مدينة جرش الأثرية ، " أنطاكية الواقعة على نهر الذهب " ودرة حلف الديكابولس ، تحفة رومانية واستثنائية تجسد عبقرية العمران ، وتنوّع الحياة الحضارية عبر العصور ، وحيوية الثقافة والمعمار في الأردن .
مدينة جرش : عروس الأعمدة التاريخية وأسرار الحاضر والمستقبل :
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
حين تطأ أقدامك أرض جرش الأردنية ، لا تُطالعك حجارة صامتة أو بقايا مسارح شُيدت عبر الزمان فحسب ، بل تنفتح أمامك بوابة سحرية تروي حكاية آلاف السنين من الشغف الإنساني والعمران الباذخ . جرش ليست مجرد محطة في شمال المملكة الأردنية الهاشمية ، بل هي درة التاج في تاريخ الشرق الأقدس ، وأحد أروع شواهد الحضارة الكلاسيكية المحفوظة بكامل بهائها في العالم ، حيث تتعانق الطبيعة الخضراء الساحرة مع صرح معماري يجسد عبقرية الإنسان وصموده عبر العصور .
الموقع الجغرافي والبيئي : سر النشوء والاستقرار :
بدأت حكاية الإنسان مع هذا المكان بفضل مقوماته الطبيعية الفريدة ، إذ تستقر جرش في الجزء الشمالي من المملكة الأردنية الهاشمية ، وعلى بعد ( 48 ) كيلومتراً فقط شمال العاصمة عمّان . تميزت المدينة منذ الفترات المبكرة بتلالها الخضراء الجذابة ، وهوايتها العليلة ، ووفور مياه ينابيعها العذبة وأراضيها الخصبة التي تطل على الوديان والسهول الخلابة الممتدة نحو وادي الأردن ، مما جعلها قديماً موئلاً مثالياً للاستقرار والعيش والزراعة والتجارة ، وبوابة رئيسية لنشأة تجمع حضاري فريد وتأسيس مستوطنة بشرية تعود أصول الاستيطان البشري فيها إلى أكثر من ( 6500 ) عام ( مع وجود شواهد وآثار تاريخية تؤكد استيطاناً أقدم يعود إلى العصر البرونزي نحو ( 2500 ) عام ق م ، وصولاً لتأسيسها المكتمل في عهد الإسكندر الكبير ) .
الاسم القديم والمعنى اللغوي : الهوية الأولى لـ ( جراسا ) وروافد الاسم في المنطقة العربية :
ارتبط هذا الاستقرار البشري المبكر بتسمية عكست طبيعة المكان وازدهاره ، فقد عرفت المدينة في العصور القديمة باسم ( جراسا ) ( Gerasa ) ( وفي بعض النصوص الكنعانية والسامية القديمة بـ " جرشو " أو " جيراش " ) . وعندما نصل إلى معنى هذا الاسم في اللغة ، نجد أن جذوره القديمة تعني ( المكان المكتظ بالسكان ) أو ( المدينة الكثيرة العمران ) ، في إشارة إلى كثرة بيوتها وأهلها منذ القدم . بينما يرى مؤرخون آخرون أن الاسم يرتبط بالحمارية أو الكنعانية القديمة لدلالته على ( المكان المرتفع والحصين ) .
وفي العهد السلوقي ( الهلنستي ) ، لُقبت المدينة رسمياً باسم ( أنطاكية الواقعة على نهر الذهب ) ، نسبة إلى الشريان المائي القديم الذي يتوسط جرش والمسمى " نهر الذهب " ( Chrysorhoas ) ، وهو المجرى المائي الخصب الذي قامت على ضفافه طواحين المياه والحمامات الرومانية وشطرا المدينة الشرقي والغربي .
كما اشتهرت المدينة لاحقاً بين الناس والرحالة بلقب ( مدينة الألف عمود ) ، وهو لقب لم يأتِ من فراغ ، بل جاء نتيجة الانتشار الهائل والفريد للأعمدة الحجرية التي تزين شوارعها وساحاتها . وتمتاز أعمدة جرش بصناعتها المعمارية المتقنة وأشكالها الهندسية البديعة ، حيث تتبع في الغالب الطرازين الكورنثي والأيوني .
وقد أُخترت هذه الطرازات الفنية الرفيعة والمعمار الروماني واليوناني المتقن لتعكس عظمة الإمبراطورية ورقيّ الفنون المعمارية في ذلك العصر ، إذ تزدان قمم الأعمدة ( التيجان ) بزخارف نباتية دقيقة تحاكي أوراق نبات الأقنتوس ( Acanthus ) في الطراز الكورنثي ، بينما تتميز بتجعيداتها الحلزونية الأنيقة في الطراز الأيوني ، مما أضفى على شوارعها وساحاتها مسحة من المهابة والجمال الفني الخالد .
ومن اللطيف في جغرافية التسميات العربية ، أن اسم ( جُرَش ) لا يقتصر على هذه الجوهرة الأردنية فحسب ، بل يحضر أيضاً في جنوب الجزيرة العربية من خلال موقع مدينة جُرَش الأثرية الشهير في محافظة أحد رفيدة بمنطقة عسير بالمملكة العربية السعودية ، وهي مدينة تاريخية قديمة يعود تاريخها إلى ما قبل الإسلام والعصور الإسلامية المبكرة ، واشتهرت كمركز تجاري وصناعي بارز على طريق القوافل القديم ، مما يعكس عمق الجذور اللغوية والتاريخية المترابطة لهذا الاسم في الذاكرة العربية .
التسلسل الزمني للحضارات : حكاية صعود وازدهار المدينة :
بفضل هذا الموقع المميز والاسم العريق ، أصبحت جرش الأردنية مطمعاً ومستقراً للحضارات الكبرى التي تعاقبت عليها عبر الزمان ، تاركة كل منها بصمة تعمّر ما قبلها :
1 ) العصر اليوناني ( الهلنستي ) :
تأسست المدينة بمعالمها اليونانية-الرومانية ورُسخت أصول تنظيمها المدني في عهد الإسكندر الكبير في القرن الرابع قبل الميلاد ، كما أصبحت درة تاج في ( حلف الديكابولس ) ، وهو تحالف شامخ جمع عشر مدن كبرى في بلاد الشام . وقد قام هذا الحلف في جوهره على أبعاد اقتصادية وتجارية وثقافية ، بالإضافة إلى البعد العسكري والأمني الدقيق ، إذ شُكّل الحلف تحت الحماية الرومانية ليكون شبكة دفاعية وحصناً عسكرياً متقدماً يحمي الحدود الشرقية للإمبراطورية الرومانية ، ويوفر الحماية العسكرية المشتركة للمدن ومسالك القوافل التجارية ضد هجمات القبائل المجاورة والغزوات الخارجية ، مما منح جرش استقراراً أمنياً وعسكرياً أسهم في ازدهارها التجاري والعمراني .
2 ) العصر الروماني :
مع تمدد الإمبراطورية الرومانية ، دخلت جرش عصرها الذهبي تحت حكم الرومان ، إذ بلغت أوج ازدهارها المعماري والتجاري ، وبُنيت فيها أعظم المعابد والمسارح والأقواس التي نراها قائمة وشامخة حتى يومنا هذا .
3 ) العصر البيزنطي :
بتحول الإمبراطورية إلى المسيحية ، ارتسمت لجرش ملامح جديدة ، إذ تحولت إلى مركز ديني مهم ، وشهدت حركة بناء واسعة للكنائس المسيحية المبكرة ذات الأرضيات الفسيفسائية الملونة والجميلة .
4 ) العصر الإسلامي :
فُتحت جرش سلماً عام ( 635 ) م ( الموافق للعام 14 هـ ) في عهد الخليفة عمر بن الخطاب على يد الصحابي شرحبيل بن حسنة ، فواصلت رحلتها الحضارية وازدهرت في عهدي الأمويين والعباسيين ( والتي تجسدت في معالم بارزة كـ " الجامع العمري " القديم والعصور الإسلامية التي استخدمت بعض مواقعها كورش للخزف ) ، محتفظة بنشاطها العمراني والتجاري والسكاني .
الحياة المجتمعية والأنشطة الحضارية لجرش عبر العصور :
لم تكن جرش مجرد حجارة وهياكل عمرانية صامتة ، بل كانت مجتمعاً نابضاً بالحياة والتنوع في مختلف المجالات :
الدين والمعتقدات :
تعددت الديانات في جرش بتعدد العصور ، ففي العصرين الهيلينستي والروماني سادت العبادات الوثنية وتعدد الآلهة ، وكان لكل إله معبد خاص كمعبد أرتميس ( حارسة المدينة ) ومعبد زيوس ، إضافة إلى تقديم القرابين والاحتفالات الدينية . ومع الانتقال إلى العصر البيزنطي ، أصبحت المسيحية هي الدين الرسمي وشُيدت عشرات الكنائس المزخرفة بالفسيفساء . وفي العصر الإسلامي ، دخل الإسلام برسالته التسامحية وشُيدت المساجد كـ " الجامع العمري " وتآخي السكان في نسيج مجتمعي واحد .
اللغات والكتابات والنقوش :
شهدت جرش تنوعاً لغوياً كبيراً ، حيث كانت اللغة اليونانية هي لغة الثقافة والإدارة والتعليم في العصر الهيلينستي والروماني ، إلى جانب اللغة اللاتينية المستخدمة في الشؤون العسكرية والجرائد الرسمية للإمبراطورية الرومانية . كما تواجدت اللغات السامية القديمة كالآرامية والصفائية بين أهالي المنطقة والسكان المحليين . ومع الفتح الإسلامي ، أصبحت اللغة العربية هي اللغة الرسمية والسائدة . وتزخر جدران وأعمدة وقواعد تماثيل جرش بمئات النقوش والكتابات الأثرية المحفورة التي وثقت أسماء المتبرعين ، والمراسيم الإمبراطورية ، والقوانين التجارية .
الحياة الاقتصادية ( الزراعة ، الصناعة ، والتجارة ) :
الزراعة : اعتمد اقتصاد جرش قديماً على أراضيها الخصبة ومياه ينابيعها ( كينبوع القيروان ) ونهر الذهب ، واشتهرت بزراعة الزيتون ، والكروم ( العنب ) ، الحبوب ، والحمضيات ، وتطوير المعاصر الحجرية لاستخراج الزيت والنبيذ .
الصناعة : برع أهل جرش في صناعة الفخار والخزف ( خاصة في العصرين البيزنطي والأموي ) ، وصناعة أدوات البناء ونحت الحجارة والأعمدة الرخامية ، وصناعة الزجاج ، والسباكة المعدنية ، ودباغة الجلود .
التجارة : بفضل موقعها على خطوط القوافل التجارية وحمايتها ضمن حلف الديكابولس ، أصبحت جرش مركزاً تجارياً استراتيجياً وتبادلت السلع كالتوابل ، والحرير ، والزيوت ، والحبوب مع المدن المجاورة والجزيرة العربية والشام .
الحياة الثقافية والاجتماعية :
تجلت ثقافة المدينة في مسارحها الضخمة ( المسرح الجنوبي والشمالي ) وميدان سباق الخيل ( الهيبودروم ) ، حيث كان السكان يستمتعون بالعروض المسرحية ، والمناظرات الشعرية ، والموسيقى ، والألعاب الرياضية ، فضلاً عن ارتياد الحمامات العامة والميادين للتفاعل الاجتماعي وتبادل الآراء .
الاكتشافات الأثرية البارزة : تمثال أفروديت وكنوز جرش الدفينة :
تواصل البعثات الأثرية والتنقيبية إبهاج العالم باكتشافات فريدة داخل جرش ، وكان من أبرزها الاكتشاف الأثري المذهل في منطقة الحمامات الشرقية ، حيث تم العثور على تمثال رخامي نادر للإلهة ( أفروديت ) ( إلهة الحب والجمال عند الرومان والإغريق ) ، وهو تمثال مصنوع ببراعة فنية عالية يعكس مستوى الرخاء والفن المعماري الرفيع الذي وصل إليه أهل جرش . كما كشفت التنقيبات عن مجموعة من التماثيل الرخامية الأخرى لآلهة الإغريق والرومان ( مثل زيوس وزيوس داليكينوس وأرتميس وديونيسوس ) ، إلى جانب التماثيل واللوحات الفسيفسائية والنقود الفضية والذهبية والمباخر النحاسية التي تُعرض اليوم في متحف آثار جرش .
النوازل والكوارث التاريخية : الصمود والتراجع العمراني :
بعد قرون طويلة من الازدهار والتحول الحضاري المتواصل ، مرت المدينة بمتغيرات قاسية غيّرت مجرى حياتها :
الزلازل المدمرة : ضربت المنطقة عدة زلازل قوية عبر العصور ( وكان أبرزها زلزال عام ( 749 ) م في العصر الأموي ) ، مما أدى إلى انهيار أجزاء واسعة من المباني والمعابد والأسواق القديمة .
الحروب والتغيرات السياسية : أدت الصراعات العسكرية وتقلب طرق التجارة العالمية القديمة إلى تراجع النشاط السكاني بالتدريج ، فدفنت الأتربة جزءاً كبيراً من مبانيها ، لتتحول جرش إلى تحفة أثرية غارقة في النوم بانتظار من يعيد اكتشافها .
جولة بين آثار جرش : شواهد العصر الذهبي القائمة داخل الموقع الأثري :
على الرغم من الكوارث والزلازل ، بقيت معالم جرش الأثرية شاهدة على براعة وتنوع الوظائف المعمارية التي خُصصت لكل موقع في عصرها الذهبي :
قوس هادريان :
وظائفه واهميته : بوابة ترحيبية ضخمة شُيدت عام ( 129 ) م عند المدخل الجنوبي خصيصاً احتفاءً بزيارة الإمبراطور الروماني ( هادريان ) للمدينة ، لتكون رمزاً للقوة والترحيب الإمبراطوري .
الساحة البيضوية ( ساحة الندوة / الفورم ) :
وظائفها واهميتها : شُيدت في القرن الأول الميلادي ، وهي ساحة عامة فريدة مبلطة بالحجارة الضخمة والمشذبة التي تلتف بتناسق بديع مع شكلها البيضاوي ، ومحاطة برواق من الأعمدة ذات الطراز الأيوني ( التي قد يرجح أن بعضها استبدل لاحقاً بطراز كورنثي خلال مراحل التوسع العمراني الثلاث التي مرت بها المدينة ) . تشير أعمال التنقيب إلى أن هذه الساحة أُنشئت قبل شارع الأعمدة الرئيسي ، وتحتضن في وسطها قاعدة تاريخية يُوضع عليها عمود خاص لإشعال شعلة مهرجان جرش مع انطلاقة كل دورة ، كما شهدت في فترات لاحقة للعصر الروماني إقامة منازل صغيرة فوق أرضها .
شارع الأعمدة ( كاردو مكسيموس ) :
وظائفه واهميته : يُعد الشريان الرئيسي لمدينة جرش الأثرية والشارع المعمّد ( Cardo Maximus ) البارز فيها ، إذ يمتد بطول يبلغ نحو ( 800 ) متر ، ويضم بين جنباته نحو ألف عمود حجري فاخر مصمم بأعلى درجات الإتقان الهندسي الروماني . يربط هذا الشارع المرصوف بالحجارة بين الساحة البيضوية والبوابة الشمالية ، مشكّلاً العمود الفقري للحياة اليومية والمرور والتجارة في المدينة القديمة عبر عصورها المختلفة .
المسرح الجنوبي ( المدرج الروماني الأضخم ) :
وظائفه واهميته : تم تشييده في القرن الأول الميلادي خلال العصر الروماني ، وهو أضخم مسارح جرش ، إذ يتسع لحوالي ( 3000 ) إلى ( 5000 ) متفرج . يمتاز هذا المسرح ببراعة هندسية فائقة ونظام صوتي مذهل يوزع الصوت بدقة إلى جميع زواياه دون الحاجة لمكبرات صوتية ، وقد خُصص قديماً للعروض المسرحية والاحتفالات العامة ، وما زال يُستخدم حتى اليوم كمنصة رئيسية لاستضافة الفعاليات الفنية الكبرى ومهرجان جرش للثقافة والفنون .
المسرح الشمالي :
وظائفه واهميته : صرح مسرحي وتجميعي فريد ، شُيد ليكون مكاناً لاجتماعات مجلس المدينة والاحتفالات والعروض الفنية والثقافية الأكثر خصوصية .
معبد أرتميس ومعبد زيوس :
وظائفهما واهميتهما : يتربع معبد أرتميس كدرة دينية شاهقة بدئ ببنائه في القرن الثاني الميلادي كمقام للإلهة أرتميس ( حارسة مدينة جراسا ) داخل فناء حرم كبير فوق مجموعة من الأقبية السفلية الغامضة التي لم يُعرف الهدف من إنشائها تماماً . ولم يكتمل إنشاؤه نهائياً حيث نُصب منه ( 12 ) عموداً فقط من أصل ( 32 ) . يضم في مقدمته ركناً مقدساً خاصاً بالكاهن وكوة لوضع التماثيل وغرفتين جانبيتين تؤديان عبر أدراج إلى الأقبية السفلية والسقف ( مما يوحي بوجود مذبح علوي ) ، وقد استُخدم المعبد في عصور لاحقة ككنيسة في العهد البيزنطي ثم كورشة لعمال الخزف في العصر الأموي . ويرافقه معبد الإله زيوس الشامخ بتفاصيله ونقوشه التكريمية القديمة .
سبيل الحوريات ( النيفايم ) :
وظائفه واهميته : نافورة عامة ضخمة ومزخرفة شُيدت حوالي ( 190-191 ) م لتلبية الاحتياجات اليومية وتغذية النوافير العامة على امتداد شارع الأعمدة ، وتتميز بواجهتها الغنية باللوحات الجدارية الرخامية والجص الملون والزخارف المعمارية والأعمدة الكورنثية ، ومياهها التي كانت تنساب من أفواه رؤوس الأسود المنحوتة لتبرز ذروة براعة الهندسة المائية في المدينة الرومانية .
ميدان سباق الخيل ( الهيبودروم ) :
وظائفه واهميته : مساحة واسعة وميدان تاريخي شُيّد لسباقات العربات والفعاليات الرياضية القديمة التي تجمع سكان المدينة .
المرافق السياحية والخدمية المعاصرة : تجربة الزائر في جرش :
تكتمل روعة القيمة الأثرية لمدينة جرش بوجود منظومة متكاملة من المرافق والخدمات السياحية الحديثة المصممة لاستقبال الزوار وتوفير تجربة استكشافية مريحة وشاملة داخل الموقع :
مركز زوار جرش :
يمثل نقطة الانطلاق الرئيسية والبوابة الرسمية لدخول المدينة الأثرية ، إذ يوفر للزوار كافة المعلومات والخرائط الإرشادية والكتيبات التعريفية بالمسارات السياحية ، بالإضافة إلى شباك قطع التذاكر وخدمات أدلاء السياحة المرخصين الذين يرافقون الرحلات لشرح تاريخ المدينة ومعالمها بالتفصيل .
السوق التراثي والحرفي :
يقع في المنطقة المحاذية لمركز الزوار والمدخل الرئيسي للموقع الأثري ، ويُعد معرضاً حياً للتراث الشعبي الأردني ، حيث يضم عشرات المحال والمتاجر التي تحوي الحرف اليدوية التقليدية ، والتحف الفسيفسائية ، والحلي الفضية ، والمنسوجات البدوية ، والفخاريات ، والمصنوعات الخشبية ، بالإضافة إلى المنتجات المحلية الشهيرة كزيوت الزيتون والأعشاب العطرية ، مما يمنح الزائر فرصة اقتناء تذكارات تجسد روح المكان .
الاستراحات والمطاعم السياحية :
تتوزع داخل الموقع الأثري وفي محيطه القريب مجموعة من الاستراحات والمقاهي والمطاعم السياحية المتميزة التي تقدم المأكولات الأردنية والعربية التقليدية والأطباق العالمية ، وتتيح للزوار أخذ قسط من الراحة والاستمتاع بإطلالات بانورامية ساحرة على الشوارع المعمدة والأعمدة الشامخة .
المرافق الخدمية المساندة :
يضم الموقع ممرات مهيأة للمشاة وذوي الاحتياجات الخاصة ، ومواقف واسعة للحافلات والسيارات ، ومراكز صحية وإسعافية مصغرة ، بالإضافة إلى المتاحف المعرضية كـ " متحف آثار جرش " الذي يضم المكتشفات الفخارية والتماثيل والقطع النقدية المكتشفة في الموقع .
الآثار والتوابع الأثرية الخارجية والبحث الأكاديمي : امتدادات جرش خارج حدود الموقع الحالي :
وفقاً للتقارير الرسمية والمسوح الأثرية الصادرة عن الجهات الحكومية الأردنية والدراسات الأكاديمية ( كالمعهد المتخصص في الآثار ومتحف جرش الأثري الذي يضم أندر المقتنيات الرومانية ) ، لم تقتصر حدود جرش التاريخية وعمرانها على النواة السياحية المسورة حالياً ، بل يحيط بالموقع الأثري الرئيسي نطاق جغرافي واسع يضم معالم وتوابع أثرية تابعة لإقليم المدينة القديمة ، ومن أبرزها :
1 ) بركتان والمسرح الروماني الثالث ( مسرح البركتين ) :
موقع أثري يقع على بعد حوالي ( 2 ) كيلومترين إلى الشمال من المدينة الأثرية ، وُصمّم كمركز مائي وترفيي يضم بركتين ضخمتين لتجميع المياه ومسرحاً أثرياً ثالثاً يطل على البركتين مباشرة ، كان يُستخدم للاحتفالات المائية والأعياد القديمة ( مثل أعياد المايماس ) .
2 ) الحمامات الشرقية وغربية :
تقع خارج أسوار الموقع الأثري المسيج وفي قلب الجزء الحديث من مدينة جرش الشرقية والغربية ، وتعتبر من أضخم المجمعات الحرارية والحمامات الرومانية في المنطقة ، مما تؤكد امتداد عمران المدينة القديمة على ضفتي الوادي .
3 ) الجسر الروماني القديم ( الجسر الشرقي ) :
جسر أثري مبني فوق مجرى الوادي ( وادي جرش / نهر الذهب ) ليربط بين الضفة الغربية للمدينة ( حيث تقع الآثار الرئيسية ) والضفة الشرقية السكنية والتجارية ، شواهد هندسية تظهر تكامل شطري المدينة .
4 ) المدافن والمقابر الأثرية ( النكروبوليس ) :
تنتشر خارج حدود المدينة ومحيط أسوارها القديمة عدة مقابر ومدافن محفورة في الصخر وأضرحة عائلية فخمة ( مثل مقابر الشارع الشمالي والجنوبي ) ، والتي خُصصت لدفن كبار الشخصيات والأهالي بعيداً عن المركز الحضري .
5 ) شبكات القنوات المائية والأديرة المجاورة :
يمتد المحيط الرديف لجرش ليشمل قنوات مائية قديمة ومقاطس مياه وسدوداً صغيرة نُظمت لجلب المياه من ينابيع القيروان ودبين ، بالإضافة إلى بقايا كنائس وأديرة بيزنطية منتشرة في القرى والتلال المجاورة المحيطة بجرش .
مهرجان جرش للثقافة والفنون : نبض التراث ولقاء الحضارات :
لا تحيا جرش بآثارها الصامتة فحسب ، بل تعود إليها الروح صيف كل عام لتتوهج عبر مهرجان جرش للثقافة والفنون ، الذي انطلقت دورته الأولى في عام ( 1981 ) م برعاية ملكية سامية .
أهداف المهرجان : يهدف المهرجان إلى إبراز التراث الثقافي المحلي والعربي والعالمي ، وتحويل المعالم الأثرية التاريخية إلى مسارح حية تتفاعل فيها الفنون الإنسانية ، فضلاً عن تنشيط الحركة السياحية والثقافية وكسر الصمت عن حجارة المدينة التاريخية بربط الماضي العريق بالحاضر المبدع .
فعاليات ومحتويات المهرجان : يشتمل المهرجان على برنامج ثقافي وفني واسع ومتنوع يضم :
1 ) الحفلات الغنائية والموسيقية الكبرى : التي يحييها نخبة من أبرز نجوم الغناء الأردني والعربي والعالمي على مسارح جرش الأثرية العريقة ( وخاصة المسرح الجنوبي والشمالي ) .
2 ) الأمسيات الشعرية والندوات الأدبية : التي تستقطب نخبة من الأدباء والشعراء والمفكرين العرب والعالميين لمناقشة قضايا الفكر والثقافة .
3 ) عروض الفلكلور الشعبي والفرق الاستعراضية : المحلية والعالمية التي تعكس تنوع الثقافات الإنسانية وتراث الشعوب .
4 ) الأسواق الحرفية والمعارض الفنية : التي تجاور السوق القديم وتضم المعارض التشكيلية والصناعات التقليدية اليدوية ، والمنسوجات ، والتحف الفسيفسائية التي تجسد أصالة المجتمع المحلي .
مكانة جرش المعاصرة : التراث العالمي والثقافة الوطنية :
تحتل جرش مكانة رفيعة في الوجدان المحلي والعالمي تعكسها محطتان بارزتان في مسيرتها المعاصرة :
إدراج التراث العالمي : تسعى الجهات الرسمية والأهلية الأردنية بخطى حثيثة لإدراج المدينة الأثرية بجرش رسمياً ضمن لائحة مواقع التراث العالمي لدى اليونسكو ، استناداً إلى قيمتها التاريخية والمعمارية الفريدة التي تجعلها إرثاً إنسانياً عالمياً يستحق الحماية والصون .
اختيارها مدينة للثقافة : في إطار الاهتمام بالتنمية الثقافية والمكانية ، حظيت جرش باختيارها ( مدينة الثقافة الأردنية ) في عام ( 2015 ) م ، وهو لقب تُمنحه وزارة الثقافة الأردنية للمدن التي تتميز بإرث تاريخي وثقافي وعمري عريق لتنشيط الحراك الثقافي فيها وإبراز دورها الحضاري .
تبقى جرش شاهداً خالداً على أن الحضارات لا تندثر بل تتجدد في وجدان الشعوب ، حيث تلتقي في ساحاتها وأروقتها أصداء الماضي المشرق مع طموحات الحاضر والمستقبل . والواقع الأثري يؤكد أن ما يكشف عنه نقاب الزمان فوق الأرض ليس إلا الفصل الأول من كتاب جرش العظيم ، إذ لا تزال التلال المحيطة والبقاع المطمورة تختزن أسراراً وتفاصيل حضارية تعزز مكانتها المستحقة على لائحة التراث العالمي . وستظل هذه المدينة الأيقونية ترحب بزوارها من كل حدب وصوب ، رافعةً أعمدتها الكورنثية الشامخة في سماء الأردن لتجسد قصة ملهمة عن الجمال ، والصمود ، والإرث الإنساني المشترك الذي لا يزول .



















قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) ابن الأثير ، عز الدين أبي الحسن علي بن محمد الجزري . الكامل في التاريخ . بيروت : دار صادر ، 1965 م .
- 2 ) ابن الفقيه ، أحمد بن محمد الهمذاني . كتاب البلدان . بيروت : عالم الكتب ، 1996 م .
- 3 ) البلاذري ، أحمد بن يحيى بن جابر . فتوح البلدان . القاهرة : شركة طبع الكتب العربية ، 1901 م .
- 4 ) الدوري ، عبد العزيز . تاريخ العرب الاقتصادي في العصر الإسلامي . بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية ، 1995 م .
- 5 ) عبيدات ، محمود . تاريخ جراسا ( جرش ) عبر العصور . عمّان : دار الجليل للنشر والتوزيع ، 1987 م .
- 6 ) علي ، جواد . المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام . بيروت : دار العلم للملايين ، 1978 م .
- 7 ) المحيسن ، زيدان . الآثار الكلاسيكية في الأردن : العصر الهلنستي والروماني والبيزنطي . إربد : دار الكندي للنشر والتوزيع ، 2004 م .
- 8 ) المقريزي ، تقي الدين أحمد بن علي . المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار ( الخطط المقريزية ) . بيروت : دار الكتب العلمية ، 1998 م .
- 9 ) النوايسة ، قاسم . المدن الرومانية في الأردن : حلف الديكابولس دراسة تاريخية وأثرية . عمّان : دار يافا العلمية للنشر والتوزيع ، 2010 م .
- 10 ) الخوري ، هاني . النقوش والكتابات اليونانية واللاتينية في شمال الأردن . عمّان : منشورات دائرة الآثار العامة الأردنية ، 1992 م .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.