في قلب مدينة إربد القديمة ، حيث تتنفس الجدرانُ عبقَ التاريخ ، يقف “مسجد أبي ذر الغفاري” ــ المعروف تاريخياً بـ “المسجد الغربي” ــ كحارسٍ أصيلٍ لذكرى الحقبة المملوكية ( 1250 م – 1516 م ) . هذا الصرح ليس مجرد بناءٍ ديني ، بل هو شاهدٌ صامتٌ على مرحلةٍ مفصليةٍ أعادت فيها الدولة المملوكية إحياءَ إربد وتثبيت أركانها كواحدةٍ من أبرز حواضر “نيابة دمشق” بعد دمارٍ خلفته الحروب الصليبية .
مسجد إربد المملوكي (مسجد أبي ذر الغفاري) : أيقونةٌ مملوكيةٌ وحارس لذاكرة المدينة الحضارية
عبق التاريخ في قلب المدينة القديمة:
في قلب مدينة إربد القديمة، حيث تتنفس الجدرانُ عبقَ التاريخ، يقف "مسجد أبي ذر الغفاري" ــ المعروف تاريخياً بـ "المسجد الغربي" ــ كحارسٍ أصيلٍ لذكرى الحقبة المملوكية (1250 م – 1516 م) . هذا الصرح ليس مجرد بناءٍ ديني ، بل هو شاهدٌ صامتٌ على مرحلةٍ مفصليةٍ أعادت فيها الدولة المملوكية إحياءَ إربد وتثبيت أركانها كواحدةٍ من أبرز حواضر "نيابة دمشق" بعد دمارٍ خلفته الحروب الصليبية.
عبقرية العمارة المملوكية واستدامة البناء:
يمثل المسجد مدرسةً هندسيةً متكاملةً تُحاكي نمط المساجد في بلاد الشام ومصر، وتتجلى براعةُ تصميمه في تفاصيل تجعل منه معجزةً في "الاستدامة":
- 1 ) العزل الحراري الفطري: تتباهى جدران المسجد بسماكةٍ تتراوح بين المتر والمترين ، وهو تصميمٌ هندسيٌّ عبقريٌّ يمنح المسجد دفئاً طبيعياً في شتائه القارس ، وبرودةً منعشةً في صيفه اللاهب.
- 2 ) سيمفونية القباب والأقواس: يتوّج سقف المسجد مجموعةٌ من القباب المعلقة التي تستندُ بثقةٍ على أقواسٍ مملوكيةٍ متقنة، مما يوزع الأحمال ويخلق فضاءً داخلياً يتسم بالرحابة والرهبة.
- 3 ) توزيع الضوء الروحاني: حُفرت في الجدران الداخلية "طاقاتٌ" (تجاويف) واسعة كانت مخصصة للفوانيس، صُممت بعمقٍ مدروسٍ لتوزيع الضوء بشكلٍ متجانس، مما يضفي على المسجد روحانيةً ساحرة.
المئذنة: منارة القوافل وأمانة التاريخ:
لم تكن المئذنة القديمة مجرد صومعةٍ لرفع الأذان، بل كانت منارةً توجّه القوافل والمسافرين. ولأنَّ التاريخ أمانة، تدخلت وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية الأردنية لترميمها بحرفيةٍ عالية، حيث تمّ تدعيم بنيتها وزيادة ارتفاعها بضعة أمتارٍ لضمان صمودها أمام الزمن، مع الحفاظ التام على "روحها" المملوكية الأصلية.
المسجد كنبضٍ واجتماعيٍّ متصل:
لقد كان المسجد وما زال محركاً للنشاط الاجتماعي في إربد القديمة. فموقعه الاستراتيجي بالقرب من البلدية، وعلى بعد خطواتٍ من المسجد الكبير، يؤكد أن مدينة إربد في ذلك العصر كانت مركزاً حضرياً مترابطاً، جعلت من بيوت الله مراكز إشعاعٍ لا تتجزأ عن نسيجِ المجتمع.
رسالةٌ من حضارةٍ لا تغيب:
إنَّ مسجد أبي ذر الغفاري، في بقائه وصموده، يهمسُ في آذاننا قصةَ حضارةٍ لم تغب شمسُ إبداعها . إنه يدعونا لتقدير هذا الإرث الذي لا يزال ينبض بالحياة، ليظلَّ منارةً شامخةً في قلب إربد وشاهداً على ذائقةٍ معماريةٍ رفيعة سادت يوماً وما زالت تفرض هيبتها.



المصادر والمراجع:
1 ) د . يوسف غوانمة، تاريخ شرقي الأردن في العصر المملوكي، دراسة في التاريخ السياسي والاجتماعي.
2 ) د . محمود السلمان، المساجد التاريخية في الأردن: دراسة أثرية ومعمارية، منشورات وزارة الثقافة.
3 ) أرشيف وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية الأردنية، سجلات المساجد الأثرية في محافظة إربد.
4 ) تقارير دائرة الآثار العامة الأردنية، مسوحات المباني التاريخية في وسط مدينة إربد.
5 ) الموسوعة التاريخية الأردنية، مدخل: العمارة الإسلامية في مدينة إربد.
الكاتب قيصر غرايبة – كاتب مهتم بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة المحلية، يقدّم قراءة أدبية ومعرفية للمكان الأردني من خلال ربط الأرض بالإنسان، والذاكرة الاجتماعية بالوعي الوطني والحضاري.

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.