يبرز المقال الأهمية التاريخية والمعمارية للمسجد الحسيني في عمان ، مستعرضاً جذوره الممتدة من العهد الراشدي حتى التجديد الهاشمي ليكون شاهداً حياً على حضارة الأردن .

المسجد الحسيني : ركيزة عمان التاريخية التي تستحق إعادة اكتشافها

بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​تظل العواصم التي تحتفظ بذاكرتها العمرانية محظوظة ، وعمان ، التي تتكئ على سفوح جبالها العتيقة ، تزهو بقلبٍ نابضٍ لا يهدأ ، حيث يتجسد التاريخ في أبهى صوره من خلال " المسجد الحسيني " . ليس هذا المسجد مجرد بناء من حجرٍ وطين ، بل هو شاهدٌ ملكيٌ وروحانيٌ على تقلبات الزمن ، ومحطة مفصلية في ذاكرة الأردن السياسية والروحية ، يروي في كل زاوية من زواياه قصة أمةٍ امتدت جذورها في عمق الأرض لتصل إلى السماء ، داعيةً كل عابرٍ للتأمل في عبق ماضٍ لا يزال يضيء حاضرنا .

​جذورٌ تمتد إلى العهد الراشدي :

​تُشير المصادر التاريخية إلى أن أصل هذا المسجد يعود إلى عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) في العام الثالث عشر للهجرة ، مما يجعله من أقدم المساجد التي شيّدت خارج شبه الجزيرة العربية . وعلى مر العصور ، حظي المسجد باهتمام الخلفاء والحكام ، إذ شهد عمليات ترميم وإعادة بناء في العصر الأموي تزامناً مع إعادة بناء الجامع الأموي في دمشق ، ليظل منارةً لذكر الله عبر العصور .

​من " العمري " إلى " الحسيني " :

​ظل المسجد ، بصحنه المزين بالفسيفساء ، يحمل اسم " الجامع العمري " لقرون طويلة . وفي عام 1923 م ( 1341 هـ ) ، أمر الملك المؤسس عبدالله الأول بن الحسين بإعادة بنائه وتجديده ، ليحمل منذ ذلك الحين اسم " المسجد الحسيني " تيمناً بقائد الثورة العربية الكبرى الشريف الحسين بن علي ، تخليداً لذكراه وربطاً للمكان بجذوره العربية الهاشمية .

​إشادة الرحالة والشهادة التاريخية :

​لطالما كان المسجد الحسيني مادة دسمة في كتابات الرحالة والجغرافيين العرب . فقد وصفه ياقوت الحموي في " معجم البلدان " بأنه جامع مزين بالفسيفساء في مدينة " واسعة الخيرات " . أما الجغرافي المقدسي البشاري ، فقد تغنى بجماله واصفاً إياه بـ " الجامع الظريف " الذي يشبه في هيئته مسجد مكة ، مؤكداً على تميز صحنه المفسفس .

​وتحفظ السجلات العثمانية جانباً من تاريخه الحديث ، حيث تشير إلى تولي الشيخ عمر لطفي ، أحد المهاجرين الشركس ، وظيفة الإمامة والخطابة فيه عام 1909 م ، تلاه الشيخ زكريا بن حسن عام 1910 م ، مما يعكس الأهمية المجتمعية والمركزية للمسجد في تلك الحقبة .

​عمارة تروي قصة التطور :

​يختزل تصميم المسجد الحسيني فترات زمنية متعاقبة ، ففوق بابه الخارجي الأوسط ، لا يزال النقش التاريخي الذي يوثق بناءه في عهد الأمير عبدالله بن الحسين قائماً . وفي الداخل ، يبرز المحراب الواقع في وسط الحائط الجنوبي بجمالياته الفريدة المكونة من محرابين متداخلين ، تعلوهما آية قرآنية كريمة .

​وفي أربعينيات القرن الماضي ، شُرع في توسعة صحن المسجد وإقامة " الميضأة " ذات القبة المضلعة والأعمدة المزينة بالآيات القرآنية . أما المآذن ، فبينما تحكي المئذنة الشرقية قصص القدم ، جاءت المئذنة الغربية التي أنشئت عام 1952 م في عهد الملك الحسين بن طلال ، طيب الله ثراه ، لتكمل اللوحة المعمارية بتناغم فريد .

​دعوة للالتفات السياحي :

​على الرغم من القيمة السياسية والتاريخية الكبيرة التي يتمتع بها المسجد ، إلا أن خبراء يرون أن طابعه الإسلامي الراشدي والأموي لا يزال غائباً عن صدارة برامج السياحة الدينية والمناهج الأكاديمية . إن هذا التقصير الإعلامي والترويجي يحرم الزوار من التعرف على معلمٍ سُجل ذكره في أمهات الكتب التاريخية .

​إن المسجد الحسيني ليس مجرد صرحٍ معماري يضم داراً لتعليم القرآن ومكتبة إسلامية ومرافق تطل على سوق السكر التاريخي ، بل هو حارسٌ للذاكرة الوطنية ورمزٌ لاستمرارية الحضارة في هذه البقعة المباركة . إن واجبنا تجاه هذا الإرث العظيم يتجاوز الحفاظ على حجارته ، ليمتد إلى ضرورة إدماجه في وعينا السياحي والأكاديمي ، ليظل " الحسيني " القلب النابض لعمان ، ونافذة مفتوحة تطل على تاريخ الأردن العريق الذي لم تنضب يوماً ينابيع حضارته ، ولا تزال ذكراه شاهقةً كشموخ مآذنه في سماء العاصمة .

​قائمة المصادر والمراجع :

​1 ) ويكيبيديا الموسوعة الحرة ، مدخل " المسجد الحسيني " .

2 ) موقع التراث الملكي الأردني ، " المسجد الحسيني الكبير " .

3 ) شبكة الجزيرة الإعلامية ، " المسجد الحسيني . . روحانيات بعبق التاريخ تسكن قلوب الأردنيين " .

4 ) الحموي ، ياقوت . معجم البلدان .

5 ) المقدسي البشاري ، شمس الدين . أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم .

6 ) بكج ، أرسلان رمضان . عمّان : تاريخ وصور .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1 ) ويكيبيديا الموسوعة الحرة ، مدخل " المسجد الحسيني " .
  3. 2 ) موقع التراث الملكي الأردني ، " المسجد الحسيني الكبير " .
  4. 3 ) شبكة الجزيرة الإعلامية ، " المسجد الحسيني . . روحانيات بعبق التاريخ تسكن قلوب الأردنيين " .
  5. 4 ) الحموي ، ياقوت . معجم البلدان .
  6. 5 ) المقدسي البشاري ، شمس الدين . أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم .
  7. 6 ) بكج ، أرسلان رمضان . عمّان : تاريخ وصور .