يتناول هذا المقال لغز سور الأردن العظيم أو خط شبيب الأثري الممتد لمسافة 150 كم في البادية الأردنية ، مستعرضاً مواصفاته الفريدة والفرضيات التاريخية حول غايات بناؤه الدفاعية أو التنظيمية .

لغز في قلب البادية .. . " سور الأردن العظيم " يتحدى الزمن ويفجر حيرة المؤرخين

​بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار دائماً نحو البتراء الوردية أو مدرجات جرش الأثرية ، يربض في عمق البادية الأردنية معلم أثري لا يقل غموضاً وإثارة للاهتمام ، يُطلق عليه العلماء والباحثون اسم " سور الأردن العظيم " أو " خط شبيب " . هذا الهيكل الحجري الممتد لمسافات هائلة ، ليس مجرد جدار من صخور صماء ، بل هو أحجية تاريخية مموجة بالأسرار ، تختزل صراع الحضارات ، وأنماط الاستقرار ، وسلطة الدولة في الشرق الأوسط القديم قبل آلاف السنين .

​عين الطائر تكشف المستور :

ظل هذا السور قروناً طويلة متوارياً عن الأعين بسبب طبيعته المنخفضة وتضاريس المنطقة ، حتى جاء عام 1948 م ليميط اللثام عن هذا الكنز الأثري . كان الدبلوماسي البريطاني ، السير أليك كيركبرايد ، يحلق في رحلة طيران فوق البادية الأردنية ، وفجأة ، تراءى له خط حجري طويل ومتعرج يشق الأرض كأنه أفعى أسطورية . كان هذا التوثيق الجوي الأول بمثابة نقطة الانطلاق لرحلة بحث علمي لم تنتهِ فصولها حتى اليوم ، قادتها منظمات دولية متخصصة عبر " علم الآثار الجوي " ومشروعات التصوير الفوتوغرافي لتوثيق أسرار البادية .

​أسرار التسمية والامتداد الجغرافي :

يرجع الباحثون تسمية الجدار بـ " خط شبيب " محلياً نسبة إلى الأمير العربي شبيب المهداوي ، الذي حكم شرق الأردن ومنطقة البلقاء القديمة ( وهي إقليم واسع امتد تاريخياً من نهر الزرقاء شمالاً إلى وادي الموجب جنوباً ، وشمل السلط ، وعمان ، ومادبا ، والأغوار الوسطى ) ، بينما تطلق لفظة " خط " شعبياً لوصف استقامته الطولية الممتدة . جغرافياً ، يشق هذا السور الصحراء الجنوبية للأردن بطول يصل إلى 150 كم ، مبتدئاً من شمال وادي الحسا وحتى رأس النقب جنوباً ، ماراً بمحاذاة تجمعات تاريخية بارزة مثل الشوبك ومعان والمديرج ، مشكلاً أطول معلم أثري طولي في المملكة .

​سور الأردن العظيم بمواصفات فريدة :

يمتلك السور خصائص معمارية وهندسية تجعله فريداً من نوعه مقارنة بالأسوار التاريخية الأخرى في العالم :

​الطول الإجمالي : يمتد على مسافة تصل إلى حوالي 150 كم ، نتيجة تفرعه في بعض الأجزاء إلى جدران مزدوجة أو منفصلة .

​طريقة البناء : شُيد بأسلوب بدائي ومتقن في آن واحد ، حيث تراكبت الصخور والمواد الطبيعية المحلية فوق بعضها البعض دون استخدام ملاط ( طين أو إسمنت ) ، مما جعل تركيبته الحجرية تختلف من منطقة إلى أخرى تبعاً لطبيعة التضاريس المحيطة .

​الارتفاع الصادم : يتراوح ارتفاعه بين متر ومتر ونصف فقط ، وهو ارتفاع منخفض جداً لا يتناسب مع فكرة الأسوار القلاعية الحصينة المعتادة في التاريخ .

​مئة برج أثري تزيد الغموض :

من أبرز الاكتشافات المرافقة للسور وجود حوالي 100 برج دائري صغير متناثرة على طول خط الجدار ، بقطر يتراوح بين مترين وأربعة أمتار . هذه الأبراج ، التي تحولت اليوم إلى أطلال ، يرجح العلماء أنها لم تُبنَ لأغراض عسكرية نظراً لصغر حجمها ، بل استخدمت كمقرات للمراقبة ، أو كملاجئ لحماية العابرين والمسافرين من العواصف الرملية المفاجئة ، أو حتى كمستودعات لتخزين الأغذية .

​اللغز الأكبر : من بناه .. ولماذا ؟

لسنوات طويلة ، اعتقد باحثون أن السور يعود إلى الدفاعات الرومانية التقليدية ( الليميس الروماني ) ، لكن الأبحاث العلمية الحديثة ، ولا سيما دراسات التأريخ الضوئي لأسطح الصخور المدفونة ، قلبت الموازين تماماً ؛ إذ رجحت تلك التحاليل المخبرية أن جذور بناء الجدار تعود إلى فترة ما قبل الرومان ، وتحديداً بين عامي 400 و 100 قبل الميلاد ، مما يربطه بالعصر الحديدي المتأخر أو العصر النبطي . هذا الاكتشاف أعاد إشعال السؤال الأكبر : ما الغاية من بناء الجدار بهذا الطول وهذا الارتفاع المنخفض ؟

​انقسمت آراء العلماء والباحثين إلى فرضيتين رئيسيتين :

​1 ) الفرضية الدفاعية ( الردع العسكري ) :

ترجح هذه النظرية أن السور ، رغم انخفاضه ، كان يعمل كخط دفاعي لردع أو إبطاء الهجمات والغزوات المباغتة التي كانت تشنها القبائل البدوية الراكبة على الخيول أو الجمال ، مما يمنح الحاميات المستقرة وقتاً للاستعداد والمواجهة .

​2 ) الفرضية الاقتصادية والاجتماعية ( ترسيم الحدود ) :

ترى هذه الفرضية أن الجدار لم يكن عسكرياً ، بل كان بمثابة " خط فاصل " ومنظم للحياة اليومية ، حيث وُضع لمنع مواشي ورعاة البادية من اجتياح الحقول الزراعية المستقرة وإتلاف المحاصيل ، مما ينظم العلاقة المعيشية بين نمطين من الحياة ( الرعوي والزراعي ) .

​دلالة حضارية : إن تشييد مشروع هندسي بهذا الحجم الهائل في تلك الحقبة المبكرة ، يثبت قطعياً وجود " سلطة مركزية " قوية ، وتنظيم مجتمعي ضخم كان قادراً على تسيير وإدارة آلاف العمال ، وتنسيق الجهود لجمع وتكديس ملايين الحجارة على امتداد هذه المسافة الأسطورية المتصلة .

​إرث مهدد وعقدة تنتظر الحل :

يبقى " خط شبيب " أو سور الأردن العظيم شاهداً حياً على عبقرية الإنسان القديم وقدرته على تطويع البيئة الصحراوية القاسية . إلا أن هذا المعلم يواجه اليوم تهديدات بشرية وطبيعية جسيمة كالتوسع العمراني ، وأعمال التعدين والمحاجر ، وتجريف الأراضي للزراعة ، فضلاً عن عوامل التعرية الطبيعية التي لم تبقِ من صخوره الأصلية إلا القليل . ومع استمرار الأبحاث وتطور التقنيات الأثرية ، يأمل العلماء في أن تفصح هذه الحجارة الصامتة يوماً ما عن كامل أسرارها . إن هذا المعلم لا يمثل مجرد إرث تاريخي للأردن وحده ، بل هو جزء غامض وثمين من ذاكرة البشرية الجمعاء ، يستحق مزيداً من السعي والاهتمام السياحي والبحثي لإنصافه ووضعه في المكانة التي يستحقها عالمياً .

​قائمة المصادر والمراجع :

​1 ) كيركبرايد ، أليك ( 1948 م ) : التقارير الدبلوماسية والمشاهدات الجوية الملكية في شرق الأردن .

​2 ) كينيدي ، ديفيد : أبحاث المعهد الأسترالي للاثار ، دراسات الاستشعار عن بعد والآثار الجوية في الشرق الأوسط ( جامعة أستراليا الغربية ) .

​3 ) وهيب ، محمد : الدراسات الميدانية والمقالات العلمية المنشورة حول طرق القوافل والخطوط الدفاعية في البادية الأردنية ، الجامعة الهاشمية .

​4 ) دائرة الآثار العامة الأردنية : التقارير المسحية والتوثيقية الخاصة بمعالم البادية والشرق الأردني .

​5 ) موسوعة ويكيبيديا الرقمية : التوثيق التاريخي والجغرافي والأبحاث الجيومورفولوجية لـ " خط شبيب " في جنوب الأردن .

​6 ) صحيفة الدستور الأردنية : التقارير الصحفية حول " سور الأردن العظيم " وأحدث المكتشفات الأثرية في البادية .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1 ) كيركبرايد ، أليك ( 1948 م ) : التقارير الدبلوماسية والمشاهدات الجوية الملكية في شرق الأردن .
  3. ​2 ) كينيدي ، ديفيد : أبحاث المعهد الأسترالي للاثار ، دراسات الاستشعار عن بعد والآثار الجوية في الشرق الأوسط ( جامعة أستراليا الغربية ) .
  4. ​3 ) وهيب ، محمد : الدراسات الميدانية والمقالات العلمية المنشورة حول طرق القوافل والخطوط الدفاعية في البادية الأردنية ، الجامعة الهاشمية .
  5. ​4 ) دائرة الآثار العامة الأردنية : التقارير المسحية والتوثيقية الخاصة بمعالم البادية والشرق الأردني .
  6. ​5 ) موسوعة ويكيبيديا الرقمية : التوثيق التاريخي والجغرافي والأبحاث الجيومورفولوجية لـ " خط شبيب " في جنوب الأردن .
  7. ​6 ) صحيفة الدستور الأردنية : التقارير الصحفية حول " سور الأردن العظيم " وأحدث المكتشفات الأثرية في البادية .