يتناول هذا المقال ، قصة زراعة وإنتاج نبتة النيلة في غور الصافي بالأردن خلال العصور الإسلامية ، وأهميتها الاقتصادية والتاريخية ، ودور المرأة المعاصرة في إحياء هذا الإرث العريق .
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
يأتي هذا المقال متتبعاً محطات الاقتصاد والصناعة في الأردن إبان العصور الإسلامية ، مع تسليط الضوء على ( نبتة النيلة ) وصناعتها الحيوية التي تركزت في غور الصافي الواقع في أقصى الجنوب من وادي الأردن ، عند الطرف الجنوبي الشرقي للبحر الميت . وقد توثقت هذه الجذور عبر شهادات كبار المؤرخين والمصادر التاريخية الأصيلة التي أكدت حضور النيلة وصناعتها المزدهرة في ربوع الأردن ، لتتلاقى جذور التاريخ مع إرث متجدد أحيته سواعد نساء الأردن الطموحات ، عاكسة دور المنطقة الحيوي كمركز للإنتاج والتبادل التجاري العابر للأقاليم .
وديان الأردن الحارة : مهد الأصباغ الكبرى
لم تكن زراعة النيلة في الأرجاء الأردنية وليدة صدفة ، بل جاءت استثماراً ذكياً للخصائص البيئية والمناخية الفريدة التي تمتاز بها المنخفضات الأردنية ، ولا سيما وادي الأردن وغور الصافي . فهذه النبتة التي تنتمي إلى فصيلة البقوليات ، تتطلب درجات حرارة عالية ومياه ري مستمرة ، وقد وجدت بيئة حاضنة مثالية في دفء الأغوار بالقرب من البحر الميت ، وهي بيئة فريدة تستهلك مياهاً أقل من سواها من مزروعات الأغوار .
وقد توثقت هذه المكانة التاريخية عبر كتابات المؤرخين والجغرافيين المسلمين الأعلام ، فقد أشار المؤرخ المقريزي في مدوناته إلى انتشار زراعة النيلة وتواجدها في الديار المصرية وبلاد الشام ، مؤكداً عمق الجذور التاريخية لهذه الزراعة في المنطقة . كما وثّقت المصادر الأثرية وتدوينات المنقبين المختصين مثل ( فيستر ) ( Vester ) وجود أدلة دامغة تؤكد استخدام الأصباغ والمنسوجات الزرقاء المرتبطة بالنيلة في الحقب التاريخية المتعاقبة ببلاد الشام ومصر ، إلى جانب الاكتشافات الحديثة للجرار الأثرية في غور الصافي التي احتوت على بقايا المادة الصبغية الزرقاء ، لتثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الأغوار الأردنية كانت مركزاً عريقاً لاستنبات النيلة وصناعتها منذ أقدم العصور وصولاً إلى الحقب الإسلامية المزدهرة .
كيمياء الأصباغ : من أوراق نضرة إلى ( إنديجوتين ) أزرق
لم يقتصر الأمر على مجرد غراسة النبتة ، بل طور الحرفيون والزراع مهارات تقنية والكيميائية متقدمة لاستخلاص الصبغة . تبدأ العملية بقطف أوراق النبتة ونقعها في الماء ليوم كامل وتخميرها ، ثم تُؤكسد وتُعالج بطرق تقليدية ( كان منها أحياناً الخلط بالرماد ) لتتحول المادة الكثيفة الناتجة إلى مركب ( الإنديجوتين ) ( Indigotin ) ذي اللون الأزرق الساحر .
كانت هذه العملية تتطلب جهداً كبيراً ، إذ إن كل 100 كيلوغرام من نبات النيلة لا يُنتج سوى حوالي 2 كيلوغرام من الصباغ الخام . وعقب عمليات التصفية والتجفيف ، كانت الصبغة تتبلور في قوالب صلبة أو بودرة ناعمة ، وهي المادة التي كانت تُعد من أهم السلع الحرفية والاقتصادية في المنطقة ، حيث كانت تدخل في صبغ الأقمشة القطنية والكتانية .
أسرار الجمال والطب والاستخدامات المتعددة : النيلة في حياة الإنسان والبادية
إلى جانب استخدامها الأساسي في صباغة الأقمشة ، شكلت النيلة الطبيعية كنزاً تجميلياً وعلاجياً وثقافياً عُرفت فوائده الكبرى منذ القدم في المناطق الصحراوية والبوادي والقرى ، لتشمل استخدامات واسعة أبرزها :
الحماية من الشمس : استُخدمت النيلة كواقٍ طبيعي يطلى به الجسم والوجه لحمايته من أشعة الشمس الحارقة .
تفتيح البشرة ونضارتها : تُعرف النيلة الزرقاء الطبيعية ( المختلفة تماماً عن المساحيق الكيميائية المخصصة للغسيل أو ( الزهرة ) ) بقدرتها الفائقة على تبييض البشرة والتخلص من آثار الشمس والكلف والرؤوس السوداء ، من خلال تنظيف البشرة بعمق .
شد البشرة ومقاومة الشيخوخة : تمنح البشرة إشراقاً وتساعد في شد الترهلات وتقليل الخطوط الدقيقة بفضل احتوائها على مضادات الأكسدة التي تحمي خلايا الجلد من التلف .
تهدئة الالتهابات الجلدية : استُخدمت مساحيق النيلة تقليدياً لترطيب وتخفيف حدة تهيج الجلد الطفيف وبعض الحالات الجلدية بفضل خصائصها المبردة .
العناية بالشعر وفروة الرأس : استُخدمت في بعض الثقافات التقليدية لتنقية فروة الرأس ، وتقوية بصلات الشعر ، ومنحه لمعاناً خاصاً .
الاستخدامات الطبية القديمة : أدرجت المدونات الطبية القديمة أجزاء من نبات النيلة في الطب الشعبي كعشب طارد للسموم ومخفف لبعض آلام المعدة والاضطرابات الهضمية .
السلع النادرة وامتداداتها التجارية العالمية : من أمجاد التاريخ إلى طموح الحاضر
في عالمٍ كانت فيه الأصباغ الثابتة والنادرة عملة قيمة بحد ذاتها ، مثلت نبتة النيلة الأردنية سلعة استراتيجية على خطوط التجارة الدولية والإسلامية ، فقد تجاوزت شهرة المنتجات الصبغية والمنسوجات المصنوعة في غور الصافي والمنخفضات الأردنية حدود المحلية لتنطلق عبر قوافل التجارة نحو آفاق واسعة . فقد وصلت هذه السلع النفيسة إلى الأسواق العربية في شبه الجزيرة ، ووجدت طريقها إلى الأسواق الآسيوية والأفريقية المجاورة ، فضلاً عن اتصالها بالشبكات التجارية البحرية والبرية التي ربطت بلاد الشام بموانئ المتوسط والأسواق الأوروبية التي طالما شغلتها الأصباغ الشرقية الثابتة .
أما عن واقعها المعاصر ، فقد تراجع الاعتماد على النيلة الطبيعية بشكل كبير عالمياً بعد ثورة الكيماويات واكتشاف الأصباغ الاصطناعية في أواخر القرن التاسع عشر م والتي تُستخدم اليوم بكثافة في صناعة ملابس الجينز . ورغم ذلك ، لم يتبدد هذا الإرث العريق ، بل تتولى صياغته اليوم إرادة نسوية صلبة ، تجسدت في جهود رائدات مثل نساء غور الصافي اللائي نجحن في إحياء زراعة وإنتاج النيلة الأردنية النقية ، متطلعاتٍ إلى توسيع هذا الإنتاج الاستراتيجي الرائد الذي يحمل أسعاراً عالمية تنافسية تخدم الاقتصاد الوطني ، وتثبت دور المرأة الأردنية الفاعل في تنمية مجتمعها وإثراء إرثها البيئي والحضاري .


قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع
- 1 ) المقريزي ، تقي الدين ( * الخطط المقريزية * ) ، دار الكتب العلمية ، بيروت .
- 2 ) العبادي ، أحمد ( 2015 م ) ، * الصناعات التقليدية والحرف في التراث الأردني * ، وزارة الثقافة ، عمان .
- 3 ) وزارة السياحة والآثار الأردنية ( 2019 م ) ، * دليل مواقع التراث الحضاري في غور الصافي والبحر الميت * ، عمان .
- 4 ) جمعية توثيق التاريخ الأردني ( 2021 م ) ، * الاقتصاد الزراعي والتبادل التجاري في بلاد الشام العصور الإسلامية * ، عمان .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.