يتتبع المقال التطور الحضاري لحساب الوقت في الشرق القديم والجزيرة العربية ، مبيناً كيف تحول رصد الزمن من الفطرة والبيئة إلى المأسسة العلمية والآلات الميكانيكية الدقيقة في العصر الإسلامي .

قبل اختراع الساعات الحديثة . . . كيف قاست حضارات الشرق والمسلمون الأوائل الوقت ؟


بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه


​ظل " الزمن " عبر العصور الهَمّ الفلسفي والتنظيمي الأكبر للإنسان ، فلم يكن الوقت مجرد أرقام تتوالى ، بل كان شريان البقاء ، ومحرك الاقتصاد ، وضابط العبادات والطقوس . وفي قلب الشرق الأدنى القديم والجزيرة العربية ، خاض الإنسان رحلة حضارية ملهمة لترويض هذا المارد الفلكي ، فبدأ من رصد حركة النيل ودورة بابل الستينية ، مروراً بالرصد الفطري البسيط في فيافي الجاهلية ، وصولاً إلى الثورة العلمية والتشريعية في العصر الإسلامي التي نقلت الوقت من العفوية البيئية إلى " المأسسة " وهندسة الآلات الدقيقة .


​عبقرية الشرق القديم : النيل يرسم الفصول وبابل تؤسس " الستينية " :


​في فجر التاريخ ، صاغت كل حضارة مفهومها للزمن بناءً على تحديها الجغرافي الأكبر . في مصر القديمة ، كان فيضان النيل هو الميقات الفعلي للحياة . هناك ، لاحظ الكهنة الفلكيون أن الفيضان يتزامن بدقة مع " الظهور الاحتراقي لنجم الشعرى اليمانية " في الأفق الشرقي قبل الشروق ، فصاغوا أدق تقويم شمسي عرفه العالم القديم ، قسّموا فيه السنة إلى 12 شهراً ، وأضافوا خمسة أيام أطلقوا عليها " أيام النسيء " للابتهاج والعبادة ، ممهدين الطريق لتقسيم اليوم إلى 24 ساعة متساوية عبر ابتكار المزاول نهاراً ، والملامح المخروطية للساعات المائية " الكلبسيدرا " ليلاً .


​أما في بلاد الرافدين ، فكان الفلك رياضياً بامتياز . ندين اليوم للسومريين والبابليين بنظامنا الزمني المعاصر ، فهم من اعتمدوا " النظام الستيني " الذي قسّم الدائرة إلى 360 درجة ، والساعة إلى 60 دقيقة . ولأن تقويمهم كان قمرياً ، فقد واجهوا معضلة تراجع الفصول الزراعية ، ليحلّوها باكتشاف " دورة ميتون " الفلكية ، واضعين نظاماً يقضي بإضافة شهر كبيس سبع مرات كل 19 عاماً ، فضلاً عن ابتكارهم للأسبوع المكون من سبعة أيام مستلهمة من الأجرام السماوية الملحوظة .


​هذا المزيج الفلكي انتقل إلى بلاد الشام ، حيث طوّر الكنعانيون والفينيقيون تقاويم ترتبط ببيئتهم الجبلية والساحلية . ويتجلى ذلك في " تقويم جازر الكنعاني " الذي يعد أقدم وثيقة تقسم السنة إلى فترات ترتبط بجني الزيتون وبذر القمح ، بينما برع الفينيقيون في " الفلك الملاحي " ، معتمدين على النجم القطبي لتوجيه سفنهم وتنظيم ساعات حراستهم البحرية في عرض المتوسط .


​فيافي الجاهلية : لغة الضياء و" الساعات الزمانية " :


​على النقيض من الحواضر المدنية المجاورة ، لم يمتلك عرب الجاهلية مراصد أو مؤسسات كهنوتية ، بل كانت الصحراء بأفقها المكشوف مرصدهم الفطري الأول . ولم يكن نظامهم في حساب الوقت يعتمد على الساعات المتساوية ، بل عرفوا ما يُسمّى " نظام الساعات غير المتساوية " أو ( الزمانية ) ، حيث يُقسم النهار دائماً إلى 12 ساعة والليل إلى مثلها ، مما يعني أن ساعة النهار تتسع صيفاً وتقصر شتاءً تبعاً لحركة الشمس .


​مع ذلك ، أظهرت اللغة العربية عبقرية فائقة في تسمية وتقسيم أجزاء اليوم بناءً على تدّرج الضوء والحرارة وموقع الظل ، فكان النهار يبدأ بـ " الذرور " و" البكور " ، ويمر بـ " الضحى " و" الهاجرة " حيث تشتد الرمضاء ، وينكفئ بـ " الرواح " و" الأصيل " . أما الليل فكان يبدأ بـ " الشفق " ثم " العتمة " و" الهزيع " ، وينتهي بـ " السَحَر " قبيل الصدع الفضي للفجر .


​ولتنظيم ترحالهم ومواسم أمطارهم ، صاغ العرب " علم الأنواء " القائم على مراقبة سقوط نجم من منازل القمر الثمانية والعشرين في الغرب وشروق رقيبه في الشرق فجراً . وحين وجدوا أن سنتهم القمرية تبتعد عن مواسم أسواقهم الكبرى كـ " سوق عكاظ " ، لجأوا إلى نظام " النسيء " ( الْكَبْس ) ، حيث كان " القَلَمَّس " الكناني يعلن في مواسم الحج إضافة شهر كل بضع سنين لربط التجارة بالفصول ، دون أن يكون لهم عدّ رقمي ثابت للسنين ، بل كانوا يؤرخون بأعوام الأحداث الكبرى كـ " عام الفيل " .


​الثورة الإسلامية : مأسسة الزمن ووحدانية التقويم :


​مع بزوغ فجر الإسلام ، حدثت ثورة جذرية نقلت الزمن من دائرة العفوية والمصالح الاقتصادية إلى منظومة تشريعية ومؤسسية دقيقة . كان التطهير التقويمي أولى الخطوات ، حيث ألغى القرآن الكريم نظام النسيء تماماً باعتباره تلاعباً بشرياً بحرية الدورة الفلكية ، لتستقر السنة على 12 شهراً قمرياً خالصاً ، تبدأ دورتها اليومية والميقاتية شرعاً من لحظة غروب الشمس .


​وفي عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ، اتسعت رقعة الدولة فصارت المأسسة ضرورة لإدارة المراسلات والدواوين ، فاستقر الرأي بمشورة الصحابة على تأسيس " التقويم الهجري " ، متخذين من الهجرة النبوية منطلقاً للتأريخ باعتبارها الحد الفاصل بين الدعوة والدولة ، وجُعل " محرم " أول شهور السنة .


​هذا التحول التشريعي جعل من تحديد الوقت فرضاً يومياً يرتبط بحركة الشمس الظاهرية ومفهوم " الظل " . فغدت مواقيت الصلوات الخمس بحاجة إلى رصد فلكي مستمر ، من الفجر الصادق ، إلى الظهر ( زوال الشمس وميلها ) ، فالعصر ( تساوي الشيء وظله ) ، ثم المغرب ( غياب قرص الشمس الكامل ) ، والعشاء ( مغيب الشفق الأحمر ) . ولم يقف الإبداع عند النهار ، بل حسب المسلمون الأجزاء الليلية بدقة رياضية لتقسيم الوقت الممتد من الغروب حتى الفجر إلى ثلاثة أجزاء متساوية لتحديد " الثلث الأخير " بدقة متناهية تلائم شتى الفصول .


​" ساعة سامراء " : الشاهد الأثري على عبقرية " علم الحيل " :


​ولم يقف الشغف الإسلامي بالوقت عند الرصد البصري أو الفقهي ، بل قاد إلى نهضة تقنية وهندسية أبهرت العالم عبر " علم الحيل " ( الميكانيكا ) . فقد طوّر الفلكيون المزاول الشمسية باستخدام علم المثلثات وحساب خطوط الطول والعرض ، وكان من أبرز شواهد هذا التطور الاكتشاف الأثري المذهل في مدينة سامراء العراقية عام 1972 م .


​فقد عثر عمال الهاتف آنذاك على لوحة مربعة من الرخام ، نُقش عليها اسم صانعها الفلكي البارز في القرن التاسع الميلادي : « صنعة علي بن عيسى » . تُمثل هذه اللوحة أقدم ساعة شمسية إسلامية مكتشفة تحمل اسم صانعها ، وتتجلى فيها عبقرية التقسيم الفلكي لنهار المسلم ، حيث يبدأ نصفها الأول من الساعة الأولى صباحاً في أقصى اليسار ليتدرج حتى الساعة السادسة ( وقت الزوال والظهر ) ، ثم يبدأ النصف الثاني ليرصد وقت العصر وينتهي عند الساعة الثانية عشرة تماماً مع حلول المغرب . إن هذه الوثيقة الأثرية هي عينه الأساس العلمي المتبع حتى اليوم في الحسابات الفلكية للمواقيت الشروقية والغروبية .


​إلى جانب المزاول ، طوّر المسلمون " الأسطرلاب " ليصبح بمثابة حاسبة فلكية محمولة تحدد الوقت والقبلة ، وشهد العصران العباسي والمملوكي طفرة في صناعة الساعات الميكانيكية والمائية الضخمة ( البنكام ) ، مثل ساعة هارون الرشيد الأسطورية التي أهداها لملك الفرنجة شارلمان ، وصولاً إلى ابتكارات بديع الزمان الجزري في كتابه " صناعة الحيل " ، حيث صمم " ساعة الفيل " و" الساعة الكاتبة " كأعقد الآلات الميكانيكية التي اعتمدت على التروس والروافع والعوامات لحساب الدقائق والثواني دون الاعتماد على تقلبات الطقس .


​إن رحلة ترويض الوقت في الشرق الأدنى والجزيرة العربية تكشف عن خيط حضاري متصل ، بدأ بالحاجة الزراعية والكهنوتية في مصر والعراق ، ومر بالفطرة البيئية اللغوية في فضاء الصحراء ، لينتهي ببناء منظومة " علمية تجريبية ومؤسسية " في الحواضر الإسلامية . لم يكن الوقت في شرقنا مجرد لحظات عابرة ، بل كان محركاً للابتكار التقني والهندسي ، وصاغ زمناً علمياً وضع اللبنات الأولى لعلم الفلك الميكانيكي الحديث ، مؤكداً أن الحاجة لضبط اللحظة كانت دائماً هي الرحم المعرفي الذي تولد منه العبقرية الإنسانية .


​قائمة المصادر والمراجع :


​1 ) كتاب الأنواء في مواسم العرب – ابن قتيبة الدينوري .


2 ) الآثار الباقية عن القرون الخالية – أبو الريحان البيروني .


3 ) الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل – بديع الزمان الجزري .


4 ) تاريخ العلوم عند العرب – رينيه تاتون / مصطفى نظيف .


5 ) الحياة اليومية في بلاد بابل وآشور – جورج كونتينو .


6 ) سجلات المتاحف والآثار العراقية ( مكتشفات سامراء 1972 م ) – مديرية الآثار العامة ، بغداد .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1 ) كتاب الأنواء في مواسم العرب – ابن قتيبة الدينوري .
  3. 2 ) الآثار الباقية عن القرون الخالية – أبو الريحان البيروني .
  4. 3 ) الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل – بديع الزمان الجزري .
  5. 4 ) تاريخ العلوم عند العرب – رينيه تاتون / مصطفى نظيف .
  6. 5 ) الحياة اليومية في بلاد بابل وآشور – جورج كونتينو .
  7. 6 ) سجلات المتاحف والآثار العراقية ( مكتشفات سامراء 1972 م ) – مديرية الآثار العامة ، بغداد .