تعد المائدة في شرق الأردن وبلاد الشام سجلاً حضارياً يختصر علاقة الإنسان بالأرض، فلم تكن لقمة العيش مجرد سد للجوع، بل كانت ميثاقاً للغوث والقرى، وتجسيداً لذكاء فطري طوع رمال البادية وصخور الريف لإنتاج غذاء يجمع بين البركة والعافية.
تاريخ الأطعمة والأشربة في شرق الأردن في العهد العثماني وعهد الإمارة الأردنية وما بعدها
تعد المائدة في شرق الأردن وبلاد الشام سجلاً حضارياً يختصر علاقة الإنسان بالأرض، فلم تكن لقمة العيش مجرد سد للجوع، بل كانت ميثاقاً للغوث والقرى، وتجسيداً لذكاء فطري طوع رمال البادية وصخور الريف لإنتاج غذاء يجمع بين البركة والعافية.
تنويه للقارئ الكريم:
إن ما سيرد في هذا المقال هو عبارة عن ذكر مبسط ومجمل لأهم الأطعمة والأشربة التي كانت حاضرة في شرق الأردن عبر حقب زمنية مختلفة. ونود التنويه إلى أن الموروث الغذائي الأردني زاخر بالأصناف التي قد لا يتسع المجال لذكرها تفصيلاً، أو قد يغيب عن الذاكرة بعضها، لذا نقتضي التنويه بأن هذا المقال هو محاولة للتوثيق والاستذكار، مع إدراكنا بوجود العديد من الأكلات التراثية الأخرى التي قد نكون قد أغفلنا ذكرها سهواً.
أولا: مائدة البادية والجنوب الاردني: أسرار النار وتمائم الصحراء
في البادية، كان الغذاء محكوماً بالترحال والقوة، وبرزت فيه عناصر أساسية لا تغيب
المنسف: هو سيد المائدة وعنوان الكرم الأصيل، يعتمد في جوهره على الأرز المطهو بالسمن البلدي، ولحم الضأن، والجميد (الأقط)، وخبز الشراك، وحديثا أصبح يُزين باللوز والصنوبر، ويُقدم بوضع رأس الخروف في منتصفه تقديراً للضيف.
الرشوف (معكرونة الأردن): طبق بدوي وجنوبي بامتياز، يتكون من البرغل والعدس وأحيانا يضاف الحمص والبصل، ويُطبخ بمرق اللبن الجميد مع السمن البلدي، ويُعد من الوجبات الشتوية التي تمنح الدفء.
الزرب: الفرن الطبيعي المحفور في باطن الأرض، حيث يُكمر اللحم والأرز والخضروات تحت التراب لينضج على حرارة الجمر المكتوم، مكتسباً نكهة الدخان.
قرص العربود والمجللة: تجسيد لعبقرية الطهي في الرماد وعلى نار الجلة (مخلفات الماشية اليابسة).
العيش (فتة السمن واللبن): وجبة يومية مشبعة تعتمد على خبز الشراك المفتوت بالسمن واللبن.
ثانيا: ريف الشمال وسهول حوران: هندسة الطهي بالحبوب والزيت:
امتاز مطبخ الشمال الاردني (إربد، الرمثا، لواء بني كنانة، وغيرها) بأطباق تعتمد على خيرات الأرض من قمح وزيت:
المكمورة: سيدة موائد الشمال، وتتكون من طبقات رقيقة من العجين المفرود بزيت الزيتون يتخللها الدجاج المتبل بالبصل والبهارات، وتُخبز في الفرن حتى النضج.
الجعاجيل أو الـCHعاجيل: كرات من عجين طحين القمح والبيض والبصل الأخضر والزعتر البري (أو نبتة الجعدة)، تُسقط في قدر من اللبن الجميد المغلي.
المقلوبة: تتكون من الأرز واللحم أو الدجاج مع الباذنجان والزهرة (القرنبيط)، وتُقلب عند التقديم لتكون اللحوم في الأعلى
المجدرة: طبق يعتمد على الأرز أو البرغل مع العدس والكمون والزيت، ويُغطى بالبصل المقلي المقرمش.
الزقاريط: عجين من البرغل والبصل يُشكل كرات ويُطبخ مع لبن الجميد.
اذان الشايب (الشيشبرك): عجين محشو باللحم المفروم والبصل يُطهى في اللبن، ويرتبط بليالي الشتاء.
وتزخر المائدة في الشمال الأردني الأخضر بصنوف فريدة من الأطباق التراثية التي تعكس كرم أهلها، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: الكباب الذي يشتهر به أهل الرمثا وأهل بني كنانة بمختلف طرقه، سواء الكباب المقلي أو المهبل أو المزنرة (زنابيط البصل الاخضر بزيت الزيتون)، بالإضافة إلى المبصل (خبز البصل) والمردد، الفطائر وغيرها من الأكلات الشعبية التي تفيض بالخير والأصالة في ربوع الشمال الاردني.
ثالثا: نشوء الأسواق والمطاعم في الحواضر في عهد الإمارة
مع استقرار الدولة وتطور المدن كعمان وإربد والسلط والكرك، وغيرها ظهرت ملامح اقتصادية جديدة:
المطاعم الشعبية: التي بدأت بتقديم وجبات الحمص والفول والمجدرة وقلاية البندورة (بالسمن أو اللحم أو البيض) لرواد الأسواق.
المسخن: طبق تأصل في الثقافة المحلية، يعتمد على خبز الطابون المنقوع بزيت الزيتون والسماق والبصل مع الدجاج المشوي.
الكبة: كرات اللحم والبرغل والبهارات، التي تؤكل مقلية أو مخبوزة كطبق جانبي.
رابعا: حلويات الشتاء ودفء الأسواق (العوامة وأخواتها)
العوامة: كرات عجين مقلية تُغمر بالقطر الكثيف، وتشتهر بها الأسواق في الشتاء.
أصابع زينب (الصرة) والمشبك: حلويات السميد والطحين المقلي المحلى بالقطر.
اللزاقيات: حلوى ريفية وبدوية تتكون من أرغفة خبز الشراك المدهونة بالسمن والسكّر أو الدبس والسمسم.
المهلبية والكعيكبان والحلقوم (الراحة): حلويات الحليب والنشا ومكونات الطعام والسكر، والكعيكبان الملون (الأحمر والأبيض) الذي ارتبط بالأعياد.
الأرز بالحليب والعسل او القطر: من الأطباق التقليدية البسيطة للتحلية.
خامسا: ثقافة المرطبات والمشروبات: من الكازوز إلى عصير التانج
الكازوز والمرطبات: المشروبات الغازية، إضافة إلى الإسكيمو والدورادو والبراد المجمد (ماء وصبغة وسكر) في أكياس النايلون لصبية الحارات.
العصائر المستحدثة: مثل عصير التانج (البودرة) الذي أصبح اسماً دارجاً لكل عصير سريع التحضير يُقدم بارداً للضيوف في فصل الصيف.
سادسا: ثقافة المشروبات الساخنة والطب الشعبي بالأعشاب
لم تقتصر المائدة في شرق الأردن على إشباع الجوع، بل امتدت لتشمل جانباً وقائياً وعلاجياً من خلال منقوع ومغلي الأوراق النباتية التي تجود بها الأرض الأردنية. فقد اعتمد الأهل على نباتات البيئة المحلية مثل الميرمية والزعتر البري والشيح والقيصوم والجعدة، حيث تُغلى هذه الأوراق وتُقدم كمشروبات ساخنة تمنح الدفء في ليالي الشتاء القارصة، فضلاً عن استخدامها في الطب الشعبي لعلاج العديد من الأوجاع. ولا تكتمل جلسات السمر الشتوية دون إبريق الشاي المُنكه ببهارات الأرض، أو القهوة السادة التي تُحضر بعناية وتُبهّر بالهيل، مما يعكس تلاحماً فريداً بين الإنسان وبيئته وتوظيفاً ذكياً لمواردها في سبيل الصحة والاستمتاع.
وتعد القهوة المرة (السادة) والشاي من الركائز الأساسية التي لا تكتمل دونها طقوس الضيافة في شرق الأردن، فالقهوة المرة التي تفوح برائحة الهيل ليست مجرد مشروب، بل هي رمز للأصالة ومنصة لإعلان الترحيب بالضيف، ولها آدابها الخاصة في الصب (السادة تعكس هيبة المجلس وكرم المضيف. أما الشاي، فهو رفيق السمر واللقاءات الحميمية، وغالباً ما يُقدم مُنكهاً بأوراق الميرمية أو النعناع أو الزعتر البري، ليختصر بعبقه دفء البيوت الأردنية وبساطة العيش، ويظل هذان المشروبان حاضرين في كل محفل، يربطان الحاضر بالماضي ويجسدان أسمى معاني الحفاوة والقرى.
سابعا: أطعمة الأرصفة وزاد الباعة المتجولين
البليلة والفول النابت: أطباق ساخنة تُقدم مع البقدونس المفروم، والكمون والليمون والسماق.
الترمس والذرة: وجبات خفيفة مسلوقة أو مشوية تُباع في الساحات.
حلويات الحارات: مثل العنبر (التفاح المغطس بالقطر الأحمر)، والكريزة الملونة والمدينة بجوز الهند، والدحدح وغيرها.
ثامنا: هندسة البقاء وعبقرية المونة الأردنية:
وفي زوايا البيوت الأردنية العتيقة، تجلت عبقرية الأمهات في فن (المونة)، حيث كُنَّ يسابقنَ فصول السنة لتطويع خيرات الأرض. فمن تخزين الحبوب (البرغل) والعدس والفريكة وإعداد القاورما في ظلال الخابية الفخارية (طريقة عبقرية ابتكرها الأجداد لحفظ اللحم لفترات طويلة تصل إلى سنة كاملة دون الحاجة لوسائل تبريد ، وذلك قبل عصر الكهرباء)، إلى تجفيف البندورة ونظم عقود البامية وشتى صنوف الخضار والفاكهة، وصولاً إلى (الكشك) الذي يختزل بركة القمح (البرغل) واللبن ويُجفف بالإضافة الى المربيات والمخللات والمقدوس والزيتون الأخضر المرصوع والمكبوس والزيتون الأسود (الجرجير) وغيرها. ليستخدم طوال العام. ولم تقف المونة عند الحقل، بل شملت كنوز الأنعام من ألبانٍ وأجبانٍ وجميدٍ شُكِّل بعناية رصيداً استراتيجياً، ضماناً لاكتفاءِ الأهل من قسوة الشتاء، في مشهدٍ حضاريٍ عكس ذكاء الإنسان الأردني وفطنته في مواجهة الظروف وتطويع الطبيعة.
إن المائدة في شرق الأردن ليست مجرد طعام، بل هي تاريخ مفتول بالصبر والكرم، فمن مكمورة الشمال وزرب الجنوب، إلى دفء العوامة وبرودة عصير التانج، تظل هذه الأطباق رمزاً لوحدة المصير والاعتزاز بالهوية الوطنية الشاملة.
قائمة المصادر والمراجع:
أبو الشعر، هند (2001 م). تاريخ شرق الأردن في العهد العثماني. عمان: منشورات لجنة تاريخ الأردن.
الرقاد، ربيعة (2010 م). موسوعة التراث الأردني: المأكولات والمشروبات الشعبية. عمان: وزارة الثقافة الأردنية.
التراث الثقافي الأردني. توثيقات الذاكرة الشعبية.
صحيفة الدستور الأردنية. الأكلات القديمة ثقافة غذائية. (تحقيق صحفي).
وكالة الأنباء الأردنية (بترا). أرشيف المأكولات الأردنية والتراث الريفي.
عن الكاتب: الأستاذ قيصر صالح الغرايبة
باحث وكاتب مهتم بالتاريخ الاجتماعي والتراث الأردني، يركز في كتاباته على توثيق الذاكرة المحلية، والسير العائلية، والتحولات الثقافية في شرق الأردن، ضمن معالجة أرشيفية أدبية تحافظ على أصالة النص وروحه التاريخية.

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.