لم تكن الملابس في حياة الأردنيين يوما مجرد وسيلة لستر الأجساد أو اتقاء حر الصيف وقر الشتاء، بل كانت نصا تاريخيا مكتوبا بخيوط الحرير والجوخ، يروي حكاية الإنسان مع الأرض، ويوثق بدقة ملامح الانتماء الجغرافي والحالة الاجتماعية.

حكاية الثوب والأرض
ذاكرة الثوب الأردني

حكاية الثوب والأرض: ملابس الأردنيين بين أصالة البادية وعراقة الريف والمدينة

​بقلم: الأستاذ قيصر صالح الغرايبة

​لم تكن الملابس في حياة الأردنيين يوما مجرد وسيلة لستر الأجساد أو اتقاء حر الصيف وقر الشتاء، بل كانت نصا تاريخيا مكتوبا بخيوط الحرير والجوخ، يروي حكاية الإنسان مع الأرض، ويوثق بدقة ملامح الانتماء الجغرافي والحالة الاجتماعية.

ملابس الأردنيين بين أصالة البادية وعراقة الريف والمدينة
مشهد بصري يوثق الزي الأردني بين البادية والريف والمدينة

في هذا المقال، أبحر في ذاكرة المغزل والمقص لنتعرف على فلسفة اللباس عند أهل البادية والريف والمدن الأردنية عبر حقبة زمنية ثرية بالتحولات.

​أولا: هندسة الإنتاج: من جز الصوف إلى ماكينة الخياطة:​

كانت صناعة الملابس في شرق الأردن تقوم على موازنة دقيقة بين الإنتاج المنزلي والاكتفاء الذاتي وبين الانفتاح التجاري.

​في المدينة: كانت الحواضر الكبرى كعمان والسلط وإربد والكرك وغيرها مجمعات تجارية تضم محلات الأقمشة التي تستورد أفخر أنواع الجوخ والحرير والكتان من دمشق، وبيروت، والقدس، وغيرها. كما برزت مهنة الخياط المحترف الذي يمتلك مشغلا خاصا يقصده الوجهاء والتجار والموظفون لتفصيل القماميز والبدلات العربية.

​في الأرياف: كانت ماكينة الخياطة هي الركن الأقدس في البيت القروي، حيث تتعلم السيدة الريفية بالفطرة والممارسة فنون التفصيل لتصنع ملابس أطفالها وزوجها وثيابها الخاصة، مما شكل حالة من الاكتفاء الذاتي المبدع.

​في البادية: تجلت عبقرية المرأة البدوية في تحويل الخام إلى ملبس، فبعد موسم جز صوف الأغنام، تقوم بغسله وتنظيفه، ثم مغزله وتحويله إلى خيوط تصبغ بألوان الطبيعة، لتُحاك منها العباءات الثقيلة والمدارق الصامدة، بالإضافة إلى ما كان يتم شراؤه من أقمشة قطنية من أسواق المدن.

​ثانيا: خريطة الأثواب النسائية: لكل مدينة نقشة وهوية

​لم يكن ثوب المرأة الأردنية عشوائيا، بل كان بطاقة تعريف تكشف عن الجغرافيا والمكانة:

​السلط والفحيص: برز ثوب الخلق أو الخلقة بطوله الشامخ الذي يصل لعدة أمتار ويطوى عند الخصر (العب)، بأردانه الطويلة التي تعصب بها الرأس.

​إربد وقرى الشمال: ساد الشرش الموشى بتطريز كثيف، يغلب عليه الحرير الأحمر الأرجواني ونقشات السنابل والزيتون وأزهار الرمان.

​معان: انفردت بثوب الهرمز المصنوع من الحرير الملون، الذي يعكس تاريخها كمركز تجاري وطريق للحج الشامي.

​الكرك والبادية والوسط: تسيدت المدرقة السوداء الوقورة، المزدانة بـ العرجة على الرأس، والملفع الذي يضفي جلالا وهيبة، بالإضافة لأثواب الشليل والبيرمية.

​ثالثا: لباس الرجل: هيبة المظهر وفلسفة العقال

​اتسم لباس الرجل الأردني بالرصانة والعملية، وتكون من قطع أساسية تعبر عن الفروسية:

​الدشداشة والقمباز: الدشداشة (الثوب) هي اللباس الأساسي، يرتدي فوقها الرجل القمباز أو الزبون المصنوع من الجوخ أو الكتان والمزين بالقيطان.

​الدامر والعباءة: الدامر هو المعطف القصير المبطن، بينما تعد العباءة الوبرية أو الحريرية عنوان السيادة والكرم والوقار.

​الشماغ والعقال: الشماغ الأحمر المهدب يدويا هو التاج الوطني، يثبته العقال (المرير) الذي اختلف سمكه؛ فكان رفيعا عند أهل البادية، ومبردا في الجنوب، وسحابا في الشمال.

الفروة: تعد الفروة رفيقة البدوي والقروي الأوفى في مواجهة زمهرير الشتاء، وهي عباءة فضفاضة تُصنع من جلود الأغنام وصوفها الطبيعي المبطن، أو من قماش الجوخ الفاخر. وإلى جانب وظيفتها الحيوية كدثار للتدفئة وسياج في وجه البرد القارص، تظل الفروة رمزاً للوجاهة وهيبة الرجال في المجالس (الدواوين / المضافات)، حيث تمتزج فيها ضرورة البقاء بجماليات التراث الأردني الأصيل.

​رابعا: ملابس التخصص والوظيفة: من الحقل إلى الديوان

​عرف المجتمع الأردني التخصص في اللباس حسب طبيعة العمل والمناسبة:

​ملابس الكد والعمل: كان الفلاح والراعي يرتدون ملابس متينة وعملية (سروال وقميص) لتسهيل الحركة، بينما تميز الموظف والتاجر بنظافة القمباز الفاخر وارتداء السديري والطربوش، وساعة الجيب.

​ملابس النوم: دخلت البيجامة القطنية كنمط جديد في المدن لتمثل ثقافة الراحة المنزلية بعيدا عن الملابس الرسمية.

​ملابس المناسبات: في الأفراح، تظهر ملابس الكسوة والعباءات المقصبة بـ الزري الذهبي، بينما في الأحزان تنزع الزينة ويُكتفى بالألوان الداكنة (الكحلي والأسود) تعبيرا عن الوقار والجلال.

​خامسا: الإكسسوارات والزينة: لمسات الأصالة

​لم يكتمل مظهر الرجل إلا بـ الجناد الجلدي الذي يحمل الرصاص والشبرية المغروزة في الخصر كرمز للكرم والشجاعة، بينما تزينت المرأة بـ الكردان الفضي، والزميم في الأنف، والعرجة التي تزدان بقطع العملة الذهبية والمجيديات.

​إن تاريخ الملابس في شرق الأردن هو رحلة بين إبرة المرأة في الريف والبادية ومقص الخياط في المدينة. لقد صاغت هذه المنسوجات هويتنا الوطنية، وظلت رغم حداثة العصر شاهدا حيا على ذكاء الإنسان الأردني في تطويع خامات بيئته ليصنع منها مجدا يلبس وفخرا يورث.

​قائمة المصادر والمراجع:

​أبو الشعر، هند (2001م). تاريخ شرق الأردن في العهد العثماني. عمان.

​الموقع الرسمي للتراث الثقافي غير المادي الأردني (وزارة الثقافة الأردنية).

​وكالة الأنباء الأردنية (بترا). تقارير استقصائية عن الزي التقليدي والهوية الوطنية.

​العدوان ، نمر أبو عرابي. الأعمال الكاملة والقصائد التوثيقية للأزياء الأردنية.

​ويكيبيديا (النسخة العربية). الأزياء الشعبية في الأردن.

​سجلات المتحف الوطني للفلكلور الأردني. توثيق المنسوجات والأدوات اليدوية.

قيصر صالح الغرايبة

عن الكاتب: الأستاذ قيصر صالح الغرايبة

باحث وكاتب مهتم بالتاريخ الاجتماعي والتراث الأردني، يركز في كتاباته على توثيق الذاكرة المحلية، والسير العائلية، والتحولات الثقافية في شرق الأردن، ضمن معالجة أرشيفية أدبية تحافظ على أصالة النص وروحه التاريخية.