تعد أم الرصاص ( ميفعة ) درة تاريخية وأثرية بارزة في الأردن ، حيث تجمع بين الإرث النبطي ، والروماني ، والبيزنطي ، والإسلامي ، وتشتهر بأرضياتها الفسيفسائية الفريدة وبرجها التاريخي ، مما أهّلها لتكون ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 2004 م .
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
تتوسد الأراضي الأردنية إرثاً حضارياً عريقاً تتناثر شواهده بين السهول والبوادي ، وتبرز مدينة أم الرصاص التاريخية ( ميفعة ) كواحدة من أبرز الحواضر القديمة التي تعاقبت عليها الأمم والشعوب ، تاركة خلفها سجلاً نابضاً بالحياة يروي قصص الأنباط والرومان والبيزنطيين ، وصولاً إلى العصور الإسلامية الزاهرة . وتعد أم الرصاص من أهم المواقع السياحية والأثرية في الأردن ، وهي تتميز بأرضياتها الفسيفسائية الفريدة التي تعد الأكبر في المملكة .
بين ميفعة وأم الرصاص : جغرافية الاسم وقصة البرج الشهير :
تقع قرية أم الرصاص على هضبة مادبا الخصبة على ارتفاع 760 متراً عن سطح البحر ، بين وادي الوالة ووادي الموجب ، وتبلغ مساحة المدينة القديمة قرابة كيلومترين مربعين ، بينما تمتد القرية الحديثة على أطرافها ليبلغ عدد سكانها نحو 4200 نسمة ( وفي بعض التقديرات الإدارية يبلغ عدد سكان القضاء نحو 7650 نسمة موزعين على 22 قرية بمساحة إجمالية تبلغ 24227 كيلومتراً مربعاً ومساحة منظمة نحو 8500 كيلومتر مربع ) . وهي تتبع إدارياً محافظة العاصمة وقضاء أم الرصاص ضمن لواء الجيزة في منتصف المملكة ضمن بادية الوسط في إقليم الوسط ، وتتوسط منطقتها الأثرية أربعة مداخل رئيسية ، ويحدها من الشرق المصيطبة ورجم العقاب ، ومن الغرب المشيرفة وقرية عليان ، ومن الشمال أبو حليليفه ورجم فهيد ، ومن الجنوب الغربي الجميل ، ومن الجنوب الشرقي ساليه ، وتبعد نحو خمسة كيلومترات شرق ذيبان ، وثلاثين كيلومتراً إلى الجنوب الشرقي من مادبا ، وخمسة وأربعين كيلومتراً إلى الجنوب من العاصمة عمّان .
تعود جذور الاستيطان في الموقع إلى العصور الرومانية والبيزنطية وصولاً إلى صدر الإسلام ( من أواخر القرن الثالث إلى القرن التاسع الميلادي ) ؛ فقد أسسها الرومان في البدء كمعسكرات من أجل تثبيت النفوذ وحماية طرق التجارة المتجهة من الجزيرة العربية إلى بلاد الشام والعكس ( واعتبرت معبراً حيوياً لقوافل التجارة في رحلة الشتاء والصيف المكية ) ، إلا أنها نمت لتصبح مدينة قائمة بذاتها ابتداءً من القرن الخامس الميلادي لتحتل منزلة كبيرة في ذلك الوقت . وقد أُطلق عليها قديماً اسم " كاسرتون ميفعة " كما ورد في نص باللغة اليونانية ضمن فسيفساء تعود إلى العصر الأموي ، وحملت اسم " ميفعة " ( بفتح أوله وبالفاء المفتوحة بعدها عين مهملة ) ، والميفعة في لغة العرب مؤنث " الميفع " ، وهو المكان المشرف والمرتفع المطل . أما اسمها الحديث " أم الرصاص " ، فيرتبط بوجود برجها العالي الذي اشتمل على الرصاص في بنائه ؛ وقد أشار المؤرخ الحميري إلى هذه اللفتة الفريدة حين ذكر أن الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك احتاج إلى رصاص حين شرع في بناء الجامع الأموي بدمشق ، فقيل له إن في الأردن منارة فيها رصاص ، فبعث إليها لاقتلاعه واستخدامه في البناء .
منارات الإيمان والفن : كنائس أم الرصاص وفسيفساؤها الخالدة :
تحتل الآثار الموجودة في أم الرصاص موقعاً عالياً يمكن رؤيته عن بعد 20 كيلومتراً وبمساحة تبلغ نحو 30 دونماً تشكله منطقة مغلقة داخل حصن منيع تحيط به أسوار عالية ، ويحيط بالمدينة بقايا مناطق زراعية قديمة ، إضافة إلى نظام خاص فريد لجمع المياه على امتداد الموقع استعمل لمياه الشرب وكذلك كنظام لري المزروعات . كما شكلت المدينة محطة بارزة على طريق القوافل التجارية وموقعاً يرتاده الحجاج المسيحيون من مختلف مناطق العالم لما تحويه من معالم دينية قديمة ، حيث توفرت فيها الخانات والقباب واماكن الإيواء والعبادة من أديرة وكنائس لإطعام التجار ورواحلهم قبل الإسلام .
تشير المسوحات والدلائل الأثرية إلى أن المدينة ضمت أربع عشرة كنيسة يعود معظمها إلى القرنين الخامس والسادس الميلاديين ( مع اكتشاف سبع كنائس جديدة في قرية " الجميل " التابعة لها والتي تبعد ثلاثة كيلومترات غربها ) ، وقد بُنيت معظم هذه الكنائس بعد قيام الحكم الإسلامي . وتُوجت هذه المنظومة الأثرية باكتشاف الأرضية الفسيفسائية لـ كنيسة القديس ستيفان ( اسطفيان ) التي شُيِّدت خلال العصر الأموي وتم توسعتها وإضافة أرضيات فسيفسائية لها حتى الفترة العباسية ( وتحديداً في عام 719 م / 785 م ) ، والتي بدأت أعمال التنقيب الكبرى فيها منذ عام 1986 م ضمن بعثة مشتركة بين معهد الآباء الفرنسيسكان للآثار ودائرة الآثار العامة . وتتميز أرضية الكنيسة بكونها تحفة فنية نادرة تزيد مساحتها على خمسمائة متر مربع ، تضم رسوماً لصيد الرعي والأشكال الهندسية ، إلى جانب توثيق صور وأسماء لخميس عشرة مدينة بارزة ( ثماني مدن في فلسطين ، وعشر مدن في مصر ، وسبع مدن أردنية ) من جهتي نهر الأردن الشرقية والغربية ، فضلاً عن توثيق سبعين اسماً لأشخاص تربطهم علاقة وثيقة بالمكان ، وبقايا معسكر روماني كبير وبناء ضخم لم يُستكمل تبلغ مساحته نحو تسعة دونمات يليه من الجهة الشمالية .
وفي قلب هذه المجمّعات الدينية يبرز برج الناسك سمعان العمودي ( المنارة ) الذي يبلغ ارتفاعه نحو خمسة عشر متراً ، وهو البرج الفريد الذي اتخذه الرهبان قديماً طلباً للعزلة والتعبد . وبالرغم من احتواء الموقع على الكثير من الكنائس التاريخية وآثار المعسكرات الضخمة والأسوار الهدمة والدارسة التي وثقها الرحالة ( مثل الرحالة هـ . ب تريسترام عام 1872 م ) ، إلا أن معظم أجزاء الموقع لم تُكتشف بعد ، ولا تزال الجهود مستمرة لكشف المزيد من كنوزها بالتعاون مع منظمة اليونسكو .
محطات في الذاكرة التاريخية والدينية : تقاطع فريد بين المسيحية والإسلام :
تُجسد أم الرصاص نموذجاً فريداً للتعايش والتقاطع الحضاري والتصالح العريق بين الديانتيْن المسيحية والإسلامية ( وتاريخ العرب والنسيج الاجتماعي لبدو الوسط من الفايز وغيرهم ) ؛ فقد أثبتت الحفريات والدراسات الأثرية أن التعبد المسيحي وبناء الكنائس في المدينة لم ينقطعا بل استمرا وازدهرا خلال العصور الإسلامية المتعاقبة ( الأموية والعباسية ) ، حيث بُنيت كنيسة القديس ستيفان وأنجزت فسيفساءها في ظل الحكم الإسلامي .
ولم تكن أم الرصاص مجرد محطة عسكرية ودينية عابرة ، بل ارتبطت بذاكرة التاريخ الإنساني والإسلامي بروايات متعددة ؛ يذكر أبو عبيد البكري أن زيد بن عمرو بن نفيل ، لما بلغه أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أقبل من الشام يريده فقتله أهل ميفعة .
وإلى جانب ذلك ، تذكر المصادر التاريخية والتراثية وكتب السيرة النبوية المعتمدة ( ومنها ما أخرجه الترمذي وابن أبي شيبة والحاكم عن حديث أبي موسى الأشعري ، وما وثقته موسوعة المعارف العربية وكتب ابن الأثير ) أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم زار منطقة أم الرصاص عندما كان يافعاً في مطلع شبابه قبل النبوة ( ولم يتجاوز التاسعة من عمره ) ، وذلك حين خرج في رحلة تجارية إلى الشام مع عمه أبي طالب في أشياخ من قريش ، حيث كان يعيش في أكبر أديرة طريق الشام راهب يسمى " بحيرا " ضمن مجموعة من الرهبان . وقد شاهد الراهب غمامة تظله وفيع الشجرة يميل عليه ، وتفرس في صفاته وخاتم النبوة أسفل كتفه مثل التفاحة ، محذراً عمه ألا يذهب به إلى الروم خوفاً عليه ، وهو اللقاء التاريخي العابر الذي توثقه التراثيات المحلية في الموقع ، بينما تُرجح كتب السيرة الكلاسيكية المعتمدة أن حادثة لقاء الراهب بحيرا وقعت في بصرى الشام ( جنوب سوريا ) كأشهر الروايات لدى المحققين والمؤرخين .
هكذا تبدو أم الرصاص ( ميفعة ) نبضاً تاريخياً متدفداً يختصر عراقة المكان الأردني وسحر الصحراء ، وتقديراً لهذه الأهمية التاريخية والعالمية الاستثنائية التي تجمع بين مزيج فريد من الحضارات والأديان والتعايش الإسلامي المسيحي ، تم إدراج أم الرصاص ضمن قائمة التراث العالمي التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة ( اليونسكو ) في عام 2004 م ، لتظل منارة أثرية خالدة تروي للأجيال قصص المجد والعراقة على أرض الأردن الطهور .















قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) القرآن الكريم .
- 2 ) ابن الأثير ، عز الدين أبو الحسن علي بن محمد الجزري ؛ الكامل في التاريخ ؛ دار الكتب العلمية ، بيروت .
- 3 ) ابن هشام ، أبو محمد عبد الملك ؛ السيرة النبوية ؛ تحقيق : مصطفى السقا وآخرين ؛ دار إحياء التراث العربي ، بيروت .
- 4 ) البكري ، أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز ؛ المعيار والمجرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب ( والمقصود هنا ما ورد في معجم البلدان والمسالك ) .
- 5 ) الحميري ، محمد بن عبد المنعم ؛ الروض المعطار في خبر الأقطار ؛ تحقيق : إحسان عباس ؛ مكتبة لبنان ، بيروت .
- 6 ) الترمذي ، أبو عيسى محمد بن عيسى ؛ سنن الترمذي ؛ تحقيق : أحمد محمد شاكر وآخرين ؛ دار إحياء التراث العربي ، بيروت .
- 7 ) ابن أبي شيبة ، أبو بكر عبد الله بن محمد ؛ المصنف في الأحاديث والآثار ؛ تحقيق : محمد عبد الله كمال الدين ؛ دار الكتب العلمية ، بيروت .
- 8 ) الحاكم النيسابوري ، أبو عبد الله محمد بن عبد الله ؛ المستدرك على الصحيحين ؛ تحقيق : مصطفى عبد القادر عطا ؛ دار الكتب العلمية ، بيروت .
- 9 ) تريسترام ، هنري بيكر ؛ رحلات في شرق الأردن ( The Land of Moab ) ؛ ترجمة وتعليق : دائرة الآثار العامة ، عمان .
- 10 ) دائرة الآثار العامة الأردنية ؛ الدراسات والتقارير الأثرية حول مواقع التراث العالمي في الأردن : موقع أم الرصاص ( ميفعة ) ؛ عمان .
- 11 ) منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة ( اليونسكو - UNESCO ) ؛ ملف تسجیل موقع أم الرصاص ( ميفعة ) على قائمة التراث العالمي ؛ باريس ، 2004 م .
- 12 ) موسوعة المعارف العربية ؛ قرية أم الرصاص الأثرية : التاريخ والجغرافيا والعمارة ؛ منشورات رقمية مرجعية .
- 13 ) الصحف اليومية والدورية الأردنية :
- جريدة الرأي : مقالات وتقارير تاريخية ميدانية ( ومنها تحقيق : " أم الرصاص .. هل كان الرسول هنا؟ " ، 2007 م ) . جريدة الدستور : تقارير دروب وتراث ( ومنها مقال الباحث جمال خليفة : " أم الرصاص .. تُحفة من العبقرية الخلاقة للإنسان " ، 2010 م ) . صحيفة العرب وموقع العربي الجديد : تقارير سياحية وتاريخية حول التقاطع الحضاري في أم الرصاص .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.