تُعد مهنة ( مبيض النحاس ) واحدة من أقدم الحرف اليدوية التي ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بسلامة الغذاء وصحة الإنسان في المجتمع الأردني القديم . فقبل عصر الأواني الحديثة ، كان النحاس هو الملك غير المتوج على موائد الطعام وفي مطابخ البيوت في شمال الأردن وقراها ، وكان ( المبيض ) هو الطبيب الذي يداوي هذه الأواني ويحمي مستخدميها من أخطار التسمم ، في رحلة سنوية أو موسمية لإعادة الألق والبركة للبيت . وهي مهنة عرفها العرب منذ القدم واستمرت لقرون كجزء لا يتجزأ من الصناعات التقليدية التي تخدم التدبير المنزلي .

من ذاكرة الحِرَف الأردنية

مبيض النحاس في شمال الأردن

حرفة " تجديد البريق " وصراع البقاء أمام زحف " الستينلس والجرانيت "

بقلم: الأستاذ قيصر صالح الغرايبة

تُعد مهنة ( مبيض النحاس ) واحدة من أقدم الحرف اليدوية التي ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بسلامة الغذاء وصحة الإنسان في المجتمع الأردني القديم . فقبل عصر الأواني الحديثة ، كان النحاس هو الملك غير المتوج على موائد الطعام وفي مطابخ البيوت في شمال الأردن وقراها ، وكان ( المبيض ) هو الطبيب الذي يداوي هذه الأواني ويحمي مستخدميها من أخطار التسمم ، في رحلة سنوية أو موسمية لإعادة الألق والبركة للبيت . وهي مهنة عرفها العرب منذ القدم واستمرت لقرون كجزء لا يتجزأ من الصناعات التقليدية التي تخدم التدبير المنزلي .

🔥الحرق والتنظيف
🧂الفرك والنشادر
⚒️القصدير والتبييض
💧التبريد واللمعة

فلسفة المهنة وحتميتها الصحية :

لم يكن تبييض النحاس ترفاً جمالياً ، بل كان ضرورة صحية ملحة ، فالأواني النحاسية بطبيعتها تتفاعل مع الهواء والرطوبة والأحماض الموجودة في الطعام ، مما يؤدي إلى ظهور طبقة ( الجنزار او الجنزلرة ) الخضراء - أكسيد النحاس - السامة ، والتي قد تؤدي إلى حالات تسمم غذائي حاد . وهنا يأتي دور ( المبيض ) الذي يقوم بكساء الأواني بطبقة رقيقة من القصدير ( التنّك ) الصافي ، ليعزل النحاس عن الطعام ويحوله إلى طبقة فضية لامعة تسر الناظرين ، مما يجعلها صالحة للاستخدام وآمنة تماماً .

طقوس الحرفة ومراحل العمل :

كانت عملية التبييض تتم وفق طقوس فنية دقيقة تتطلب جهداً عضلياً ومهارة يدوية عالية ، وتمر بعدة مراحل :

1 ) مرحلة الحرق والتنظيف : يوضع الوعاء النحاسي - سواء كان طنجرة ، أو سدراً ، أو غير ذلك من اواني - على نار قوية لحرق بقايا الدهون والأوساخ القديمة المتراكمة .

2 ) مرحلة ( الفرك ) بالرمل والحمض : بعد الحرق ، يقوم المبيض بفرك الوعاء مستخدماً الرمل الخشن و " روح الملح " أو " النشادر " لإزالة طبقة الأكسيد والصدأ ، حتى يعود لون النحاس أحمر وهّاجاً . وفي كثير من الأحيان ، كان المبيض يستخدم قدميه للوقوف داخل الوعاء وفركه بقوة لضمان تنظيف القاع والحواف بعمق .

3 ) مرحلة التبييض ( القصدير ) : وهي المرحلة الحاسمة ، حيث يُسخن الوعاء مرة أخرى ، ثم يُفرك بقطعة من القصدير الصافي مع " النشادر " ، وبحركة سريعة ودائرية باستخدام قطعة من القطن أو الجلد ، يذوب القصدير وينتشر على سطح النحاس ليتحول في لحظات من اللون الأحمر إلى اللون الفضي اللامع .

4 ) التبريد والجلخ : يُغمس الوعاء فوراً في الماء البارد ليتماسك القصدير ، ثم يُمسح بقطع قماشية لإعطائه اللمعة النهائية .

أدوات المبيض : بساطة الإبداع :

في شمال الأردن ، كان المبيضون غالباً من ( الجوالة ) الذين يطوفون القرى حاملين عتادهم على دوابهم ، أو يمتلكون دكاكين صغيرة في أسواق إربد القديمة . وأدواتهم كانت بسيطة : ( الكور ) لنفخ النار ، ( الدقماقة ) الخشبية لتعديل انبعاجات الأواني ، ( النشادر ) ، و ( أصابع القصدير ) . وكان صوته الرخيم وهو ينادي في أزقة المدن والقرى " بيض نحاس .. بيض " بمثابة إعلان عن بدء موسم " تجديد المطبخ " ، وهو نداء يتردد صداه في التاريخ العربي من دمشق إلى القاهرة وصولاً إلى أسواق الأناضول .

أشهر الحرفيين والذاكرة المكانية في إربد :

لا تزال ذاكرة مدينة إربد تحتفظ بأسماء حرفيين تخصصوا في هذه المهنة ، لاسيما في المنطقة المحيطة بـ ( مسجد إربد الكبير ) - المسجد السفلي - وفي ( سوق الحدادين ) و ( سوق البصل ) القديم . ومن أشهر الأسماء التي عُرفت في إربد قديمًا في هذا المجال ( عائلة الدقاق ) التي برزت في عدة مهن نحاسية ، وبعض الحرفيين من ( عائلة الحواري ) و ( عائلة السعدي ) الذين امتلكوا مهارة فائقة في التعامل مع " سدور " المنسف الكبيرة و " الدلال " . وكان هؤلاء الحرفيون يمثلون المرجع للأهالي ، لاسيما قبل المناسبات الكبرى كالأعراس ، حيث كانت تجتمع عشرات الأواني بانتظار دورها تحت يد المبيض .

صراع البقاء والتحول التاريخي :

مع مطلع الثمانينيات ، بدأت هذه المهنة بالتراجع السريع لصالح " الألمنيوم " ثم " الستينلس ستيل " و " التيفال " ، وهي مواد لا تحتاج إلى تبييض دوري . هذا التحول التكنولوجي أدى إلى انحسار المهنة وتحولها إلى إرث يقاوم الاندثار . ولم يتبقَ منها اليوم في إربد أو في العواصم العربية العريقة كدمشق إلا القليل ممن يعملون في صيانة " الدلال " النحاسية أو القطع التراثية التي تُستخدم للزينة في المضافات والبيوت التي تعتز بتراثها . إنها حرفة تتحدى الزمن وتصارع من أجل البقاء كشاهد على عصر كان فيه لكل أداة حكاية وروح .

إن مبيض النحاس في شمال الأردن لم يبع فقط خدمة تقنية ، بل كان فناناً يطوع النار والمعدن ليحفظ الصحة والجمال . إن توثيق هذه المهنة هو توثيق لمرحلة هامة من تاريخنا الاجتماعي والاقتصادي في شمال المملكة ، وتقدير لحرفة يدوية شكلت جزءاً من الوجدان العربي الجمعي عبر العصور .

قائمة المصادر والمراجع :

  1. الأبحاث الميدانية : توثيق شفوي من ذاكرة كبار السن في محافظة إربد حول " المبيض الجوال " وتقاليد صيانة الأواني ، نيسان 2026 م .
  2. التراث الشعبي الأردني : دراسة حول المهن الحرفية المندثرة وتطور الأدوات المنزلية في المجتمع الريفي والحضري في شمال الأردن .
  3. مدونة التراث العربي ( أبو الهول ) : مقال توثيقي بعنوان ( المبيض .. مهنة انقرضت وبقيت ذكراها ) : استعراض للمراحل الفنية للتبييض .
  4. صحيفة الشرق الأوسط : تقرير ( مبيض النحاس .. تاريخ يقاوم من أجل البقاء في تركيا ) : حول الرمزية العالمية للحرفة .
  5. قناة الغد : تقرير ( مبيِّض النحاس .. مهنة تراثية تتحدى الاندثار في دمشق ) : توثيق استمرارية المهنة في بلاد الشام .
  6. موقع اليوم السابع : مقال ( مبيض النحاس مهنة عرفها العرب منذ القدم هل لا تزال ) : بحث في الجذور التاريخية .
  7. وكالة 24 الإخبارية : تقرير حول الصناعات التقليدية وتأثير الأواني الحديثة على الحرف اليدوية .
  8. سجلات غرفة تجارة إربد القديمة : مراجعة للمهن اليدوية التي كانت مسجلة في أسواق المدينة خلال منتصف القرن العشرين .
قيصر غرايبة

الكاتب قيصر غرايبة – كاتب مهتم بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة المحلية، يقدّم قراءة أدبية ومعرفية للمكان الأردني من خلال ربط الأرض بالإنسان، والذاكرة الاجتماعية بالوعي الوطني والحضاري.