مقال تاريخي يوثق استغاثة أهالي عجلون وإربد ضد الظلم والتعسف الإداري في النصف الأول من القرن التاسع عشر الميلادي .

نداء استغاثة من لواء عجلون في أواخر العهد العثماني


​بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه


​في ظل الأوضاع المعقدة والظروف الاستثنائية التي شهدتها بلاد الشام خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر الميلادي ( حوالي عام 1835 - 1840 م ) ، تتكشف يوماً بعد يوم فصول جديدة من المعاناة الإنسانية والاجتماعية التي واجهها الأهالي والفلاحون في مناطق شمال البلاد ، وتحديداً في لواء ( سنجق ) عجلون ( الذي كان مركزه مدينة إربد ) الذي كان يتبع إدارياً لولاية دمشق وسنجق حوران . فقد رفعت شخصيات بارزة وأهالي متضررون ، على رأسهم الإخوان الكرام حنا أغا باوجي ، ديجيله محمد أغا ، الخليل أغا ، ووَرده ، مذكرة استغاثة عاجلة موجهة إلى مقام " أفندم سلطان " وجناب حضرت أفندينا ، شاكين فيها مرارة الظلم والتعسف الذي طال بيوتهم ومصالحهم .


​السياق الإداري والسياسي : عجلون وحوران :


​لقد تميزت تلك الحقبة بتحولات إدارية كبرى ، حيث كان لواء عجلون يتبع تاريخياً لإيالة دمشق مباشرة ، قبل أن يرتبط في مراحل لاحقة ضمن التنظيمات العثمانية بمتصرفية حوران ، في حين انتقل مركز القضاء الإداري من بلدة عجلون التاريخية إلى مدينة إربد التي أصبحت مركزاً إدارياً رئيسياً للواء ومنطقة السهل الشمالي . وسط هذه البيئة الإدارية والسياسية المضطربة ، برزت الأزمات المعيشية والنزاعات الناتجة عن فرض السياسات والضرائب ونزع السلاح ، مما انعكس بشكل مباشر على استقرار الأهالي وسكينتهم .


​تفاصيل الأزمة والاتهامات الموجهة :


​تشير الوثائق والعرائض المقدمة إلى أن الأزمة قد تفاقمت نتيجة تصرفات ومواقف غير مبررة صدرت من قبل بعض المسؤولين المحليين ، وعلى رأسهم محمد أغا النزيجي ومحمد أغا البلوزي ، اللذان اتُهما بإثارة القلاقل وتأليب السلطات ضد الأهالي الآمنين . وبحسب الشكوى ، فقد تمثل هذا الظلم والتعسف في ممارسات قاسية طالت بيوت المواطنين ومصالحهم ، وكان من أبرز صورها :


​1 ) تخريب وترهيب البيوت : تعرض منازل المواطنين والأهالي لعمليات اعتداء وتخريب غير مستندة إلى أي وجه حق .


2 ) الاعتقال التعسفي والتدابير القسرية : زج عدد من الأبرياء والفلاحين في السجون " من غير وجه حق " ، وفرض تدابير قاسية بحق عائلاتهم وأخواتهم دون سند قانوني واضح .


3 ) الأعباء المالية والضرائب المجحفة : إثقال كاهل المزارعين والسكان بالضرائب الباهظة والجبايات القسرية التي هددت مصالحهم ومعيشتهم المرتبطة بالأرض .


4 ) التضييق الأمني والقسوة : فرض سياسات أمنية صارمة ونزع السلاح بالقوة ، مما أسهم في ترويع الأهالي وتقويض استقرارهم المجتمعي .


​ويؤكد الأهالي في نص استغاثتهم أنهم ، ورغم كل الضغوط ومحاولات تقويض استقرارهم ، لم يسكنوا جبل عجلون والكورة إلا في طاعة القانون ومن خلال مصالحهم المشروعة ، رافضين الخضوع لأي ممارسات تمس كرامتهم أو تعرض حياتهم وممتلكاتهم للخطر .


​صرخات من خلف القضبان :


​تسلط المذكرة الضوء على قضية الموقوفين في السجون ، مؤكدة أنهم رهن الاعتقال " من غير وجه حق " ، في الوقت الذي تتوافد فيه العرائض والالتماسات من جموع الفلاحين والمواطنين تطالب بالتدخل الفوري لرفع الظلم عنهم . وقد عبر الموقعون على العريضة - وهم نخبة من وجهاء وأعيان المنطقة ضمّت كلًا من مصطفى البريدي ، صلاح البريدي ، دعاس العباس ، أحمد ، وسلطان - عن ثقته المطلقة بعدالة القيادة ، آملين أن تنظر السلطات العليا بعين الحكمة والإنصاف إلى هذه القضية .


​مرتقب العدالة :


​يبقى الشارع المحلي في ترقب دائم لردود الفعل الرسمية وجواب سعادة الأفندينا ، متمنين أن تُتخذ قرارات حاسمة تصحح المسار وتعيد الحقوق لأصحابها ، وتضع حدًا لكل تجاوز فردي يهدد السلم المجتمعي واستقرار الأهالي في قراهم ومناطقهم التاريخية الممتدة بين عجلون وإربد وحوران .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1  ) الوثيقة التاريخية الأصلية : عريضة واستغاثة أهالي وأعيان جبل عجلون والكورة الموجهة إلى المراجع العليا في العهد العثماني / العهد المصري ( النصف الأول من القرن التاسع عشر الميلادي ) .
  3. 2  ) بخيت ، محمد عدنان ( 1989 م ) . مملكة صفد في العهد العثماني ( 1516 - 1610 م ) . عمان : دار النهار للنشر .
  4. 3  ) الشريدة ، كليب سعود ( 1998 م ) . تاريخ الكورة عبر العصور . إربد : مطبعة السفير .
  5. 4  ) غرايبة ، عبد الكريم ( 1960 م ) . تاريخ شرقي الأردن في العهد العثماني ( 1516 - 1918 م ) . دمشق : مطبعة جامعة دمشق .
  6. 5  ) كرد علي ، محمد ( 1983 م ) . خطط الشام ( الطبعة الثالثة ) . بيروت : دار العلم للملايين .
  7. 6  ) عبيدات ، محمود ( 2002 م ) . إربد وجوارها : دراسة في التطور التاريخي والإداري والسكان ( 1851 - 1918 م ) . إربد : دار الكندي للنشر والتوزيع .