تعد قرية ( بعجة ) التاريخية في جنوب الأردن مهداً مبكراً للاستقرار البشري والإبداع في العصر الحجري الحديث ، وشاهداً فريداً على حضارة إنسان ما قبل التاريخ ( 2022 م ) .
قرية بعجة الأردنية ... لؤلؤة العصر الحجري وأسرار التاريخ المنسي
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
تتجلّى عبقرية التاريخ الإنساني في أبهى صورها حين نتأمل المعالم الأثرية الضاربة في أعماق الزمن على أرض الأردن المباركة ، وتبرز قرية ( بعجة ) التاريخية – القابعة بشموخ على بُعد نحو 14 كيلومتراً إلى الشمال من مدينة البترا الأثرية – بوصفها واحدة من أهم درر العصور الحجرية التي تخبرنا عن بدايات الاستقرار والمدنية في المشرق العربي وعالمنا القديم .
التسمية والجذور اللغوية :
يرتبط اسم ( بعجة ) في دلالاته اللغوية والتاريخية بطبيعة المكان وتضاريسه الوعرة التي تعكس أصالة الجذور للمنطقة ، حيث تُشتق التسمية من التضاريس الجبلية الصلبة والمرتفعات التي كانت حصناً منيعاً لسكانيها الأوائل ، لتظل هذه التسمية صدىً خالداً لمكانة جغرافية فريدة شكلت مهدًا مبكراً للإبداع البشري والاستيطان المبكر .
عبقرية المكان والاستيطان المبكر :
تتوارى قرية ( بعجة ) الأثرية بين هضاب وجبال الشراة جنوب الأردن شمال مدينة البترا ، لتشكل واحدة من أهم محطات الاستيطان البشري وأقدم القرى في العالم التي يعود تاريخها إلى نحو تسعة آلاف عام ( 2022 م ) . لقد اختار الإنسان الأول موقعاً شاهقاً يرتفع نحو 1160 متراً فوق سطح البحر ، محاطاً بمسالك جبلية وعرة ووديان ضيقة شديدة الانحدار لا يُوصل إليها إلا عبر تسلّق دقيق ، مما يعكس ذكاءً مبكراً في تحصين المجموعات البشرية التي بلغ تعدادها نحو 500 نسمة وتأمين سبل عيشها .
هندسة العمارة وعبقرية الإبداع :
لم تكن ( بعجة ) مجرد مأوى عابر ، بل مثلت طفرة حضارية في مجتمعات ما قبل التاريخ ؛ فقد اشتهرت ببيوتها المترابطة والمشيدة بحجارة المنطقة بعناية فائقة والمزودة بأرضيات وجدران مطلية ، والتي تألف بعضها من طابقين ، وهو إنجاز هندسي فريد لتلك الحقبة المبكرة يعكس وعياً استقرارياً واجتماعياً متقناً . وقد أظهرت التنقيبات الأثرية اعتماد أهلها على اقتصاد إنتاجي قام على الزراعة ( مثل زراعة البقوليات والبازيلاء ) واستئناس الحيوان ورعي الغنم ، مستخدمين أدوات الطحن والهرس لتحضير طعامهم اليومي .
أسرار المقابر وقبر الطفلة وكشف جميلة :
كعادة علم الآثار ، غالباً ما تفتح القبور أبواب الماضي وتزودنا بالإجابات العميقة ؛ وفي عام 2018 م ، وضمن موسم التنقيب الذي أوشك على الانتهاء في موقع بعجة ، ظهرت تحت شاهد قبر بسيط حبات من اللؤلؤ قادت فريق التنقيب إلى اكتشاف أثري مذهل تمثل في قبر فاخر لطفلة صغيرة أُطلق عليها افتراضياً اسم ( جميلة ) .
احتوى القبر على قلادة فريدة ومتقنة الصنع تتألف من نحو 2500 حبة وخرزة دقيقة من الأصداف والخرز الرملي المصقول بعناية والمجلوبة من خارج المنطقة ( مثل الأصداف البحرية ) ، والتي تُعرض اليوم كواحدة من أروع التحف الأثرية في متحف البترا الجديد . لا تقف أهمية ( قلادة جميلة ) عند جماليتها الفائقة فحسب ، بل تمتد لتثبت أن إنسان العصر الحجري الحديث ، وبمجرد نجاحه في تأمين طعامه واستقراره ، بات يخصص وقتاً وجهداً كبيرين لصناعة الحلي والفنون وإشباع حسه الجمالي والروحي .
تحول جذري في مسار الإنسانية :
إن المواد الفريدة المستخدمة في صنع القلادة وطرق معالجتها المتقنة ، إضافة إلى الهندسة المعمارية المتقدمة للقرية ، تعيد كتابة الكثير مما كنا نعتقد معرفته عن إنسان ما قبل التاريخ . فقرية ( بعجة ) لم تكن مجرد مأوى عادي ، بل كانت تجسيداً لذكاء الإنسان الأردني الأول في تطويع البيئة وتحصين مجتمعه ، معلنة بذلك بداية مرحلة تطور غيرت حياة البشرية للأبد وأسست لعصر الاستقرار والمدنية والتواصل الحضاري الممتد عبر آلاف السنين .
إن زيارة هذه المواقع والتفكر في تفاصيلها تأخذنا في رحلة ممتعة عبر أزمنة موغلة في القدم ، لندرك أن أرض الأردن كانت دوماً حاضنة لإبداع الإنسان وصانعة لحضاراته الأولى . إن قرية ( بعجة ) ليست مجرد حجارة صامتة بين جبال الشراة ، بل هي وثيقة حجرية حية تروي حكاية العزيمة والإرادة البشرية ، وتستحق منا كل الرعاية والتوثيق وتنشيط البرامج السياحية لتظل منارة تضيء درب الأجيال القادمة بمعالم أصالتها وعمقها التاريخي الفريد .










قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) شبكة دويتشه فيله ( DW عربية ) ، تقرير ( قرية العصر الحجري الغامضة في الأردن ) ، أيلول 2022 م .
- 2 ) جريدة الدستور الأردنية ، تقارير استطلاعية وأثرية حول قرية ( بعجة ) وكنوز العصور الحجرية في جبال الشراة ، كانون الثاني 2024 م .
- 3 ) جريدة الرأي الأردنية ، مقال ( قرية بعجة الأردنية تنطق بعبقرية وإبداع سكان عصرها الحجري ) ، حزيران 2023 م .
- 4 ) دائرة الآثار العامة الأردنية ، الدراسات والتقارير التوثيقية لمواقع العصر الحجري الحديث في جنوب الأردن ومتحف البترا .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.