عبر التاريخ، لعبت سهول حوران الأردنية دوراً مفصلياً في صياغة حضارات جنوب بلاد الشام، وكانت الحواضر الأردنية عامرة بالمدن ذات البصمة الثقافية والأثرية التي نلمسها حتى اليوم. ففي حقبة ذهبية من تاريخ الأردن، تطل علينا مدن الديكابوليس (المدن العشر) كنموذج حضاري قل مثيله، فهي مدن حرة ذات سيادة واستقلال يتناسب مع طبيعة الإنسان الأردني الطامح منذ القدم نحو تأسيس كيانه السياسي المستقل، إضافة لكونها مراكز اقتصادية لامعة في العالم القديم.
مدن الديكابوليس من العصر الكلاسيكي إلى الفتح الإسلامي: سيرة المجد والاستمرارية
سهول حوران ... حاضنة الحضارات ومنطلق الفتوحات:
عبر التاريخ، لعبت سهول حوران الأردنية دوراً مفصلياً في صياغة حضارات جنوب بلاد الشام، وكانت الحواضر الأردنية عامرة بالمدن ذات البصمة الثقافية والأثرية التي نلمسها حتى اليوم. ففي حقبة ذهبية من تاريخ الأردن، تطل علينا مدن الديكابوليس (المدن العشر) كنموذج حضاري قل مثيله، فهي مدن حرة ذات سيادة واستقلال يتناسب مع طبيعة الإنسان الأردني الطامح منذ القدم نحو تأسيس كيانه السياسي المستقل، إضافة لكونها مراكز اقتصادية لامعة في العالم القديم.
لقد لعب شمال الأردن في مسرح التاريخ دوراً هاماً للغاية؛ فقد كان مركزاً تجارياً ومحطاً للنزاعات بين القوى العظمى بسبب موقعه الاستراتيجي وغناه بالموارد الطبيعية. ومع بزوغ فجر الإسلام، لم تندثر هذه المدن ، بل شكلت العمق الاستراتيجي للدولة الإسلامية الناشئة ومسرحاً لأعظم معارك التاريخ، لتستمر كحواضر حية بُنيت بسواعد سكانها المحليين.
أولاً: نشأة حلف " الديكابوليس " ومراكز السيادة:
الديكابوليس (Decapolis) وباليونانية (Δέκα πόλεις) تسمية إغريقية تعني " المدن العشر “. ارتبط قيام هذا الاتحاد رسمياً باسم القائد الروماني بومبي (Gnaeus Pompeius) عام 64 ق. م، الذي حرر هذه المدن من نفوذ القوى المجاورة وأعلنها مدناً حرة تحت السيادة الرومانية، مشجعاً إياها على إقامة اتحاد فيدرالي يضمن استقرار المنطقة.
خارطة المدن العشر (الحواضر الأساسية):
تأسس الحلف ليضم مدناً ازدهرت معمارياً وفكرياً، وهي:
- 1 ) فيلادلفيا (عمّان): عاصمة العمونيين القديمة ومركز الحلف الجنوبي.
- 2 ) جراسا (جرش): لؤلؤة الشرق وجوهرة الديكابوليس.
- 3 ) جدارا (أم قيس): " أثينا الجديدة " ومركز الإشعاع الفلسفي العالمي.
- 4 ) بيلا (طبقة فحل): الحاضرة الغورية العريقة ومركز التجارة العالمي.
- 5 ) أبيلا (حرثا): مدينة الروابي التي أضاء زيتها قناديل روما .
- 6 ) كابتولياس (بيت راس): مدينة الكروم والحصن المعماري المتميز.
- 7 ) ديون (إيدون): إحدى القواعد الاستراتيجية الهامة في الشمال.
- 8 ) هيبوس (الحصن): المركز الدفاعي المكمل لإقليم الشمال.
- 9 ) كانثا (أم الجمال): " الواحة السوداء " البازلتية في قلب البادية.
- 10 ) سكيثوبوليس (بيسان): حلقة الوصل المركزية مع فلسطين.
(يُضاف إليها في بعض القوائم: دمشق ، وقنوات ، ورافانا ، ودرعا ، وبصرى الشام).
ثانياً: رحلة إلى " جراسا " (جرش).. صدى الأجراس والمدرجات:
تحدث الرحالة " هنري فان دايك " عام 1908 م واصفاً جمال " جراسا " كأنها حلم في قفر البرية، حيث تظهر الأعمدة والأقواس فجأة في المشهد القاحل كما لو كانت مسحورة.
لقد كانت جرش مدينة أوقات بهيجة، تمتلئ مسارحها بالجمهور لمشاهدة مسرحيات " بلاوتوس " أو " أريستوفان “، وعلى الرغم من أن فصول " المسرحيات قد أُسدل عليها الستار في جراسا “، فإن تلك المدرجات الشامخة لا تزال تستحضر طيف الماضي وتتردد في جنباتها أصداء الضحكات الغابرة تحت لآلئ النجوم، لتبقى برهاناً جلياً على ذوقٍ رفيع وحياة اجتماعية مفعمة بالحيوية كانت تملأ أركان المدينة صخباً وبهجة.
ثالثاً: جوهرة الشمال " جدارا " (أم قيس):
أ) أصل التسمية والارتباط بالواقع:
- 1 ) جدارا (Gadara) : اسم كنعاني يعني " الجدار " أو " الحصن “.
- 2 ) أم قيس: تسمية عثمانية محرفة عن " مكيس " (Mkeis) وتعني مكان جباية " المكوس " (الضرائب)، مما يؤكد استمرار دورها الجمركي والاقتصادي عبر العصور.
ب) الإشراف الاستراتيجي المتميز:
تنفرد جدارا بموقع يجعلها تشرف على أهم معالم المنطقة:
- 1 ) وادي اليرموك (ساحة المعركة الخالدة)
- 2 ) هضبة الجولان.
- 3 ) بحيرة طبريا.
- 4 ) وادي الأردن.
- 5 ) مرتفعات الجليل.
- 6 ) المثلث الحدودي (الأردن، سوريا، فلسطين)
ج) الفلسفة والعلماء (مدرسة لا تنطفئ)
اشتهرت جدارا بعباقرة صاغوا الفكر العالمي، منهم:
- 1 ) أرابيوس: صاحب النقش الجنائزي الزهدي الشهير.
- 2 ) ميلياغروس: مبتكر " الأنثولوجيا “.
- 3 ) مينيبيوس: الفيلسوف الساخر.
- 4 ) ثيودوروس: خطيب الأباطرة والمعلم الخاص للإمبراطور " تيبيريوس “.
رابعاً: مدن الديكابوليس في العصر الإسلامي (الفتح والاستمرارية) :
لم يكن الفتح الإسلامي لهذه المدن مجرد تغيير سياسي، بل كان استيعاباً لحضارة عريقة ودمجاً لها في روح الدولة الجديدة.
مرحلة الفتح الراشدي (نقطة التحول)
شكلت مدن الحلف المسرح الرئيسي لمعركة اليرموك الخالدة عام 15 هـ (636 م). فبعد الانتصار الإسلامي، فُتحت مدن جدارا، وبيلا، وجراسا صلحاً، وأصبحت هذه الحواضر جزءاً من " جند الأردن " الإداري، وكانت " طبريا " عاصمة لهذا الجند، بينما ظلت مدن الديكابوليس مراكز إدارية وتجارية حيوية.
العصر الأموي (عصر الازدهار والمنتجعات)
بلغت المدن ذروة استقرارها في العهد الأموي لقربها من دمشق:
- 1 ) فيلادلفيا (عمّان) : أصبحت مركزاً إدارياً وسُكت فيها النقود الأموية، وبني فيها القصر الأموي والمسجد الجامع فوق القلعة.
- 2 ) جراسا (جرش) : استمرت كمركز صناعي (وخاصة الخزف الجرشي) وظل التعايش قائماً بين المساجد والكنائس.
- 3 ) قصر الحلابات وأم الجمال: استُخدمت كمناطق استقرار للقبائل العربية الداعمة للحكم الأموي.
- 4 ) جدارا (أم قيس) : حظيت بمكانة خاصة كمنتجع شتوي وصيفي بفضل حماماتها المعدنية (الحمة) وقربها من العاصمة، وظلت مركزاً عسكرياً يشرف على طرق الإمداد.




الخاتمة: حواضر بُنيت بسواعد أصحاب الأرض :
إن مدن الديكابوليس، وعلى رأسها " جدارا " و " جراسا “، لم تكن مجرد آثار صامتة أو نتاجاً غربياً صرفاً، بل هي حواضر حية استمرت عبر العصور الإسلامية كشواهد على عظمة الإنسان الأردني. لقد ساهم أهل المدن الأصليون فاعلاً في تشييد هذه المعالم، وتركوا لمساتهم الفنية في كل قوس وعمود. تظل وصية " أرابيوس " تهمس في ردهات المسرح البازلتي، وتظل هذه المدن جسراً لا ينقطع بين حكمة الماضي وعظمة التاريخ الإسلامي.
المصادر والمراجع:
1 ) د . يوسف غوانمة، " مدينة إربد وجوارها (جدارا، إربلا، بيت رأس ) عبر العصور “.
2 ) د . فوزي زيادين ، " الآثار الأردنية وقصة حضارة “.
3 ) بلينيوس الأكبر (Plinius) ، موسوعة " التاريخ الطبيعي “.
4 ) د . محمود السلمان، " مدرسة جدارا الفلسفية والأدبية “.
5 ) سجلات دائرة الآثار العامة الأردنية، أبحاث " جند الأردن في العهد الأموي “.
6 ) هنري فان دايك (1908 م) ، كتاب " خارج الأبواب في الأرض المقدسة
الكاتب قيصر غرايبة – كاتب مهتم بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة المحلية، يقدّم قراءة أدبية ومعرفية للمكان الأردني من خلال ربط الأرض بالإنسان، والذاكرة الاجتماعية بالوعي الوطني والحضاري.

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.