يستعرض هذا المقال سيرة الباشا علي خلقي الشرايري ( 1878 - 1960 م ) ، باعتباره أحد أبرز رجالات الرعيل الأول ومؤسسي الكيان الأردني المعاصر .


​يبدأ المقال بتتبع نشأته العصامية في مدينة إربد ، وانطلاقته في طلب العلم وصولاً إلى تخرجه من الكلية الحربية في إسطنبول . ثم يسلط الضوء على مسيرته العسكرية الحافلة في الجيش العثماني عبر جبهات الدردنيل ، والقوقاز ، واليمن ، وليبيا ، قبل أن ينحاز إلى هويته القومية ويلتحق بـ الثورة العربية الكبرى حاكماً عسكرياً لمكة المكرمة ، وموفداً ناجحاً لتجنيد الضباط العرب الأسرى في الهند .


​يتناول المقال أيضاً دوره البطولي في مقارعة الاستعمار الفرنسي في سوريا ومعركة ميسلون ، وجهوده المحورية في تأسيس حكومة إربد المحلية ومؤتمر أم قيس عام 1920 م ، إلى جانب تسلمه مناصب وزارية رفيعة في إمارة شرق الأردن كوزير للمشاور وللصناعة والمعارف ، ومقترح المبكر لإنشاء جامعة اليرموك . ويختتم المقال بعرض مواقفه الوطنية الصلبة ضد الانتداب البريطاني ، ورفع عريضته لعصبة الأمم ، وصولاً إلى اعتزاله العمل السياسي زاهداً في مسقط رأسه حتى وفاته .

علي خلقي الشرايري : سيفُ الثورة وعينُ الإمارة


بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه


​تُعد سيرة الباشا علي خلقي الشرايري سجلاً حافلاً من النضال العسكري والسياسي ، فهو أحد أبرز رجالات الرعيل الأول الذين ساهموا في صياغة تاريخ الأردن الحديث ، وجسدوا الرؤية القومية العربية في أبهى صورها .


​1) النشأة والتحصيل العلمي : الطموح العابر للحدود


​ولد علي بن الحاج حسين الشرايري في مدينة إربد عام 1878 م في مغارة تعود ملكيتها إلى جده علي بن سليم ، وسمي علي تيمناً به . لم يعش طفولة رغيدة ، بل اتسمت بنشاطه مع والده في فلاحة الأرض وأعمال الزراعة ، إلى أن صرح يوماً بقوله : " وعند بلوغي سن السابعة من عمرى شاركت والدي بالأعمال الزراعية إلى أن سئمت هذه الحياة " .


​رغب علي بالتوجه نحو العلم ، وحين رفض والده تلبية طلبه ، لم يقف مكتوف الأيدي ؛ بل أخذ بغلة والده الملقبة بـ " زرزورية " وذهب بها إلى درعا وباعها ليتابع طريقه سيراً نحو دمشق ، حيث التحق بالمدرسة الرشيدية وتخرج منها عام 1892 م . واصل تفوقه العلمي والعسكري ليلتحق بـ " الكلية الحربية " في إسطنبول عام 1895 م ، وتخرج برتبة ملازم ثانٍ عام 1902 م ، ثم تخصص في كلية المدفعية ليترفع إلى رتبة ملازم أول عام 1904 م ، وفي كلية القانون برتبة رئيس عام 1905 م ، مما منحه خلفية عسكرية استراتيجية نادرة .


​2) المسيرة العسكرية في الجيش العثماني


​نال الشرايري لقب " خلقي " ( وهو لقب شرفي عثماني ) تقديراً لانضباطه الصارم في الضبط والربط ، حتى وصل صيته إلى قائد الجيش الفريق شكري باشا الذي زوجه ابنته حورية . وتوزعت خدمته العسكرية على جبهات ساخنة عديدة ، منها :




​3) الثورة العربية الكبرى : الانحياز للهوية


​جاء التحول الأهم في حياته عند تعيينه حاكماً عسكرياً لمكة المكرمة عام 1916 م . وهناك ، انضم لجمعية العهد وأعلن ولاءه للشريف الحسين بن علي ، مبدداً شكوك الإنجليز ومساهماً في تقديم معلومات جوهرية أسرعت في إعلان الثورة .


دوره في حشد القوى :


أوفده الشريف الحسين بن علي إلى الهند في تشرين الأول عام 1918 م لمهمة وطنية كبرى ، نجح خلالها في استقطاب وتجنيد ثمانمائة ضابط وجندي عربي من الأسرى ( من بينهم نوري السعيد ، شكري القوتلي ، عارف العارف ، ومحمد علي العجلوني ) ، وأبحرت أول كتيبة عربية مدربة بالباخرة إلى مصر ثم العقبة لتعزيز صفوف جيش الأمير فيصل بن الحسين .


​4) النضال ضد الاستعمار الفرنسي ومعركة ميسلون


​تولى الشرايري مناصب إدارية وعسكرية حساسة في الحكومة العربية بدمشق ، منها حاكم الكرك ثم حاكم الجولان . ومع اقتراب التهديد الفرنسي :




​5) تأسيس إمارة شرق الأردن وحكومة إربد المحلية


​بعد سقوط الحكومة العربية في دمشق ، عاد إلى إربد ليجمع وجهاء العشائر ويؤسس " حكومة إربد المحلية " إثر مؤتمر أم قيس التاريخي ( الذي عُقد في تشرين الأول عام 1920 م ) والذي وضع شروطاً وطنية صارمة لاستقلال البلاد ومنع الهجرة الصهيونية . وقد بادر الشرايري بمراسلة زعماء السلط والكرك لتأسيس رابطة مدنية موحدة . وعند قدوم الأمير عبد الله الأول إلى الأردن ، ساهم الشرايري في ترتيب الصفوف ، ودخل أولى الحكومات المركزية :




​6) النضال المستمر والرفض الوطني


​ظل الشرايري صوتاً وطنياً صلباً ضد الانتداب البريطاني ، فرفع عريضة احتجاجية إلى عصبة الأمم في 12 تشرين الثاني عام 1928 م منتقدًا سلب الحكومات المنتدبة لصلاحيات الشعوب ، وعمل على تأسيس المؤتمر الوطني الأول . رفض المساومة والاعتراف للإنجليز حتى بعد سجنه في قضية تفجير خط الأنابيب ( حيث رفض الاسترحام وقدم نموذجاً للصلابة الوطنية إلى جانب أحرار الأردن ) ، وظل يرفض المناصب الكبرى لاحقاً مفضلاً الاعتزال في مسقط رأسه .


​وفي أواخر أيامه ، كتب في مذكراته عام 1959 م معبراً عن زهده بالسلطة واعتزازه بارتباطه بالأرض : " وها أنا أحرث وأدرس الزيتون ، لأكل زيت بلادي ، وإن أفخر وسام تقلدته هو وسام شجرة الزيتون التي زرعتها " .


الوفاة :


انتقل إلى رحمة الله في الخامس والعشرين من حزيران عام 1960 م في إربد ، مخلفاً وراءه إرثاً راسخاً من الكرامة الوطنية والعمل المؤسسي .

ملاحظات إضافية

صورة المنزل المرفقة هو المنزل الذي كان يسكن فيه المغفور له على خلقي الشرايري في مدينة اربد

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع : ​مذكرات الباشا علي خلقي الشرايري والوثائق العسكرية ( الأرشيف الوطني الأردني ) . ​مشاهير في التاريخ الأردني ، سيرة أمير اللواء علي خلقي الشرايري ، محمود عبيدات ، عمان ، 1993 م . ​مجلة " رسالة الأردن " ( مقال " هذا هو علي خلقي الشرايري " ، شباط 1959 م ) . ​دراسات التاريخ العسكري والسياسي لشرقي الأردن وتأسيس الإمارة - المؤرخون الأردنيون . ​وثائق وتوثيقات الثورة العربية الكبرى وتاريخ الحركة الوطنية في الأردن ( مركز الملك حسين بن طلال للبحوث والدراسات وموقع إرث الأردن ) . ​الأرشيف الصحفي ( صحيفة الدستور الأردنية ، مقال : أسماء في الذاكرة - علي خلقي الشرايري ) .