يُمثّل كشك ( الزرعيني ) ، الرابض عند ( دوار الساعة ) في قلب إربد ، رئة ثقافية ومعلماً تراثياً يربط المدينة بوعيها المعرفي منذ تأسيسه على يد الراحل أحمد الزرعيني عام 1953 م . وتحول هذا الفضاء عبر العقود من منصة لبيع الصحف إلى صالون فكري يومي يؤمه الأدباء والأكاديميون وطلبة جامعة اليرموك ، مجابهاً عواصف الطقس وتحديات الطغيان الرقمي للشاشات . ومؤخراً ، ابتكر الكشك مبادرات ريادية مثل ( اترك هاتفك واقرأ مجاناً ) لإعادة بناء جسور الألفة مع الكتاب الورقي ، ليتوج مسيرته بقرار حضاري من بلدية إربد الكبرى بتحديث طرازه وصون إرثه بالتزامن مع احتفالية إربد عاصمة للثقافة العربية عام 2022 م ، حيث تواصل الأجيال حمل وصية المؤسس ليبقى صوت الفكر حياً في فضاء عروس الشمال .
على رصيف " دوار الساعة " ... كشك " الزرعيني " رئة إربد الثقافية وصوت كتابها الورقي
بقلم : الاستاذ قيصر صالح الغرايبه
لكل مدينة مناراتها المعرفية التي لا تُقاس بمساحاتها العمرانية ، بل بظلالها الفكرية وأثرها في صياغة وعي الإنسان . وفي إربد ( عروس الشمال ) ، التي تفتح ذراعيها دوماً للقصيدة والفكر وسنابل القمح ، يقف كشك ( أحمد درويش الزرعيني ) كأحد الشواهد الحية العريقة على ذاكرة المدينة الثقافية والاجتماعية . إنه ليس مجرد منصة خشبية مرصوفة بالكتب والصحف على حافة الرصيف ، بل هو ملتقى يومي دائم تؤمه قامات الأدب ، والأكاديميون ، وطلاب العلم ، والقراء من مختلف الأجيال . ومنذ عقود ، شكّل هذا الكشك حالة من الأمن الثقافي في قلب المدينة ( مدينة إربد ) ، حاملاً رسالة فكرية ممتدة تلتحم بهوية الأمكنة وصمود الفكرة ، ليؤكد على القيمة الأزلية للقراءة باعتبارها أداة التنوير الأولى وحصن الوعي المجتمعي .
أولاً : أهمية وجود الكشك في وسط مدينة إربد وملتقى المثقفين اليومي :
يمثل وسط مدينة إربد قلبها النابض بالحركة والتجارة ، غير أن وجود كشك الزرعيني في هذا الموقع الحيوي منح المكان بعداً روحياً وثقافياً عميقاً :
القلب النابض للمدينة : إن تموضع الكشك عند " ميدان الملك عبد الله الثاني " ( دوار الساعة ) جعله في نقطة التقاء مركزية لجميع المارة ، والزوار ، والقادمين من القرى المجاورة ، مما أتاح للمطبوعات الفكرية أن تكون جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية للمواطن البسيط ، وليس حبيس الجدران المغلقة .
الملتقى اليومي للنخبة والقراء : تحول محيط الكشك على مدار العقود إلى صالون ثقافي يومي على الرصيف ، إذ يمثل محطة إلزامية يلتقي فيها المثقفين ، و الأدباء ، والشعراء ، وأساتذة الجامعات ، لتبادل الآراء ، ومناقشة أحدث الإصدارات ، وتناول القضايا الفكرية والسياسية ، مما خلق مساحة حوارية حرة ومتاحة للجميع دون قيود .
تعزيز ثقافة القراءة في الفضاء العام : تكمن أهمية هذا المعلم في تذكير المجتمع بأهمية القراءة وتأثيرها في بناء المجتمعات ، فالقراءة ليست مجرد ترف فكري ، بل هي الركيزة الأساسية لتطوير الفكر النقدي ، ومقاومة التجهيل ، وتوسيع المدارك . ويساهم الكشك يومياً في تقريب الكتاب من يد القارئ وعينه ، ليبقى الفكر حاضراً وسط صخب الحياة التجارية .
ثانياً : الجذور والتأسيس والتسمية ( العقد الخمسيني والسبعيني ) :
يرتبط تاريخ الكشك برحلة كفاح طويلة وممتدة عبر الزمن ، تجسدت في المحطات التالية :
النسب والجذور الفدائية : تعود تسمية الكشك ونسبته إلى بلدة ( زرعين ) الصامدة التي تقع على بعد 11 كم شمال مدينة جنين بفلسطين ، في دلالة واضحة على تجذر الذاكرة الوطنية والجغرافية وتلاحمها في الوجدان الأردني .
مطلع الخمسينيات ( عام 1953 م ) : بدأت حكاية هذا المعلم الثقافي حين كان فتى لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره ( أحمد محمود درويش الزرعيني - أبو العبد ) يطوف شوارع المدينة القديمة حاملاً الصحف والمجلات تحت ذراعه ، صانعاً من شغفه المبكر بالورق أساساً لأشهر منارة ثقافية شعبية في شمال المملكة الأردنيةالهاشمية.
نهاية السبعينيات ( عام 1979 م ) : شهدت هذه المرحلة المنعطف الاستراتيجي في مسيرة ( أبو العبد ) ، حيث انتقل من البيع المتجول والبسطات المؤقتة ليستقر في كشك رسمي دائم استأجره من بلدية إربد الكبرى في قلب المدينة النابض ، ليصبح المقر الدائم للملتقى الثقافي .
ثالثاً : مسيرة الصمود ومجابهة العواصف ( من التأسيس إلى الألفية الجديدة ) :
لم تكن مسيرة الكشك طوال عقوده الماضية مفروشة بالورود ، بل واجه القائمون عليه سلسلة من المخاطر البنيوية والبيئية والتنظيمية المتلاحقة :
تحديات المناخ والرصيف : في بداياته وبسبب طبيعته المفتوحة ، واجهت المعروضات الورقية خطر التلف الدائم بفعل مياه الأمطار والسيول شتاءً ، وأشعة الشمس الحارقة صيفاً التي كانت تسرع اصفرار الأوراق وتآكل الأغلفة .
طغيان التكنولوجيا وإدمان الشاشات : مع دخول الألفية الثالثة ، واجه الكشك التحدي الأحدث والأخطر المتمثل في التراجع الحاد لثقافة القراءة الورقية والكساد التجاري الناتج عن انتشار الهواتف الذكية والكتاب الإلكتروني ، مما أثر على القيمة الربحية للمكتبة وحوّلها من مشروع تجاري إلى رسالة فكرية ووفاء لإرث المؤسس بالرغم من الظروف الاقتصادية الصعبة .
المنعطفات التنظيمية والبلدية : عاش الكشك فترات من القلق بسبب قرارات تنظيم وسط المدينة وتوسعة الأرصفة وتخفيف الازدحامات المرورية ، كونه يقع في نقطة حيوية جداً ، مما جعله مهدداً بالإزالة الكلية كمنشأة مؤقتة ، قبل أن ينتهي المطاف بقرار حضاري من بلدية إربد الكبرى قضى بنقله وتحديث طرازه المعماري داخل الميدان نفسه لحمايته كإرث تاريخي .
رابعاً : الابتكار الاجتماعي والمبادرات الثقافية النوعية :
تميز كشك الزرعيني في السنوات الأخيرة بقدرته الديناميكية على ابتكار حلول إبداعية لمواجهة العزلة الرقمية ، وتحفيز المجتمع على القراءة عبر مبادرات فريدة :
مبادرة ( اترك هاتفك واقرأ مجاناً ) : تقوم هذه الفكرة على إتاحة القراءة المجانية لأي كتاب في محيط الكشك بشرط استثنائي ذكي وهو : " أن يضع القارئ هاتفه الذكي لدى الكشك كأمانة طيلة فترة مطالعة الكتاب " ، بهدف فك الارتباط المؤقت وإدمان الشاشات ، وإعادة بناء جسور الألفة بين الإنسان والورق والمحافظة على قيمة القراءة العميقة .
معارض المطبوعات المستعملة والجديدة : تحقيقاً لعدالة المعرفة وتيسير الثقافة للطلبة والفئات الشعبية ، ينظم الكشك معارض دورية للكتب الجديدة والمستعملة بهامش أسعار رمزي يتراوح ( بين 10 قروش و3 دنانير ) ، مما يتيح للأكاديميين وطلاب جامعة اليرموك والمهتمين اقتناء أمهات الكتب والروايات بأقل التكاليف .
خامساً : المكانة الرمزية ضمن " إربد عاصمة الثقافة العربية " :
توجت مسيرة الكشك التاريخية بالتزامن مع الفعاليات الثقافية الكبرى للمملكة ، لا سيما عند اختيار إربد عاصمة للثقافة العربية عام 2022 م ، حيث سُلطت الأضواء على هذه الممرات الثقافية في سهل حوران ، وبرز الكشك كمعلم تاريخي يبرهن على عمق البنية التحتية الثقافية الشعبية التي يرتكز عليها الأردن ، جنباً إلى جنب مع معالم ومكتبات تاريخية عريقة وثقت مسيرة الفكر في المملكة مثل " خزانة الجاحظ " التاريخية وغيرها من حواضن المعرفة .
إن سيرة كشك أحمد درويش الزرعيني في إربد هي برهان ساطع على أن الأمكنة لا تموت إذا سُقيت بوفاء الأجيال وإصرارها ؛د، فبعد رحيل المؤسس ( أبو العبد ) ، حمل أبناؤه وأحفاده الراية بذات الشغف والالتزام بالوصية الثقافية . كما أن الموقف الحضاري لبلدية إربد الكبرى في إعادة تموضعه وحمايته يقدم نموذجاً ملهماً في كيفية دمج التطور الحَضَري مع صون الإرث الوجداني والتاريخي للمدن . سيبقى كشك الزرعيني رئة تتنفس منها عروس الشمال عبق الماضي وحداثة الحاضر ، ومحطة صمود تؤكد أن الكتاب الورقي سيبقى يمتلك سحره الخاص وقدرته على استعادة الإنسان من عزلة الشاشات الرقمية إلى رحابة الفكر والمعرفة ونور القراءة التي تبني العقول .
قائمة المصادر والمراجع :
1 ) صحيفة الدستور الأردنية ، مادة توثيقية بعنوان " بلدية إربد : نقل كشك الزرعيني داخل ميدان الملك عبدالله ضمن تطوير وسط المدينة " .
2 ) صحيفة الغد الأردنية ، تقرير صحفي بعنوان " كشك الزرعيني : معلم شعبي ارتبط بوجدان إربد وأجيالها " .
3 ) موقع السوسنة الإخباري ، تقرير بعنوان " قصة كشك الزرعيني الشهير في إربد ومسيرته التاريخية " .
4 ) شبكة مينافن الإخبارية ، تحقيق موسع حول حواضن المعرفة ومبادرات القراءة المجانية في الأردن .
5 ) موقع وكالة جراسا الإخبارية ، تقرير توثيقي حول قرارات تنظيم وسط مدينة إربد والحفاظ على المعالم التراثية .
6 ) منصة أردننا الإخبارية ، الدليل التجاري والثقافي لمعالم محافظة إربد ( مكتبة كشك الزرعيني ) .
7 ) موقع الرموز الإخباري ، مادة منشورة حول التحديات الاقتصادية والبيئية التي تواجه الأكشاك الثقافية على الأرصفة .
8 ) موقع نشامى ميديا الإخباري ، مقال حول المبادرات الشبابية وحراس الطبيعة والثقافة في شمال الأردن .
9 ) مجلة الضفة الثالثة ( العربي الجديد ) ، دراسة ثقافية بعنوان " إربد عاصمة الثقافة العربية : دروب الأقحوان وسحر المكان " .



قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) صحيفة الدستور الأردنية ، مادة توثيقية بعنوان " بلدية إربد : نقل كشك الزرعيني داخل ميدان الملك عبدالله ضمن تطوير وسط المدينة " .
- 2 ) صحيفة الغد الأردنية ، تقرير صحفي بعنوان " كشك الزرعيني : معلم شعبي ارتبط بوجدان إربد وأجيالها " .
- 3 ) موقع السوسنة الإخباري ، تقرير بعنوان " قصة كشك الزرعيني الشهير في إربد ومسيرته التاريخية " .
- 4 ) شبكة مينافن الإخبارية ، تحقيق موسع حول حواضن المعرفة ومبادرات القراءة المجانية في الأردن .
- 5 ) موقع وكالة جراسا الإخبارية ، تقرير توثيقي حول قرارات تنظيم وسط مدينة إربد والحفاظ على المعالم التراثية .
- 6 ) منصة أردننا الإخبارية ، الدليل التجاري والثقافي لمعالم محافظة إربد ( مكتبة كشك الزرعيني ) .
- 7 ) موقع الرموز الإخباري ، مادة منشورة حول التحديات الاقتصادية والبيئية التي تواجه الأكشاك الثقافية على الأرصفة .
- 8 ) موقع نشامى ميديا الإخباري ، مقال حول المبادرات الشبابية وحراس الطبيعة والثقافة في شمال الأردن .
- 9 ) مجلة الضفة الثالثة ( العربي الجديد ) ، دراسة ثقافية بعنوان " إربد عاصمة الثقافة العربية : دروب الأقحوان وسحر المكان " .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.