في غمرة التسارع المعرفي والتكنولوجي الذي نعيشه اليوم، تظل الذاكرة الوطنية هي المرساة التي تشدنا إلى جذورنا الأصيلة، وتمنحنا القدرة على استشراف المستقبل بعين خبيرة. ومن بين طيات الورق الأصفر الذي تهرأ عبر العقود، تلمع قطع ذهبية نادرة تعيد صياغة حكايات الأولين، وقصص كفاحهم لبناء هذا الوطن الأشم. ها هو إعلان تجاري قديم، يحمل رائحة التاريخ وعبق الطموح، يعود بنا إلى العام ١٩٦٢ م)، ليروي لنا فصلاً مشرقاً من حكاية نهضة تجارية أردنية واعدة.

أصداء الريادة في ذاكرة الوطن
ذاكرة الريادة التجارية

أصداء الريادة في ذاكرة الوطن: مفلح غرايبة وفجر الحداثة التجارية الأردنية

​بقلم: الأستاذ قيصر صالح الغرايبة

مفلح حسن غرايبة 1962 وكيل عام الشرق الأوسط لشركة G. SCHOU & CO. سكاو العالمية

 اربد تلفون ٥٦ ص ب (٦) – عمان تلفون ٢٦٥٩٢ يعلن للمواطنين الكرام عن وجود مخارط كرنك بأحجام مختلفة، مخارط سلندر عامودية لغاية قطر ٢٠٠ مم، ماكينات تنعيم كبيرة، مخارط ثابت مخارط درعان، مجالح روس، فريزات كبيرة وصغيرة وجميع قطع غياراتها من احجار جلخ وخلافه تسهيلات بالدفع نقدا وبالتقسيط بضاعة جاهزة للتسليم وتحت الطلب.

مفلح حسن غرايبة
إطار بصري أرشيفي يوثق إحدى صفحات الريادة التجارية الأردنية

أصداء الريادة في ذاكرة الوطن: مفلح غرايبة وفجر الحداثة التجارية الأردنية

​بقلم: الأستاذ قيصر صالح الغرايبة

​في غمرة التسارع المعرفي والتكنولوجي الذي نعيشه اليوم، تظل الذاكرة الوطنية هي المرساة التي تشدنا إلى جذورنا الأصيلة، وتمنحنا القدرة على استشراف المستقبل بعين خبيرة. ومن بين طيات الورق الأصفر الذي تهرأ عبر العقود، تلمع قطع ذهبية نادرة تعيد صياغة حكايات الأولين، وقصص كفاحهم لبناء هذا الوطن الأشم. ها هو إعلان تجاري قديم، يحمل رائحة التاريخ وعبق الطموح، يعود بنا إلى العام ١٩٦٢ م)، ليروي لنا فصلاً مشرقاً من حكاية نهضة تجارية أردنية واعدة.

​يبرز الإعلان، كأنه دعوة رقيقة لاستحضار زمن كان فيه الطموح يبني بيوتاً من الأمل. يتصدر الإعلان اسم المرحوم مفلح حسن غرايبة، بوصفه " وكيل عام الشرق الأوسط " لشركة العالمية “. G. SCHOU & CO" (سكاو العالمية) ، ليعكس الدور الريادي والحيوي للتاجر الأردني في ذلك الوقت ، فلم يكن مجرد ناقل للسلع بل كان نافذة على التكنولوجيا العالمية ومحركاً للتطور عبر توفير أحدث المعدات الميكانيكية للسوق المحلي.

​يستعرض الإعلان بدقة أصنافاً ميكانيكية متخصصة قدمها المرحوم مفلح حسن غرايبة كتاجر خبير بمتطلبات عصره: "مخارط كرنك بأحجام مختلفة"، "مخارط سلندر عامودية لغاية قطر ٢٠٠) مم"، "ماكينات تنعيم كبيرة"، "مخارط ثابت مخارط درعان"، "مجالخ روس"، "فريزات كبيرة وصغيرة". إن توفير هذه المعدات، التي تُرجمت أسماؤها للعربية بعبارات دارجة فنية في حينها، يرسخ دوره كداعم أساسي لإرساء قواعد قطاع الصيانة والتشغيل الوطني.

​ويأخذنا الإعلان في رحلة جغرافية عبر الأردن، عارضاً عناوين التواصل في اربد (تلفون ٥٦) وعمان (تلفون ٢٦٥٩٢). وتكتسب هذه الأرقام القصيرة دلالات حضارية عميقة، فرقم هاتف اربد المكون من خانتين فقط (٥٦) ورقم عمان خمس خانات ( ٢٦٥٩٢) فهذه شهادة حيّة على بداية التطور والتبادل الحضاري في المدينة (اقصد مدينة اربد) التي بدأت تشهد دخول خدمة الهاتف إليها، وتبرز في الوقت ذاته صغر حجم سكان المدينة ومحدودية عدد الخطوط المشتركة آنذاك.

​ولم يغفل الإعلان الجانب الإنساني والاقتصادي لرواد الأعمال، مقدماً "تسهيلات بالدفع نقداً وبالتقسيط"، في إشارة واضحة لدعم المشاريع الصغيرة والحرفيين، ولتأكيد أن النجاح ليس حكراً على من يملكون رأس المال الكامل فوراً.

​ إن هذا الإعلان القديم ليس مجرد قصاصة ورقية عابرة ، إنه وثيقة تاريخية حية ، وشهادة فخر باقية على حقبة ذهبية من تاريخ الأردن الاقتصادي والتجاري. إنه يذكرنا بأهمية الإعلان كمرآة تعكس تطور المجتمع وتطلعات أفراده. لقد كانت تلك الأيام أيام عمل وأمل، أيام بنى فيها الآباء والأجداد حجر أساس متين لما نحن عليه اليوم. فلنحافظ على هذه الذاكرة الغنية، ولنستلهم من قصصهم الإرادة والعصامية لبناء مستقبلاً مشرقاً للأجيال القادمة.

قيصر صالح الغرايبة

عن الكاتب: الأستاذ قيصر صالح الغرايبة

باحث وكاتب مهتم بالتاريخ الاجتماعي والتراث الأردني، يركز في كتاباته على توثيق الذاكرة المحلية، والسير العائلية، والتحولات الثقافية في شرق الأردن، ضمن معالجة أرشيفية أدبية تحافظ على أصالة النص وروحه التاريخية.