في الوقت الذي غابت فيه أصوات ( هدير ) البوابير من البيوت ، وحلت محلها تقنيات الغاز والكهرباء الصامتة ، لا تزال ذاكرة مدينة إربد وقراها تحتفظ بصورة ( مصلح البوابير ) ، ذلك الحرفي الذي كان يمتلك أصابع سحرية قادرة على إعادة الحياة لقطعة النحاس الصماء . لم تكن هذه المهنة مجرد إصلاح لأداة منزلية ، بل كانت صمام الأمان لمصدر الدفء والقوت الوحيد في البيت الريفي والشمالي القديم ، وقصة كفاح حرفيّة استطاعت أن تصمد عقوداً طويلة في وجه الآلة الصماء .
مصلح بوابير الكاز في إربد
حارس " بيت النار " وذاكرة الدفء في حارات الشمال
بقلم: الأستاذ قيصر صالح الغرايبة
في الوقت الذي غابت فيه أصوات ( هدير ) البوابير من البيوت ، وحلت محلها تقنيات الغاز والكهرباء الصامتة ، لا تزال ذاكرة مدينة إربد وقراها تحتفظ بصورة ( مصلح البوابير ) ، ذلك الحرفي الذي كان يمتلك أصابع سحرية قادرة على إعادة الحياة لقطعة النحاس الصماء . لم تكن هذه المهنة مجرد إصلاح لأداة منزلية ، بل كانت صمام الأمان لمصدر الدفء والقوت الوحيد في البيت الريفي والشمالي القديم ، وقصة كفاح حرفيّة استطاعت أن تصمد عقوداً طويلة في وجه الآلة الصماء .
بنية " البابور “: تعقيدات النحاس والضغط:
كان " بابور الكاز " ( البريموس ) يعتمد في عمله على هندسة دقيقة تتطلب مهارة استثنائية من المصلح . يتكون من خزان النحاس ، و ( الرأس ) الذي يخرج منه اللهب ، و ( النكاشة ) الدقيقة ، و ( الجلادة ) التي تحافظ على ضغط الهواء . كان مصلح البوابير في إربد يدرك بفطرته وخبرته سر كل صفير يخرج من البابور ، فيعرف إن كان العطل من ( الفونية ) المسدودة ، أو من تنفيس في ( لولب ) الضغط ، أو من تآكل في ( رأس الاحتراق ) نتيجة كثرة الاستخدام .
أدوات الحرفة : بين " الدقماقة " و " النكاشة " :
في دكان مصلح البوابير ، الذي كان يقع عادة في ( وسط البلد ) بإربد أو في قلب القرى الكبيرة مثل حوارة وبشرى والمغير ، كانت الأدوات بسيطة لكنها فعالة . تبدأ من ( الملزمة ) لتثبيت البابور ، و ( مفتاح الربط ) الخاص بالرأس ، وصولاً إلى ( سلك النحاس ) الرفيع جداً المستخدم في تسليك الفونية . وكان المصلح يستخدم مادة ( حمض الكبريتيك ) المخفف أو ( روح الملح ) لتنظيف قطع النحاس وإعادة بريقها الذهبي ، ليعود البابور للبيت وكأنه خرج من المصنع للتو ، متخلصاً من تراكم " الشحبار " والكربون .
رواد المهنة في إربد : بصمات لا تنسى :
اشتهرت مدينة إربد بأسماء لمعت في هذه الحرفة ، حيث كان يقصدهم الناس من القرى المجاورة لثقتهم بمهارتهم العالية وصبرهم على " عناد " القطع القديمة . وبرز في وسط المدينة القديمة ، وتحديداً في المنطقة المحيطة بـ ( مسجد إربد الكبير ) - المعروف شعبياً بـ " المسجد السفلي " - و ( سوق البصل ) القديم ، حرفيون توارثوا المهنة أباً عن جد . ومن أشهر هذه العائلات والأسماء التي ارتبطت بذاكرة الإربديين في هذا المجال ( عائلة الدقاق ) و ( عائلة السعدي ) ، الذين كانت محالهم بمثابة " مستشفيات " لبوابير السويدي والماركات العالمية . وفي بلدة حوارة ، تذكر الرواية الشفوية طيف " مصلح بوابير الكاز " ، ذلك الرجل الذي كان يحلُّ زائراً من مناطق غير معروفة ، ليجوب حارات البلدة وأزقتها بين الحين والآخر . كان صوته الرخيم يصدح في الأرجاء منادياً على مهنته ، فتهبُّ ربات البيوت لإخراج ما لديهن من " بوابير " تحتاج إلى الرعاية والصيانة ، ليقوم بإصلاحها بمهارة فائقة مقابل أجر زهيد ، قبل أن يواصل رحلته بانتظار عودة دورية أخرى .
البعد الإنساني والاجتماعي للحرفة :
لم يكن مصلح البوابير مجرد فني ، بل كان " حكيم " الحارة الذي يستقبل الزبائن بابتسامة رغم سواد الزيوت الذي يغطي يديه . كان المصلح ، مثل ( أبو رياض ) وغيره من الحرفيين الصامدين ، يتمسك بمهنتهم ليس فقط من أجل الرزق ، بل للحفاظ على إرث يراه جزءاً من هويته . وكانت المخابز والمنازل تعتمد عليه كلياً ، فتعطل البابور يعني توقف الحياة في المطبخ . ومن المفارقات أن المصلح كان يقضي ساعات في " لحام " الثقوب الصغيرة بالقصدير والكاوي ، في دقة تشبه دقة الجراح ، لضمان عدم تسرب الكاز أو الهواء .
التحول التاريخي : من السيادة إلى الاندثار :
مع دخول عقد السبعينيات والثمانينيات ، بدأت مهنة مصلح البوابير تتراجع في محافظة إربد لصالح محلات بيع الغازات الحديثة . تحول ( البابور ) تدريجياً من سيد المطبخ إلى ( قطعة ديكور ) في زوايا المضافات ، أو أداة تُستخدم فقط في الحالات الطارئة أو لطهي أصناف معينة تتطلب ناراً قوية وثابتة ، مثل قلي الأسماك أو طهي الذبائح في المناسبات . ومع هذا التحول ، بدأت دكاكين المصلحين تغلق أبوابها ، ولم يتبق منها في إربد إلا قلة قليلة ممن يقاومون الزمن ، محولين محلاتهم إلى شبه متاحف صغيرة تضم بقايا بوابير الماضي التي تحمل رائحة " الزمن الجميل " .
إن مصلح بوابير الكاز في ريف وشمال الأردن لم يبع فقط خدمة تقنية ، بل كان يبيع ( الأمان ) لسيدة البيت التي تخشى انطفاء نارها . إن توثيق هذه المهنة هو انتصار لجيل من الحرفيين الذين طوعوا النحاس والنار والضغط لخدمة الإنسان ، وستبقى رائحة ( الكاز ) المحترق وصوت ( الهدير ) جزءاً أصيلاً من سيمفونية الحياة القديمة في إربد التي نعتز بها .
قائمة المصادر والمراجع :
- الأبحاث الميدانية : توثيق شفوي من ذاكرة كبار السن في مدينة إربد وبلدة حوارة حول دكاكين مصلحي البوابير القديمة ( عائلات الدقاق والسعدي نموذجاً ) ، نيسان 2026 م .
- التراث الشعبي الأردني : دراسة حول الأدوات المنزلية المعدنية وتطور مهن الصيانة اليدوية في إقليم الشمال .
- الأرشيف الشفوي لبلدة حوارة : شهادات حول استخدام البوابير في المخابز والمنازل القديمة .
- صحيفة الغد الأردنية : تقرير ( أبو رياض مصلح بوابير الكاز ما يزال متمسكاً بمهنته ) ، مراجعة تاريخية .
- مدونة جميل عبود : مقال توثيقي بعنوان ( مصلح بوابير الكاز ) ، استعراض للبعد التراثي والاجتماعي للمهنة .
- وكالة الأنباء الفلسطينية ( PNN ) : تقارير حول الحرف اليدوية المندثرة وتأثير التكنولوجيا على مهنة صيانة البوابير في بلاد الشام .
- توثيق المهن المندثرة : سجلات تجارية قديمة لمدينة إربد حول تراخيص المهن الحرفية في القرن العشرين .
الكاتب قيصر غرايبة – كاتب مهتم بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة المحلية، يقدّم قراءة أدبية ومعرفية للمكان الأردني من خلال ربط الأرض بالإنسان، والذاكرة الاجتماعية بالوعي الوطني والحضاري.

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.