تُعَدُّ ( معركة عين جالوت ) نقطة التحول الكبرى في التاريخ الإسلامي ، إذ انتصر فيها المسلمون بقيادة قطز وبيبرس على المغول وحطموا أسطورتهم .

معركة عين جالوت : نقطة التحول الكبرى في التاريخ الإسلامي والعالم :

​بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​عندما واجه العالم الإسلامي شبح الفناء :

​يشهد السجل البشري محطات مفصلية فاصلة ، تغير مجرى التاريخ وتعيد رسم خريطة الأمم ، وتُعد ( معركة عين جالوت ) ( 25 رمضان 658 هـ / 3 أيلول 1260 م ) الدرة في تاج تلك المعارك. ففي منتصف القرن السابع الهجري ( الثالث عشر الميلادي ) ، واجه العالم الإسلامي أعنف وأشرس هجمة بربرية في تاريخه ، إذ لم يعرف المسلمون خطباً أشد هولاً منها لاكتساحها المدن الإسلامية وإتيانها على معالم الثقافة والمدنية. وقعت المعركة بعد انتكاسات مريرة لدول ومدن العالم الإسلامي ، فقد سقطت الدولة الخوارزمية بيد التتار في ( 15 شوال 628 هـ / 9 تشرين الأول 1239 م ) ، ثم سقطت بغداد وسقطت معها الخلافة العباسية بعد حصار دام أياماً ، انتهى بدخول المغول بغداد واستباحتهم للمدينة وقتلهم الخليفة العباسي المستعصم بالله في ( 4 صفر 656 هـ / 10 شباط 1258 م ) ، ثم في نفس السنة استطاع ( هولاكو ) ومعه قائده ( كتبغا ) احتلال جميع مدن الشام وفلسطين وإخضاعها له حتى وصلوا غزة، حتى ساد الاعتقاد المطلق بأن آلة الحرب الغازية لا تُقهر ولا تُرد .

​من واجه المماليك ؟ المغول أم التتار ؟ والفرق التاريخي الدقيق بينهما :

​كثر الخلط في المصادر و المراجع التاريخية والشعبية بين مصطلحي ( المغول ) و ( التتار ) حتى صار يُظن أنهما وجهان لعملة واحدة ، غير أن التحقيق التاريخي الدقيق يوضح فروقاً جوهرية بين الأقوام التي تكون منها ذلك الجيش الجبار الذي واجهه المماليك بقيادة قطز وبيبرس :

​1 ) المغول ( أصل الإمبراطورية والقيادة ) :

​الموطن والنشأة : هم قبائل بدوية سكنت في الأصل مناطق السهول الشمالية لآسيا الوسطى وتحديداً إقليم منغوليا الحالي .

​التأسيس : ظهروا كقوة كبرى وكيان موحد تحت إمرة ( جنكيز خان ) ( توفى 627 م ) الذي نجح في توحيد قبائلهم وأسس أكبر إمبراطورية متصلة عرفها التاريخ .

​2 ) التتار ( الفرع المختلف والملحق ) :

​الموطن والأصل : على النقيض من المغول ، يُعد التتار في الأصل قبائل تركية أو شعوباً ذات أصول مختلفة استوطنت مناطق شرقي منغوليا وجنوب سيبيريا .

​العلاقة الدموية مع جنكيز خان : في مراحل ظهورهم الأولى ، كانت العداوة مستحكمة بين التتار والمغول ، لدرجة أن جنكيز خان شنّ عليهم حرب إبادة شبه شاملة ، ولم يُبقِ منهم إلا قلة ذُوبجت واُستدمجت قسراً ضمن جيوشه .

​سبب إطلاق التسمية : نظراً لأن قبائل التتار كانت شرسة في القتال ولعبت دور طليعة الجيش ، فقد أطلق المؤرخون العرب والمسلمون خطأً اسم ( التتار ) على عموم الجيوش الغازية ، بينما كان الاسم السياسي والأصح هو ( المغول ) . ورغم أن جيش هولاكو وكتبغا كان يضم خليطاً من المغول والتتار ، إلا أن القيادة العليا كانت مغولية بامتياز .

​المشهد السياسي والعسكري : تمزق العالم الإسلامي وصعود الخطر :

​عاش العالم الإسلامي قبيل المعركة حالة غير مسبوقة من التشرذم والانقسام السياسي ، فقد كانت مصر في تلك الفترة تئِنُّ من الصراعات السياسية الداخلية بعد وفاة الملك الصالح أيوب وابنه توران شاه وعدم وجود أيوبي مؤهل لقيادة الدولة ، حيث انقسم كبار قادة المماليك بين مؤيدين لشجرة الدر والمماليك البحرية والمعزية. انتهت هذه الصراعات باعتلاء ( نور الدين علي بن أيبك ) البالغ من العمر خمسة عشر عاماً عرش مصر وتولي ( سيف الدين قطز ) الوصاية الكاملة عليه سنة ( 657 هـ / 1259 م ) سلطاناً لمماليك مصر لاحقاً ، والذي بدأ بالتحضير لمواجهة التتار ، فقام بترتيب البيت الداخلي لمصر وقمع ثورات الطامعين بالحكم.

​التعبئة الشاملة وعبقرية الإعداد الداخلي :

​لم ينتظر السلطان قطز وصول الغزاة إلى أبواب القاهرة ، بل شرع في إعداد استراتيجية شاملة :

1 ) توحيد القيادة العسكرية : أصدر قطز عفوًا عاماً وشاملاً عن قادة المماليك البحرية الهاربين إلى الشام بعد مقتل فارس الدين أقطاي بمن فيهم ( الظاهر بيبرس ) ، مما أعاد للقوة الإسلامية خبرتها الواسعة وتماسكها.

2 ) فتوى العز بن عبد السلام : استفتى قطز العالم الجليل ( عز الدين بن عبد السلام ) عندما أزمت الأمور مالياً ، فأفتى بأن يتساوى الأمراء والوزراء مع العامة في الممتلكات ويُجهّز الجيش بأموالهم، فإن لم تكفِ جاز فرض الضرائب بالقدر اللازم لتجهيز الجيش، مما خلق جبهة داخلية صلبة .

​رسالة هولاكو والتحدي التاريخي :

​أرسل هولاكو رسالة تهديد متغطرسة يطالبه فيها بالاستسلام والتسليم الفوري. لم تهز هذه الرسالة شجاعة قطز ، بل رد بمقولته الخالدة : ( يا أمراء المسلمين ، لكم زمان تأكلون أموال بيت المال وتتمتعون بالجهاد ، وأنا ألقى التتار بنفسي ! ) ، لقراره الشجاع بالخروج لملاقاة العدو خارج الحدود المصرية في أرض فلسطين .

​التخطيط الاستراتيجي وساعة الصفر في عين جالوت :

​ما إن انتهى قطز من تجهيز الجيش حتى سار به من منطقة الصالحية شرق مصر حتى وصل إلى سهل ( عين جالوت ) الذي يقع تقريباً بين مدينة بيسان شمالاً ، ومدينة نابلس جنوباً في فلسطين ، وهو موقع تكتيكي تحيط به المرتفعات لإخفاء الكمائن .

​تكتيك الاستدراج : قاد الظاهر بيبرس طليعة الجيش للتباكر والاشتباك مع الحرس الأمامي المغولي بقيادة ( بيدرا ) ، وتطهير منطقة العمق الفلسطيني من الوجود المغولي بل والتوغل استراتيجياً حتى حمص والبقاع للتمويه واستدراج العدو ، ثم تظاهر بالانكسار والانسحاب المدروس نحو سهل عين جالوت ، مما أطمع الغزاة ودفعهم للاندفاع بكل قوتهم داخل السهل.

​الذروة الميدانية : ( واإسلاماه ! ) :

​مع اشتداد ضغط الغزاة واهتزاز الميمنة الإسلامية ، ألقى السلطان قطز خوذته على الأرض وصرخ بأعلى صوته ثلاثاً : ( واإسلاماه ! واإسلاماه ! واإسلاماه ! ) حاملاً روحه على كفه .

في هذه اللحظة الحاسمة ، انقضت قوات الكمين بقيادة بيبرس بحصار عسكري محكم ( كماشة ) ، وتواجه الجيشان الإسلامي والمغولي ، وكانت الغلبة للمسلمين ، واستطاع الآلاف من المغول الهرب من المعركة واتجهوا قرب مدينة بيسان ، وعندها وقعت المعركة الحاسمة وانتصر المسلمون انتصاراً عظيماً ، وأُبيد جيش المغول بأكمله ، وتمكن الفارس جمال الدين آقوش الشمسي من اختراق الصفوف وقتل القائد المغولي ( كتبغا ) ، لتنهار عزيمة التتار وتتحطم الأسطورة للأبد.

​النتائج والدلالات التاريخية الكبرى :

​أثمرت معركة عين جالوت عن تحولات جبارة طبعت وجه التاريخ الإسلامي والإنساني :

1 ) كسر الأسطورة للأبد : تجاوز المسلمون الهزيمة النفسية التي عانوا منها جراء توغل التتار لأكثر من ستين سنة، وكان لمعركة عين جالوت الأثر العظيم في تغيير موازين القوة وتحجيم قوتهم والقضاء على أسطورتهم التي أرهبت القاصي والداني، كأول هزيمة حاسمة ومفتوحة منذ ظهور إمبراطوريتهم .

2 ) إنقاذ مقدسات الأمة : حُفظت بلاد الشام ومصر ، وحُميت المقدسات في مكة والمدينة والقدس من مصير بغداد المأساوي .

3 ) نهوض الدولة المملوكية : توطدت أركان الدولة المملوكية وتحقق التحالف الاستراتيجي بين مصر والشام لتصبح الحارس والسند الفعلي للعالم الإسلامي وقوته الضاربة لقرون تالية.

​إن عين جالوت لم تكن مجرد صراع عابر ضد تحالفات المغول والتتار ، بل كانت درساً إيمانياً وحضارياً عظيماً ، يؤكد أن الأمة إذا توحدت واهتدت باليقين والإخلاص ، استطاعت أن تقهر أقوى إمبراطوريات الأرض وتغير أقسى معادلات الزمان .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1 ) ابن خلدون ، عبد الرحمن : ( تاريخ ابن خلدون ) ، دار الفكر ، بيروت ، 1988 م.
  3. 2 ) المقريزي ، تقي الدين : ( السلوك لمعرفة دول الملوك ) ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، 1997 م .
  4. 3 ) ابن تغري بردي ، جمال الدين : ( النمور الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ) ، وزارة الثقافة والإرشاد القومي ، القاهرة ، 1963 م .
  5. 4 ) الصلابي ، علي محمد : ( الدولة المملوكية ) ، دار المعرفة ، بيروت ، 2006 م .
  6. 5 ) شبكة إسلام ويب : مقال ( عين جالوت 658 هـ ) والتوثيق التحليلي لنتائج المعركة وقائد المغول فيها.
  7. 6 ) الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ : منصات ومواضيع توثيقية في خدمة قضايا السيرة والتاريخ الإسلامي.
  8. 7 ) المنتديات والموسوعات التحليلية المختصة بالشؤون التاريخية والعسكرية (مثل شبكة الدفاع العربي والتوثيقات الاستراتيجية للتاريخ العسكري الإسلامي).
  9. 8 ) الجزيرة نت : موسوعة الجزيرة التاريخية (عين جالوت.. معركة أحييت دولة المماليك).
  10. 9 ) موقع الدكتور طارق السويدان : أسباب معركة عين جالوت ونتائجها والتفاصيل الاستراتيجية لتكتيكات قطز وبيبرس والدور القيادي لجمال الدين آقوش.