يستعرض هذا المقال المسيرة النضالية للشهيد الشيخ كايد مفلح العبيدات كأول شهيد أردني على ثرى فلسطين، مسلطاً الضوء على وعيه الوطني المبكر ودوره القيادي في معركة سمخ وتل الثعالب دفاعاً عن عروبة فلسطين.

كايد مفلح العبيدات : الفارس الذي كسر قيد " سايكس بيكو " بدمائه


بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه


​في العشرين من نيسان عام 1920 م ، لم تكن المعركة في تلال " سمخ " جنوب بحيرة طبريا مجرد اشتباك عابر ، بل كانت إعلاناً سياسياً وعسكرياً بالدم ، حين ارتقى الشيخ كايد مفلح العبيدات كأول شهيد أردني على ثرى فلسطين ، مبرهناً أن وحدة المصير بين ضفتي النهر عصية على الانكسار ، وأن الحدود المصطنعة أوهن من أن تمنع الأردنيين عن نصرة أشقائهم .


​الجذور والنشأة : الوعي المبكر والشرعية القيادية


​نشأ الشهيد الشيخ كايد مفلح العبيدات في بلدة " كفرسوم " القريبة من موقع معركة اليرموك التاريخية ، مما ربط وعيه المبكر بالفتوحات الإسلامية الكبرى وعزز لديه الروح القتالية . ورغم سياسة التجهيل العثمانية السائدة آنذاك ، فقد اعتمد على الكتاتيب والجهد الذاتي في دراسة التاريخ وسير القادة العظام مثل خالد بن الوليد وصلاح الدين الأيوبي ، مما صقل شخصيته السياسية والفكرية مبكراً . وقد نال زعامة عشيرة العبيدات ومنطقة الكفارات لا بالوراثة وحدها ، بل بإجماع المحيطين به لتميزه بالوعي السياسي الحاد والخطابة والبديهة الحاضرة .


​الوعي القومي : رجل دولة قبل تأسيس الدولة


​لم يكن الشيخ كايد مجرد زعيم عشائري محلي ، بل تجسدت فيه صفات " رجل الدولة " بامتياز ؛ فقد انخرط في العمل السياسي القومي بعد عام 1908 م رداً على سياسات التتريك التي انتهجها حزب الاتحاد والترقي ، وبنى صلات وثيقة مع أحزاب وجامعات قومية كـ " اللامركزية " و " الجمعية القحطانية " . كما امتلك بصيرة استراتيجية مكنته من استشراف مخاطر اتفاقية " سايكس بيكو " ووعد " بلفور " مبكراً ، وهو ما تجلى في قيادته الحثيثة للتحركات والاجتماعات في شمال الأردن لرفض الانتداب البريطاني والمشروع الصهيوني . ورغم بعد الشمال الجغرافي ، فقد أيد الثورة العربية الكبرى بوعي عميق مفضلاً المظلة العربية الإسلامية على الهيمنة الأجنبية .


​مؤتمر " قم " : صناعة القرار الوطني


​بدأت الملحمة من بلدة " قم " ( بلدة تتبع لواء الوسطية في محافظة إربد شمال الأردن ) ، حيث اجتمع رجالات الأردن وشيوخ ناحية عجلون ( شملت معظم جبال عجلون ، ومنطقتي الكورة وإربد ، وأجزاء من الأغوار والجروش ) لرفض الانتداب والمخططات الصهيونية . ولم يكتفِ الشيخ كايد بالخطابات الشعبية ، بل نسق ميدانياً مع الضباط الأحرار ( علي الخلقي ، منصور الحلقي ، ومحمد الهندي ) لتحويل الحماس الوطني إلى قوة عسكرية منظمة ، واضعاً خطة هجومية جريئة تستهدف معسكرات الاحتلال في " سمخ " و " بيسان " .


​ساعة الصفر : وصية الفارس لولده


​في الساعة الثانية فجراً ، ارتدى الشيخ لباس الحرب كاملاً ، " دامر الجوخ " والعباءة المقصبة بالذهب ، ممتطياً فرسه الزرقاء " الصقلاوية " ( سُميت بذلك لجمال شعرها المصقول اللامع أو لطريقة ركضها ) . وفي مشهد يفيض بالعزة والوطنية ، التفت إلى ابنه الأكبر " تركي " قائلاً :


" يا ولدي ، المقدر مكتوب والإنسان لا يموت إلا مرة واحدة ... كن فارس ربعك ، ولا تبرح الميدان إلا بالنصر أو الشهادة " .


​الهيكل التنظيمي للمعركة : عبقرية التخطيط الميداني


​أديرت المعركة بتكتيك عسكري متطور قاده الشيخ كايد بمشاركة شعبية خالصة ، حيث شكل أبناء عشيرته النسبة الأكبر من القوة المهاجمة ، وتوزعت القوات العربية إلى محاور دقيقة :




​سجل الشرف : أبطال صنعوا الملحمة


​لم يكن الشيخ كايد وحده في الميدان ، بل أحاطت به ثلة من المناضلين الذين سطروا بدمائهم أروع ملاحم البطولة :




​ملحمة " تل الثعالب " : مواجهة الطائرات بالصدور


​اشتبك الثوار في مواجهة غير متكافئة مع قوات الاحتلال البريطاني والخيالة الهنود والعصابات الصهيونية . ورغم استخدام بريطانيا لسلاح الجو وتفوقها العسكري المطلق ، حقق الثوار انتصارات مذهلة تمثلت في إسقاط طائرة حربية بريطانية وقتل ضابط إشارة وعشرة جنود من قوات الاحتلال .


​وحين حاصر الطيران البريطاني مجموعة " تركي العبيدات " ، اندفع الشيخ كايد بجواده لفك الحصار ، فاستهدفه رصاص الرشاشات من الجو ليسقط شهيداً . ولسان حال الوفاء تجسد في فرسـه " الصقلاوية " التي روت الروايات أنها فارقت الحياة حزناً عليه فور عودتها للقرية .


​الرحيل المهيب ووصية الأجيال


​نُقل جثمان الشهيد تحت جنح الظلام من فلسطين إلى " كفر سوم " ، في جنازة مهيبة شارك فيها أهالي حوران والجولان ، وبقي إلى جانبه في لحظاته الأخيرة رفاق دربه : عبد الرحمن العبويني ، علي السلامة ، وأحمد المفلح .


​لقد تحول استشهاد الشيخ كايد إلى أسطورة شعبية وقيمة تربوية رفيعة ، وباتت عبارته ورثاؤه على لسان رفيقه عزام الجبر ( " خسرنا القائد والزعيم " ) دليلاً على أنه كان صمام أمان لوحدة الصف . وكتب الدكتور محمد المناصير مؤكداً أن الشيخ كايد مفلح العبيدات كسر الحواجز السياسية المصطنعة وأسس لمفهوم الجهاد القومي الحديث ، محولاً شمال الأردن إلى قاعدة انطلاق للدفاع عن العروبة .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع : ​وثائق وتوثيقات الحركة الوطنية الأردنية في العشرينيات ( مركز الملك حسين بن طلال للبحوث والدراسات / الأرشيف الوطني ) . ​الموسوعة التوثيقية لشبكة الجزيرة الإعلامية ( تاريخ الشيخ كايد مفلح العبيدات ) . ​دراسات التاريخ العسكري والسياسي لشرقي الأردن - المؤرخون الأردنيون ( د . محمد المناصير وغيره ) . ​الروايات الشفوية والمدونات التاريخية لعشيرة العبيدات وأهالي كفر سوم وقم . ​سجلات التاريخ الشفوي لتاريخ الشمال الأردني وفلسطين ( معركة سمخ وتل الثعالب ) . ​الأرشيف الصحفي الأردني ( مقالات ودراسات تاريخية موثقة حول شهداء المعارك العربية على ثرى فلسطين ) .