يسلط المقال الضوء على لوح مسماري سومري يوثق أقدم عقود النقل التجاري لنقل الحبوب بين نيپور وأوما ، مستعرضاً ببراعة طبيعة الحياة الإدارية والاقتصادية في بلاد الرافدين ، ومسلطاً الضوء على رحلة تهريب الألواح المسمارية التاريخية إلى الشتات وجهود استعادتها إلى وطنها الأم .

صفقة حبوب سومرية : قصة أقدم عقود النقل التجاري ورحلة العودة من الشتات :

​بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​في تفاصيل مذهلة تنبض بالحياة من عمق التاريخ البشري ، يكشف لنا لوح مسماري سومري عتيق عن مشاهد حيّة من الروتين التجاري واللوجستي لإحدى أقدم الحضارات على وجه الأرض . لا يقتصر هذا اللوح على كونِه وثيقة جافة ، بل يمثل فاتحةً لعقود النقل التجاري التي توثق بدقة متناهية تفاصيل اتفاقية تجارية ونقل تعكس بوضوح الطبيعة الإدارية والاقتصادية المتقدمة في بلاد الرافدين .

​تفاصيل الرحلة : من حقول الحبوب إلى موانئ التوزيع :

​يسجل اللوح اتفاقية تجارية لاستئجار قاربين سعة كل منهما تقريباً ( 320 ) لترًا ، وهدفهما الأساسي نقل شحنة ضخمة من الحبوب تقدر بحوالي ( 740 ) لترًا من الحبوب .

​لم تكن الرحلة ترفاً أو نزهة ، بل مغامرة لوجستية شاقة امتدت على مسافة تقارب ( 81 ) كيلومترًا ، ويُعتقد أنها تطلّبت رحلتين ذهاباً وإياباً عبر شبكات القنوات المائية القديمة . ولأن التيار النهري قد لا يسمح بالإبحار السهل في اتجاه العودة ، فقد اعتمد التاجر على قوة جر الحيوانات ؛ حيث جُرت القوارب على طول القناة بواسطة حمير مملوكة لشخص يُدعى لوغال-جيغيري ( Lugal-gigirri ) ، في مشهد يعكس تكامل وسائل النقل البري والنهري مبكراً .

​إضاءات جغرافية : ما المقصود بـ ( نيپور ) و ( أوما ) ؟

​لفهم سياق هذه الرحلة التجارية ، لابد من الوقوف عند المحطتين الرئيسيتين اللتين ربطت بينهما قافلة الحبوب :

​نيپور : هي مدينة سومرية أثرية عريقة ، كانت تمثل مركزاً دينياً مقدساً وبارزاً في بلاد ما بين النهرين .

​أوما : هي إحدى المدن-الدول السومرية الرئيسية التي لعبت دوراً سياسياً واقتصاديًا هامًا في الإقليم ، واشتهرت بألواحها الإدارية والاقتصادية التي وثقت شؤون الأراضي والزراعة وعقود النقل .

​نافذة على الدولة السومرية وميلاد الحضارة :

​تأتي هذه الوثيقة لتسليط الضوء على الدولة السومرية ، وهي أقدم حضارة بشرية معروفة نشأت في القسم الجنوبي من بلاد ما بين النهرين . لم تكن الدولة السومرية إمبراطورية مركزية واحدة بل شبكة من ( المدن-الدول ) المستقلة ، واشتهرت بأنها ( مهد الحضارة ) لابتكاراتها الجذرية التي شملت :

1 ) اختراع الكتابة المسمارية : التي استخدم فيها السومريون الأقلام على ألواح الطين لتوثيق المعاملات والعقود وقواعد البيانات اليومية .

2 ) أنظمة الري والنقل المائي : شق القنوات المائية وتنظيم حركة النقل المائي والبري وتوزيع المحاصيل وحساب مساحات الأراضي بدقة فائقة .

3 ) التشريعات والعلوم : وضع أسس التجارة المنظمة ، وحسابات السعات والأحجام ، وتنظيم العقود القانونية الموثقة .

​من الرافدين إلى الشتات ثم العودة : رحلة الألواح المسمارية عبر الزمن :

​لم تنتهِ رحلة الألواح المسمارية والنقل عند القنوات المائية القديمة ؛ بل امتدت رحلتها إلى العصر الحديث عبر مسارات غير شرعية .

​فقد تعرضت مئات الألواح المسمارية ( التي يعود تاريخها إلى ما بين ( 2100 ) م ق و ( 1600 ) م ق ) للنهب والتسريب خارج العراق متجهة إلى الولايات المتحدة بشكل غير قانوني ، وذلك ضمن مجموعات أثرية تعود لمدن سومرية مجهولة الموقع . إلا أن جهود إنفاذ القانون والسلطات الأمريكية أدت إلى الاستيلاء عليها تمهيداً لإعادتها إلى موطنها الأصلي في العراق .

​تُظهر هذه الألواح المنهوبة والمستعادة أبعاداً هامة للنظام الإداري واللوجستي والقانوني في بلاد الرافدين ؛ حيث كان يُصنع اللوح بحجم صغير ومحمول ليكون بمثابة سجل نقل أو شحن متنقل يمكن حسابه وتوثيقه وحمله بين الموانئ والمدن المختلفة ، مما يجسد براعة الإنسان القديم في نقل البضائع وتوثيق الحركة التجاريّة بدقة متناهية .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1 ) لوح مسماري سومري - وثيقة أرشيفية تسجل تفاصيل استئجار القوارب ونقل الحبوب بين نيپور وأوما .
  3. 2 ) مقال صحفي بعنوان ( تعرف على قصة الألواح المسمارية العراقية بعد قرار عودتها من أمريكا ) ، بقلم بسنت جميل ، نشر في مايو ( 2018 ) م .
  4. 3 ) إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية - تقارير استعادة الآثار العراقية المنهوبة .
  5. 4 ) الأبحاث والدراسات الخاصة بتاريخ حضارة بلاد ما بين النهرين وعقود النقل التجاري السومرية .