يتناول هذا المقال موضوع وعد بلفور الاستعماري وتداعياته الكارثية ، مسلطاً الضوء على محطاته الزمنية ، ودوافعه الإمبريالية ، وبطلانه القانوني ، ومسؤولية بريطانيا التاريخية والأخلاقية تجاه الشعب الفلسطيني .

وعد بلفور : الميثاق الاستعماري الذي شكل مأساة فلسطين

​بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​تتجدد في نهاية شهر تشرين الأول وبداية شهر تشرين الثاني من كل عام الذكرى التاريخية الأبرز والأكثر تأثيراً في مسار الصراع العربي الصهيوني ، وهي ذكرى صدور " وعد بلفور " المشؤوم . هذا التصريح الباطل الذي صاغته القوى الاستعمارية ليصبح نقطة التحول الكبرى التي غيرت مجرى تاريخ الشرق الأوسط ، وفتحت الباب أمام عقود من التشريد والمعاناة المستمرة للشعب الفلسطيني .

​المحطات الزمنية وصياغة الوثيقة :

​لم يكن صدور هذا الوعد وليد الصادفة أو تعاطفاً عابراً ، بل جاء حصيلة مسار طويل من التنسيق المحموم والمناقشات السرية والعلنية بين الحكومة البريطانية وقيادات الحركة الصهيونية العالمية . فقد تمر الذكرى الـ 103 على صدور ( وعد بلفور ) بوصفه أهم الوثائق في الصراع الفلسطيني العربي الصهيوني ، وقد أخذ الوعد الذي أعد بصيغته النهائية في 31 تشرين الأول عام 1917 م ، على شكل رسالة بعث بها اللورد آرثر جيمس بلفور في 2 تشرين الثاني عام 1917 م إلى اللورد إدموند دي روتشيلد ( ليونيل وولتر روتشيلد ) أحد زعماء الحركة الصهيونية والجالية اليهودية في بريطانيا ، ليقوم بإرسالها إلى الاتحاد الصهيوني . وقد بدأ الإعداد الفعلي لصياغته ومناقشته خلال النصف الأول من عام 1917 م ، ففي حزيران 1917 م قدم القيادي الصهيوني حاييم وايزمان توجيهات محددة لفريق الصياغة الصهيوني رسم فيها الأهداف والطلبات لدعم إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين . وفي تموز 1917 م قُدمت المسودات الأولى وجرت عليها مناقشات وتعديلات جوهرية وفنية من قبل الأطراف البريطانية والصهيونية ، وفي أغسطس 1917 م أُدخلت تعديلات إضافية على المسودة بواسطة اللورد ميلنر عضو مجلس وزراء الحرب البريطاني . وفي 31 تشرين الأول 1917 م عقد مجلس وزراء الحرب البريطاني برئاسة لويد جورج اجتماعاً حاسماً ناقش فيه الصيغة النهائية للمشروع ووافق عليه رسمياً . أما الأثر الإعلامي والتوقيت ، فقد نُشر النص النهائي في الصحف البريطانية صباح يوم 23 من المحرم 1336 هـ ( الموافق 8 من كانون الثاني من نفس العام / أو 8 تشرين الثاني بحسب السجلات الإعلامية المقارنة ) ، وهو العدد نفسه الذي نُشرت فيه أنباء اندلاع الثورة البلشفية . وقامت طائرات الحلفاء لاحقاً بإلقاء آلاف النسخ من الوعد وأنباء صدوره على يهود روسيا القيصرية وبولندا وألمانيا والنمسا .

​التعريف بصاحب الوعد ( آرثر جيمس بلفور ) :

​يُعد صاحب الوثيقة اللورد آرثر جيمس بلفور سياسياً ورجل دولة بريطانياً من حزب المحافظين ، وُلِد في عام 1848 م وتوفي في عام 1930 م . شغل مناصب رفيعة في الدولة البريطانية ، أبرزها رئاسة وزراء بريطانيا في الفترة ما بين عامي 1902 م و 1905 م ، ومنصب وزير الخارجية البريطانية بين عامي 1916 م و 1919 م ، وهي الفترة التي شهدت إصداره للوعد المشؤوم عام 1917 م . ويُعرف بلفور بأنه كان من أبرز الداعمين والمروجين للحركة الصهيونية العالمية ومنظري ما يُعرف بالصهيونية المسيحية ( من الصهاينة غير اليهود ) في بريطانيا ، حيث آمن بأن إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين يخدم المصالح الاستراتيجية والإمبراطورية لبريطانيا في المنطقة .

​المرامي الاستعمارية والدوافع الحقيقية :

​ورغم أن الوعد صدر ظاهرياً عن بريطانيا ، إلا أن صياغته وإقراره كانا ثمناً لجهد بريطاني أمريكي مشترك ومدروس ، حظي بموافقة مسبقة من فرنسا وإيطاليا وتأييد لاحق من الولايات المتحدة الأمريكية ، وموافقة مسبقة ومصادقة من الحلفاء ، مما يجعله في جوهره وعداً غربياً استعمارياً شاملاً وليس مجرد تصريح إنجليزي فردي .

​وتكمن الفائدة الكبرى والدوافع الاستراتيجية الحقيقية لصدوره في الآتي :

​تأسيس دولة وظيفية : توظيف المادة البشرية اليهودية لإقامة كيان استيطاني وظيفي في وسط العالم العربي لخدمة مصالح الاستعمار الغربي الإمبريالي .

​حماية النفوذ والمصالح : حماية طريق التجارة والملاحة الاستعمارية الحيوية في بقعة مهمة جغرافياً لحماية مصالحها الاستعمارية ، وفي مقدمتها قناة السويس ، وتأمين خط المواصلات الاستراتيجي المؤدي إلى الهند .

​تغييب الحقوق الوطنية : تعمد الوعد إشارة مجحفة وظالمة بحق أغلبية سكان فلسطين الأصليين بنعتهم " طوائف غير يهودية " ، محتجزاً حقوقهم في النطاق المدني والديني الضيق ، ومستبعداً تماماً أي حقوق سياسية أو قومية لهم .

​وحينما صدر ( وعد بلفور ) ، سماه الصهاينة ( الميثاق أو البراءة ) ، وقد كانوا في ذلك أكثر دقة من كثير من العرب ومؤرخي الصهيونية . فوعد بلفور كان الميثاق الذي يشبه البراءات التي أُعطيت لبعض الشركات الغربية في أعقاب تقسيم أفريقيا في مؤتمر برلين . وقد سعت الدول الاستعمارية العظمى منذ تأسيس الكيان اليهودي الصهيوني ، أن يتم توظيفه في خدمة المصالح الإمبريالية الغربية كافة .

​النتائج الكارثية والتداعيات التي ترتبت على إصدار الوعد :

​أفرز صدور هذا الوعد المشؤوم سلسلة طويلة من النتائج المدمرة على أرض فلسطين والمنطقة العربية ، تمثلت أبرزها في الآتي :

1 ) الغطاء السياسي والشرعنة الدولية : شكّل الوعد الأساس القانوني والسياسي الذي استندت إليه الحركة الصهيونية لفرض مشروعها الاستيطاني ، وتم إدراجه لاحقاً في صك الانتداب البريطاني عام 1922 م ليتحول إلى التزام دولي رسمي .

2 ) التأسيس للاحتلال والنكبة : مهّد الطريق أمام تدفق موجات الهجرة اليهودية المنظمة إلى فلسطين تحت حماية سلطات الانتداب ، مما أدى إلى تغيير ديمغرافي قسري توج باحتلال الجزء الأكبر من فلسطين وإعلان قيام الكيان الصهيوني عام 1948 م .

3 ) تشريد الشعب الفلسطيني : تسبب في اقتلاع ملايين الفلسطينيين من ديارهم وأراضيهم وتحويلهم إلى لاجئين موزعين في الشتات ومخيمات اللجوء ، وما زالت تداعيات هذا التشريد مستمرة حتى يومنا هذا .

4 ) إشعال الصراعات والأزمات المستمرة : أسس لواقع دائم من العنف والصراع والحروب في منطقة الشرق الأوسط ، وحرم شعوب المنطقة من الاستقرار والتنمية عبر إبقاء المنطقة تحت الهيمنة والمصالح الاستعمارية الغربية .

​البطلان القانوني وتفنيد صك الانتداب :

​يدفع السياسيون والمؤرخون ببطلان هذا الوعد وكل ما ترتب عليه من أكاذيب ومغالطات تاريخية وقانونية لأن فلسطين لم تكن عند صدور الوعد جزءاً من الممتلكات البريطانية ، كما أن المؤامرة الدولية على فلسطين كانت تحاك من قبل الدول الاستعمارية العظمى قبل توقيع اتفاقية سايكس - بيكو عام 1916 م . ويستند هذا البطلان إلى ركائز ثابتة :

1 ) عدم الملكية : لم تكن فلسطين عند صدور الوعد جزءاً من الممتلكات البريطانية أو خاضعة لسيادتها القانونية ، مما يجعله تطبيقاً فجاً لقاعدة " وعد من لا يملك لمن لا يستحق " .

2 ) التآمر المؤطر : صُمم الوعد وتوج لاحقاً باتفاقية سايكس - بيكو وصك الانتداب ليخدم المشروع الصهيوني حصراً . ففي حين نصت صكوك الانتداب على غير فلسطين على تمكين الشعوب ذات العلاقة من الوصول إلى مرحلة الاستقلال الوطني ، تضمنت المادة الثالثة من صك الانتداب على فلسطين تهيئة الأوضاع في فلسطين لإقامة كيان يهودي فيه .

3 ) التزييف الديمغرافي : تجاهل صك الانتداب الواقع التاريخي والقومي وقام بتغييب وجود الأكثرية العربية الساحقة فيها والتي لم يأت ذكرها إلا بشكل عرضي ومنقوص ، حيث كان عدد الفلسطينيين عندئذ يفوق 90 % من مجموع السكان ، بينما لم يمثل اليهود سوى 10 % فقط ولا تتجاوز أملاكهم 2 % من عموم أراضي فلسطين .

4 ) الوعد كـ " براءة استعمارية " : أطلق الصهاينة على التصريح في أدبياتهم المبكرة تسمية " الميثاق أو البراءة " ، في تشبيه دقيق بالبراءات التي مُنحت للشركات الاستعمارية الغربية الكبرى في أعقاب تقسيم أفريقيا في مؤتمر برلين .

​المسؤولية القانونية والأخلاقية والتغيير المطلوب :

​خلال 28 عاماً من الانتداب والاحتلال البريطاني البغيض ، سنت سلطات الانتداب سلسلة طويلة من القوانين والأنظمة الإدارية والعسكرية القمعية التي مهدت الأرض وسهلت إنشاء الكيان الصهيوني ، وقامت بتجريد الشعب الفلسطيني من سلاحه وعزله عن محيطه العربي .

​ومما يثير الاستغراب أن السواد الأعظم من الساسة والبحاثة والكتاب لا يتعاطون مع هذا الوعد الاستعماري إلا من باب الندب والتباكي والتظلم . والأجدر بنا جميعاً ( فلسطينيون وعرباً ) أن نعد العدة لمحاكمة هذا الوعد الكارثي من حيث صياغة وتوقيت صدوره ونواياه ومراميه ، وباعتبار ما شكله لاحقاً من خلق " أرضية أخلاقية - دولية " لإقامة الكيان العنصري اليهودي الصهيوني ، وذلك من خلال الإعداد لمؤتمر دولي خاص بوعد بلفور ، وتسليط الأضواء على ما أفرزه من آثار مدمرة على أرضنا وشعبنا في فلسطين وفي المنطقة العربية بشكل عام ، واعتبار بريطانيا مسؤولة مسؤولية قانونية وأخلاقية عن ضياع البلاد وتشريد العباد ، وتحميلها مسؤولية تجريد الشعب الفلسطيني من السلاح قبل النكبة عام 1948 م ، وتحميلها كذلك جزءاً من المسؤولية القانونية عن الجرائم الصهيونية التي ارتكبت في حق الشعب الفلسطيني منذ بداية عشرينات القرن الماضي وحتى عام 1948 م باعتبارها الجهة القائمة بالانتداب ، وبالتالي فهي تتحمل مسؤولية كل ما جرى طيلة فترة الانتداب وحتى عام النكبة .

​وعليه وجب دعوة الحكومة البريطانية للاعتراف بمسؤوليتها عما حدث للشعب الفلسطيني ، والتأكيد بعد تقديم اعتذار تاريخي للشعب الفلسطيني أن تعمل على تعويضه بالطرق التي يراها الفلسطينيون مناسبة لرد الحقوق إلى أصحابها الشرعيين .

​تبقى ذاكرة الأجيال العربية والفلسطينية حية لا تتقن النسيان ، ترفض كل محاولات طمس الحقيقة أو الالتفاف على الحق التاريخي الثابت في أرض فلسطين . وإن بقاء هذا الجرح المفتوح يشكل دافعاً متجدداً للوعي والمقاومة السياسية والقانونية حتى زوال الظلم واستعادة الحقوق كاملة غير منقوصة ، لتظل بوصلة النضال تشير أبداً إلى فلسطين حرة أبية من نهرها إلى بحرها .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1  ) موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية : د . عبد الوهاب المسيري .
  3. 2  ) وثائق وزارة الخارجية البريطانية وسجلات مجلس وزراء الحرب ( ملفات صياغة وإقرار وعد بلفور ) .
  4. 3  ) صك الانتداب على فلسطين الصادر عن عصبة الأمم المتحدة عام 1922 م .
  5. 4  ) أرشيف المركز الفلسطيني للاسترايتيجيّات والدراسات التاريخية حول جذور النكبة الفلسطينية .
  6. 5  ) الدراسات والأبحاث الوثائقية في تاريخ القضية الفلسطينية والصراع العربي الصهيوني .