بني معروف (الدروز)، بينما كانت تعقد أحلافاً سرية مع جاراتها في إربد وقراها ، وهو ما عرف بـ الباب الغربي (غرب الرمثا) الذي منع وصول الغزو إلى عمق الرمثا، فظلت المعارك والحرابات دائماً على الأطراف ولم تشتعل في وسط المدينة أبداً.

​أحداث المعركة وميدانها:

​اندلعت المعركة عام 1921 م في المنطقة الممتدة من أطراف الرمثا الجنوبية، التي عرفت بـ بركة الدم، وصولاً إلى منطقة دن (منطقة الرميث) وهي موقع جامعة العلوم والتكنولوجيا حالياً. استعرض المهاجمون قوتهم بنحو ألفي خيال ، إلا أنهم جوبهوا بتنظيم قتالي محكم من أهالي الرمثا والقرى المساندة الذين استغلوا تضاريس الأرض وسلاح المعدل الذي اشتروه بأثمان باهظة، وقد انتهت المعركة بانتصار حاسم لأهل الرمثا ومقتل زعيم الغزاة الملقب بـ عامود السما، وبلغت الحصيلة الإجمالية للضحايا من الطرفين نحو 125 رجلاً.

​الجندلية في الموروث الشعبي:

​لم تكن الجندلية معركة سيوف ورصاص فحسب، بل كانت معركة كرامة خلدها الشعر الشعبي ليحفظها للأجيال، فصارت أبيات الجوفية تتردد في أفراح الرمثا فخراً:

​هذا ظني اليوم حرب الجندلية ... فزعت الفرسان وعيال الحمايل

يا عيال صويت صيحوا بالحميه ... واذبحوا عدوكم ذبح الحلايل.

​إن حرب الجندلية لم تكن مجرد انتصار عسكري، بل كانت إعلاناً عن استقلالية الرمثا التي لم تخضع للانتداب الإنجليزي أو الفرنسي في بداياته، وظلت هويتها الطابوية والنفوس مرتبطة بجذورها الحورانية حتى مطلع الثلاثينات. لقد كرست هذه الملحمة هوية الرمثاوي الذي يعرف عن نفسه في شتى بقاع الأرض بعبارة رمثاوي يا خال، وهي عبارة تحمل في طياتها إرث الجندلية وصمود الأجداد. ستبقى الجندلية شاهداً على أن الرمثا كانت وستبقى بحمى الرحمن، منيعة بفضل تلاحم أهلها وصدق انتمائهم لتراب هذا الوطن.

مادة مرئية مرفقة داخل إطار PETRA فاخر — بدون تشغيل تلقائي

​قائمة المصادر والمراجع:

​كتاب تاريخ شرقي الأردن وقبائلها ، الكابتن فردريك بيك.

كتاب مدينة الرمثا ولوائها، العقيد الركن المتقاعد فاروق نواف السريحين.

معجم العشائر الأردنية، روق وفوزي.

كتاب عهد الإمارة، الدكتور علي محافظة.

مقالات وأبحاث الأستاذ عمر طخشون روابدة (صفحات من تاريخ الصريح).

أرشيف وكالة نيروز الإخبارية والجريدة الرسمية (مقالات في التراث والتاريخ).

الموروث الشفوي وأشعار الشاعر إبراهيم عبد الرزاق الشلول ( الدوقراني).

مدونات تاريخ حوران وإربد.

قيصر صالح الغرايبة

عن الكاتب: الأستاذ قيصر صالح الغرايبة

باحث وكاتب مهتم بالتاريخ الاجتماعي والتراث الأردني، يركز في كتاباته على توثيق الذاكرة المحلية، والسير العائلية، والتحولات الثقافية في شرق الأردن، ضمن معالجة أرشيفية أدبية تحافظ على أصالة النص وروحه التاريخية.