تعد اللهجة ” الربداوية ” – بجذورها الحورانية الضاربة في عمق التاريخ – لغةً قائمة بذاتها ، تكتنز في مفرداتها فلسفة البقاء والارتباط بالأرض . فهي ليست مجرد أداة للتواصل ، بل هي ” شيفرة ” ثقافية تختزل قيم النخوة ، والكرم ، والصبر الذي امتاز به إنسان الشمال الأردني . إن الغوص في هذا الموروث يكشف عن ثراء لغوي مذهل ، حيث تم تطويع الحروف لتلائم قسوة الشتاء وعنفوان الصيف وبساطة العيش في ” الحواكير ” وبين ” السناسل ” . في هذا المقال الموسوعي المستفيض ، استقصي ما بقي من لسان الأهل ، ونوثق المفردات التي شكلت وجدان أهلنا في إربد وقراها الصامدة .
هيبة الشمال ونبض الحواكير
رحلة في لسان الأهل وعبق الذاكرة الربداوية
بقلم: الأستاذ قيصر صالح الغرايبة
تعد اللهجة " الربداوية " - بجذورها الحورانية الضاربة في عمق التاريخ - لغةً قائمة بذاتها ، تكتنز في مفرداتها فلسفة البقاء والارتباط بالأرض . فهي ليست مجرد أداة للتواصل ، بل هي " شيفرة " ثقافية تختزل قيم النخوة ، والكرم ، والصبر الذي امتاز به إنسان الشمال الأردني . إن الغوص في هذا الموروث يكشف عن ثراء لغوي مذهل ، حيث تم تطويع الحروف لتلائم قسوة الشتاء وعنفوان الصيف وبساطة العيش في " الحواكير " وبين " السناسل " . في هذا المقال الموسوعي المستفيض ، استقصي ما بقي من لسان الأهل ، ونوثق المفردات التي شكلت وجدان أهلنا في إربد وقراها الصامدة .
أبجدية الأرض والبنيان وجغرافيا المكان :
عاش الفلاح الإربدي في عناق أبدي مع ترابه ، فجاءت مفرداته لتصف تضاريس هذه العلاقة بدقة متناهية :
1 ) السنسلة : وهي الجدار الحجري الذي يُبنى بمهارة يدوية عالية من حجارة الأرض الصوانية أو الكلسية دون استخدام " المونة " ، ليكون سياجاً يحمي الكروم من " الحلال " وشاهداً على حدود الملكية .
2 ) الوطاة : الأرض المنبسطة والسهلة ، وهي رمز للسكينة والاستقرار ، ويُقال " فلان وطاته لينة " دلالة على حسن خلقه .
3 ) كَرَِع أو كَرَعه : مصطلح يعبر عن القوة الجسدية في الهدم ، ويُستخدم لوصف إزالة البناء القديم أو تسويته بالتراب تماماً .
4 ) الحمار : مصطلح وجداني يصف التربة الحمراء العميقة ( الدقس ) التي تشتهر بها سهول حوارة وإربد ، وهي سر جودة القمح الحوراني الشهير .
5 ) السيل والوادي : الأرض المنخفضة التي يجري فيها الماء شتاءً ، وتعد أخصب المواقع الزراعية لزراعة " المقاثي " والمحاصيل الصيفية والشتوية .
6 ) الجلاطة : الطين الشديد الذي يعقب " الزبّة " ، ويمتاز بلزوجة تجعل المسير فيه اختباراً للصبر .
7 ) القف ( الرقة ) : الأرض الصخرية الصلبة التي لا تُحرث ، وكان الأجداد يحرصون على البناء فيها استبقاءً للسهول للزراعة .
8 ) الحاكورة : هي قطعة الأرض الصغيرة الملاصقة للمنزل ، تُزرع غالباً بالأشجار المثمرة والخضروات المنزلية .
9 ) الباطوس : وهي المساحات المنخفضة او الهابطة التي تستقر في قيعانها مياه الأمطار الغزيرة والمنخفضات الجوية ، حيث تتحول تلك الأراضي المنخفضة أو مسطحات طينية راكدة تشبه المستنقعات ، وتُعد مخزناً طبيعياً لرطوبة الأرض التي تغذي المحاصيل الصيفية اللاحقة .
أدوات المعيشة : عبقرية الاختراع والحاجة :
ابتكر الإنسان في إربد أدواته من بيئته ، وأطلق عليها مسميات تعكس وظيفتها الحيوية :
1 ) الchفchير : الملعقة الخشبية أو المعدنية الضخمة ، وهي سيدة الموقف في الأعراس والولائم لغرف المنسف وتوزيعه .
2 ) الصلاحية : إبريق الماء الفخاري ( الشاف ) ، سُمي بذلك لما في مائه من " صلاح " وبرودة طبيعية تقي القيظ .
3 ) الخابية والخوصة : الخابية وعاء فخاري كبير لحفظ المؤنة والماء ، والخوصة هي السكين الصغيرة التي لا تفارق جيب الفلاح .
4 ) الصابة والطورية : أدوات زراعية يدوية ، فالصابة لإزاحة التراب وتعديل قنوات الري ، والطورية للعزق والحفر .
5 ) الدقماقة : قطعة خشبية ثقيلة تستخدم للكبس أو الطرق ، وهي رمز للقوة والغلظة في العمل اليدوي .
6 ) السدر : السدر هو الصحن المعدني الواسع ( الصينية الكبرى ) التي يُمد عليها المنسف الأردني .
7 ) القلاي ( المقلى ) : الوعاء المعدني الذي تُصنع فيه " قلاية البندورة " الشهيرة ، وهي رفيقة المزارعين في الحقول .
8 ) الميجن : قطعة خشبية كانت تُستخدم قديماً في غسل الملابس الثقيلة أو في عمليات رص التربة .
بلاغة الأفعال والسمات الشخصية والاجتماعية :
تتميز اللهجة الشمالية بقدرة بلاغية هائلة على اختزال الحالات النفسية والجسدية في كلمة واحدة :
1 ) بتلبدله أو بتخمعله : التخفي في زوايا الظلام ( اللّبـد ) بانتظار مرور شخص ما لمباغتته وإخافته بأسلوب مداعب .
2 ) كَرَفـت : السقوط المفاجئ والمدوي ، ويُقال " كرفت عن الدرج " أي هوى بسرعة وقوة .
3 ) إنداري : كلمة جامعة مانعة تعني " لا أدري " ، ولكنها تحمل نبرة الحيرة أو الاستنكار الممزوج بالتفويض .
4 ) أفنـch ( أفنش ) : الخروج الصارخ عن العادات والتقاليد أو التحدث بجرأة مفرطة تثير الدهشة .
5 ) مزوزق ومهندز : وصف للشخص الذي يبالغ في أناقته وترتيب هندامه ، وغالباً ما تُطلق على الشباب في المناسبات .
6 ) ذايح : الشخص الذي يفتقر للحياء ( الوقح ) ، ولا يقيم وزناً للأعراف الاجتماعية في حديثه .
7 ) القاروط : اليتيم الذي فقد معيله ، وأحياناً تُستخدم لوصف الشخص الذي يتصرف بعشوائية .
8 ) مِدّوحل : الشخص القصير الممتلئ ( السمين بقصر ) ، وهي من الكلمات الوصفية العفوية .
9 ) باوع وجحر : باوع بمعنى أمعن النظر ( من المباوعة ) ، وجحر بمعنى نظر بشزر وغضب .
10 ) اْتمـرقطوه : أي تشبثوا به بقوة أو تسلقوا عليه ( كما يفعل الأطفال في اللعب ) .
سوالف حصيدة : مأثورات وعبارات خالدة :
تمثل " سوالف الحصيدة " زبدة الحكمة الشعبية التي كانت تُقال تحت شمس الصيف وبين سنابل القمح :
1 ) هيه بلب التينة : كناية عن استبعاد وقوع الأمر ، أو أن الرحلة ما زالت في بدايتها الشاقة والبعيدة .
2 ) يا غبصة : تعبير عن التحسر والدهشة ، ويُقال عند سماع خبر مفاجئ أو فوات فرصة ثمينة .
3 ) المزاريب بتشقح : تعبير مجازي بليغ يصف شدة المطر التي تجعل المزاريب تقذف الماء بقوة .
4 ) قليل خواص : وصف للشخص المهمل أو " الكسلان " الذي لا يتقن عملاً ولا يبادر لخدمة نفسه أو غيره .
5 ) شلفقة وشلفقها : العمل غير المتقن الذي يتم بسرعة وعشوائية ( سلقاً ) لإنهاء المهمة فقط .
6 ) تمرمغ بالتراب : وصف للشخص الذي بذل جهداً مضنياً للحصول على مراده .
7 ) هساع أو هسع : أي " الآن " ، وهي العلامة المسجلة للهجة الشمالية ، وتلفظ بمدّ النفس في نهايتها .
8 ) يا هملالي : صيغة تعجبية تراثية تصف الدهشة الكبيرة ، وغالباً ما ترتبط بمواقف العجب أو السخرية .
9 ) دشرني وقوطر : أي اتركني واذهب بعيداً ، وتُستخدم لفض النزاع أو إنهاء حوار غير مجدٍ .
10 ) ولا حبّة : تعبير يُقال للطفل أو الشخص لإسكاته فوراً ، بمعنى " اصمت تماماً ولا تنطق بحرف " او تقال عن وصف الشخص بانه اهبل.
11 ) اْصطهج : أي شعر بالسرور والانبساط والراحة النفسية العالية .
12 ) ذايح : الشخص قليل المروءة ( الهامل ) الذي يتطاول في كلامه على الآخرين .
إن الحفاظ على هذا المخزون اللغوي هو استحضار دائم لتاريخ إنسان الشمال الذي بنى وزرع وقاوم الصعاب بابتسامة وكلمة طيبة . فكل مفردة ربداوية هي نبضة قلب ، وكل حرف هو رائحة خبز الطابون ونسمات " أم قيس " و " طبقة فحل " ، لتبقى لهجتنا هي الحصن الحصين لهويتنا الوطنية الأردنية الراسخة . واخيرا ،
إن ما أوردته في هذا المقال من مصطلحات وأمثال ليس إلا نزراً يسيراً وجزءاً بسيطاً من موروث لغوي هائل ، فهناك الكثير والكثير من الدرر اللغوية التي لا يتسع المجال لحصرها في سطور ، لتظل لهجة أهلنا في إربد بحراً لا ينضب من البلاغة الفطرية والصدق الإنساني . إن الحفاظ على هذا المخزون هو استحضار دائم لتاريخ إنسان الشمال الذي بنى وزرع وقاوم الصعاب بابتسامة وكلمة طيبة ، لتبقى لهجتنا هي الحصن الحصين لهويتنا الوطنية الأردنية الراسخة .
قائمة المصادر والمراجع :
- الروايات الشفوية والتدوين الميداني من مجالس الوجهاء وكبار السن في محافظة إربد وحوارة ، نيسان 2026 م .
- موسوعة ويكيبيديا : دراسة مستفيضة حول " اللهجة الأردنية والحورانية " ونشأتها التاريخية .
- مدونات الباحث التراثي علي عبد المجيد حداد : " معجم المصطلحات الخاصة بأهل الشمال " .
- منصة " إربد بعيون فوتوغرافية " : الأرشيف الرقمي للأمثال والمصطلحات الشعبية في إربد .
- دراسات الموروث الشعبي في جامعة اليرموك : " أثر الجغرافيا والزراعة في تطور لهجة شمال الأردن " .
- معجم الألفاظ الحورانية : دراسة لسانية مقارنة بين ريف إربد وريف حوران ، الطبعة الثالثة .
- سجلات " الجمعية الأردنية للمحافظة على التراث " : أرشيف المهن والحرف اليدوية ومسمياتها القديمة .
- مقابلات ميدانية مع باحثين متخصصين في دائرة المكتبة الوطنية ومديرية ثقافة إربد ، 2026 م .
الكاتب قيصر غرايبة – كاتب مهتم بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة المحلية، يقدّم قراءة أدبية ومعرفية للمكان الأردني من خلال ربط الأرض بالإنسان، والذاكرة الاجتماعية بالوعي الوطني والحضاري.

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.