​في الخامس والعشرين من أيار لعام 1930 م ، كانت مدينة إربد على موعد مع التاريخ ، حيث احتضن منزل “عبد القادر التل” وقائع المؤتمر الوطني الأردني الثالث . لم يكن المؤتمر مجرد اجتماع سياسي عابر ، بل كان صرخة في وجه “الحالة السياسية الشاذة” وأزمة اقتصادية خانقة كبلت طموحات الشعب الأردني وجوعت جماهيره منذ عام 1928 م .

إربد تقود دفة النضال
إربد في الذاكرة الوطنية

إربد تقود دفة النضال: المؤتمر الوطني الثالث 1930 م. مِحنة الانقسام وصوت "عرار" المدوّي

بقلم: الأستاذ قيصر صالح الغرايبة

إربد تحتضن نبض الأمة:

في الخامس والعشرين من أيار لعام 1930 م ، كانت مدينة إربد على موعد مع التاريخ، حيث احتضن منزل "عبد القادر التل" وقائع المؤتمر الوطني الأردني الثالث. لم يكن المؤتمر مجرد اجتماع سياسي عابر ، بل كان صرخة في وجه "الحالة السياسية الشاذة" وأزمة اقتصادية خانقة كبلت طموحات الشعب الأردني وجوعت جماهيره منذ عام 1928 م.

إربد والمؤتمر الوطني الثالث
الصورة المرفقة

أجواء المؤتمر: صراع الإرادات وشق الصفوف:

انعقد المؤتمر في ظروف بالغة التعقيد، حيث خيمت سحب الخلاف على اللجنة التنفيذية. فقد نجحت الحكومة آنذاك في اختراق جبهة المعارضة وكسب بعض الرموز لصالحها، مما أدى إلى تباين المواقف وتعثر نشاط اللجنة قبل الانعقاد. كانت المصالح الخاصة لبعض الزعماء تقف نداً للمصالح الوطنية، مما جعل هذا المؤتمر اختباراً حقيقياً لوحدة الصف.

منبر "عرار": التحذير من تمدد الصهيونية:

شهد المؤتمر حضوراً حاشداً ضم نحو 2000 شخصية، وكان من أبرزهم الشاعر المناضل مصطفى وهبي التل (عرار) ، الذي ألقى خطاباً حماسياً ربط فيه بوعي عميق بين الأزمات الاقتصادية المفتعلة من قِبل الحكومة وبين أطماع "الحركة الصهيونية".

واقترح "عرار" قرارات جريئة تمثلت في:

  • 1 ) عدم مشروعية الحكومة القائمة التي أدت للدهور الاقتصادي.
  • 2 ) استصراخ العالمين العربي والإسلامي لإنعاش الأردن اقتصادياً.
  • 3 ) اعتبار كافة أراضي الأردن إما "مملوكة" أو "موقوفة" ، لقطع الطريق على محاولات تأجيرها للوكالة اليهودية.

مقررات المؤتمر: المطالبة بالشرعية الدستورية:

بعد مداولات عميقة، خرج المؤتمرون بمقررات حازمة، أبرزها:

  • 1 ) حكومة دستورية: المطالبة بتشكيل حكومة مسؤولة أمام برلمان منتخب انتخاباً حراً ، واعتبار أي حكومة خلاف ذلك غير مشروعة.
  • 2 ) نزع الشرعية عن المجلس التشريعي: عدم الاعتراف بالمجلس الذي ألفته الحكومة وتجاهل كافة مقرراته.
  • 3 ) السيادة الوطنية: رفض كافة التصرفات الصادرة عن السلطات قبل تأليف حكومة نيابية تنال ثقة الشعب.

بين الفشل التنظيمي والتضامن القومي:

رغم قوة المقررات، إلا أن المؤتمر كشف عن تصدعات داخلية ، حيث رفض بعض الأعضاء التوقيع على القرارات ، وانشق فريق بزعامة الشيخ مثقال الفايز لتشكيل حزب سياسي موالٍ . ومع ذلك ، ظل نبض المؤتمر حياً في القضايا القومية ، خاصة التضامن مع فلسطين والاحتجاج على أحكام الإعدام بحق المناضلين الفلسطينيين، والمشاركة في "لجنة البراق الدولية" للتأكيد على عروبة القدس.

دروس من ذاكرة التل:

انتهت مرحلة المؤتمر الثالث بمحاولات لرأب الصدع قادها الأمير عبد الله ، أسفرت عن تشكيل حكومة جديدة برئاسة الشيخ عبد الله السراج. ورغم الانتقادات القاسية التي وجهها "عرار" للمعارضة التي وصفها بالعجز في ذلك الوقت ، إلا أن المؤتمر الوطني الثالث في إربد يبقى محطة مفصلية أكدت أن إربد كانت وما تزال الحصن المنيع للدفاع عن كرامة الوطن وهويته العروبية.

المراجع والمصادر:

1 ) د . عصام محمد السعدي، الحركة الوطنية الأردنية 1921 - 1946 م ( ص 248 – 254)

2 ) أرشيف الصحافة الفلسطينية والأردنية (جريدة الكرمل)

3 ) وثائق اللجنة التنفيذية للمؤتمرات الوطنية الأردنية.

4 ) تمت إعادة صياغة هذا المقال لتوثيق التاريخ السياسي العريق لمدينة إربد ورجالاتها

قيصر صالح الغرايبة
عن الكاتب: الأستاذ قيصر صالح الغرايبة

الكاتب قيصر غرايبة – كاتب مهتم بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة المحلية، يقدّم قراءة أدبية ومعرفية للمكان الأردني من خلال ربط الأرض بالإنسان، والذاكرة الاجتماعية بالوعي الوطني والحضاري.