يوثق المقال الأهمية الأثرية والعبقرية المعمارية والمائية لقصر "برقع" في البادية الأردنية، متتبعاً تعاقب الحضارات عليه وسر تسميته المرتبطة بالصيد الأموي.
حارس البادية السوداء : قصر " برقع " واحة التاريخ المنسية في عمق الصحراء الأردنية
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
في عمق البادية الأردنية الشرقية ، حيث تتجلى هيبة الصحراء وتتداخل ملامح الأرض مع حكايات الغابرين ، تكمن أسرار حضارية عظيمة صمدت في وجه العاديات . ومن بين هذه الأسرار التي تخفيها الشعاب والوديان ، يبرز قصر " برقع " الأثري كشاهد تاريخي فذ ، وسنديان بازلتي لا يزال برج العالي يتحدى الزمان ، ليروي قصة إرث وطني فريد تنقلت بين جنباته أمم وحضارات صَنعت تاريخ المنطقة .
الموقع والبيئة الحاضنة : واحة الحياة في قلب المجهول :
على بعد حوالي عشرين كيلومتراً إلى الشمال الغربي من بلدة " الرويشد " التابعة لمحافظة المفرق ، يربض قصر برقع ليكون واحداً من أهم المعالم الأثرية ضمن منظومة القصور الصحراوية الأردنية . لم يكن اختيار هذا الموقع عفوياً ؛ فقد أُنشئ القصر على امتداد وادي ( مقاط ) ، وإلى الجانب الشرقي من غدير ( برقع ) الشهير .
هذا الغدير المائي شكل منذ العصر الحجري القديم عامل جذب واستقطاب للإنسان ، ومحطة استراتيجية للقوافل والقبائل ، مما جعل الموقع حاضنة طبيعية تعاقبت عليها الحضارات البشرية عبر التاريخ ، لتوفر المياه في منطقة عُرفت تاريخياً بقسوة مناخها وجفافها .
العبقرية المعمارية والهندسة المائية المتقدمة :
عند الاقتراب من القصر ، يتكشف للناظر نسق معماري مهيب تبلغ مساحته الإجمالية المتكاملة حوالي 1295 متراً مربعاً . ويتكون القصر من بناء مستطيل داخلي شُيّد بالكامل من الحجارة البازلتية السوداء المهذبة ، والتي تشتهر بها منطقة " الحرة " البركانية . وقد كشفت الدراسات أن هذه الحجارة اقتلعت من مقلعين أثريين يقعان إلى الجنوب الشرقي من القصر مباشرة ، على مسافة لا تتجاوز عشرين متراً ، حيث اتخذت تلك المقالع شكلاً نصف دائرى لا يزال ظاهراً حتى اليوم .
أما تفاصيل الوصف المعماري للموقع فتكشف عن إعجاز هندسي يتوزع كالتالي :
ويطابق هذا النسق المتبع في قصر برقع الأسلوب الهندسي المعماري المتبع في قلاع وقصور البادية الشمالية ، مثل : قلعة الأزرق ، ومدينة أم الجمال الأثرية ، وقلعة دير الكهف ، وقصر الأصيخم ، حيث يجمعها قاسم مشترك واحد وهو استخدام الحجارة البركانية البازلتية السوداء .
تعاقب الحضارات : من الحصن الروماني إلى الاستجمام الأموي :
تؤكد المسوح الأثرية والدراسات التاريخية أن قصر برقع دارت في فلكه حقب زمنية متعددة ، صبغت كل منها القصر بوظيفة استراتيجية محددة :
1 ) الفترة الرومانية المتأخرة والتحصين الدفاعي : بُني القصر في الأصل كحصن عسكري ضمن شبكة " الليمس " الروماني لمراقبة الطرق التجارية وحماية قوافل التجارة من اعتداءات قطاع الطرق في الصحراء الأردنية .
2 ) الفترة الغسانية والبيزنطية : تشير معطيات أخرى إلى أن العرب الغساسنة كانوا أول من وضع لبنات هذا القصر والبرج الدفاعي بين القرنين الثالث والرابع الميلاديين ، ليستمر استخدامه في الفترة البيزنطية كمرصد لمراقبة تحركات وتوسعات الساسانيين الفرس في المنطقة الشرقية .
3 ) العصر الأموي وهندسة العلاقات القبلية : بعد أن ضرب زلزال عنيف المنطقة عام 551 م وتسبب في دمار أجزاء واسعة من الحصن ، جاء الأمويون ليعيدوا تجديد القصر على قواعد جديدة . فقاموا بإعادة البناء وإضافة سور خارجي إلى جهة الغرب ، وتطوير مداخل الغرف الشمالية . وتشير النقوش التاريخية ( ومنها نقش شهير يعود لسنة 81 هـ ) أن هذه الإضافات تمت في عهد الأمير الوليد بن عبد الملك قبل توليه الخلافة . واستخدم الأمويون القصر للتنزه ، والصيد ، وبناء علاقات سياسية واجتماعية طيبة مع القبائل البدوية الأردنية لتثبيت أركان دولتهم .
4 ) الفترة المملوكية : استمر استغلال الموقع واستخدامه في العصر المملوكي بذات الكفاءة ولأغراض عسكرية وأمنية تضمن سلامة خطوط الاتصال في البادية .
سر التسمية : حكاية البراقع والصقور :
تربط المصادر التاريخية سبب تسمية القصر بـ " قصر برقع " بالطبيعة الحياتية وهوايات الصيد التي مارسها الخلفاء والأمراء الأمويون في المنطقة . فقد كان الغدير المائي مقصداً ومهبطاً للعديد من الطرائد والفرائس والطيور المهاجرة ، مما جعله بيئة مثالية لرياضة الصيد بالصقور المدربة .
وكان الصيادون من الأمويين يضعون على عيون صقورهم أغطية جلدية صغيرة تسمى " البراقع " ( ومفردها برقع ) لتهدئتها وتظليل عيونها حتى يحين وقت إطلاقها خلف الفريسة ، فالتصق اسم هذا الأداة بالمكان وبقي علماً عليه عبر القرون .
يبقى قصر برقع كنزاً أثرياً وطنياً يختزل عبقرية المكان والتاريخ ، ويدعونا كباحثين ومهتمين بالإرث التاريخي إلى تسليط مزيد من الضوء على هذه الدرة البازلتية التي تزين خاصرة البادية الأردنية .
قائمة المصادر والمراجع :
1 ) الحصان ، عبد القادر محمود . المفرق وضواحيها : المسوحات الأثرية والنقوش القديمة .
2 ) الحديثي ، نزار عبد اللطيف . أهل الشام في العصر الأموي : دراسة في التاريخ السياسي والاجتماعي .
3 ) بكري ، صلاح الدين . العمارة الأموية في البادية الأردنية : دراسة تاريخية أثرية .
4 ) العابدي ، محمود . الآثار الإسلامية في فلسطين والأردن .
5 ) كريسويل ، ك . أ . ج . الآثار الإسلامية الأولى ( العمارة الأموية ) .
6 ) Kennedy, David. The Roman Army in Jordan. Council for British Research in the Levant.
7 ) الجمعية العلمية الملكية ووزارة الآثار الأردنية . تقارير المسح الأثري لمنطقة الرويشد ووادي مقاط ( برقع ) .



قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) الحصان ، عبد القادر محمود . المفرق وضواحيها : المسوحات الأثرية والنقوش القديمة .
- 2 ) الحديثي ، نزار عبد اللطيف . أهل الشام في العصر الأموي : دراسة في التاريخ السياسي والاجتماعي .
- 3 ) بكري ، صلاح الدين . العمارة الأموية في البادية الأردنية : دراسة تاريخية أثرية .
- 4 ) العابدي ، محمود . الآثار الإسلامية في فلسطين والأردن .
- 5 ) كريسويل ، ك . أ . ج . الآثار الإسلامية الأولى ( العمارة الأموية ) .
- 6 ) Kennedy, David. The Roman Army in Jordan. Council for British Research in the Levant.
- 7 ) الجمعية العلمية الملكية ووزارة الآثار الأردنية . تقارير المسح الأثري لمنطقة الرويشد ووادي مقاط ( برقع ) .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.