يتناول المقال أشهر عشر تجارب علمية في علم السلوك الإنساني , مع توضيح إسقاطاتها على واقعنا الاجتماعي في الأردن .

عشر تجارب علمية كشفت لنا كيف يتشكل السلوك الإنساني؟

بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​بين مختبرات علم النفس وواقعنا اليومي :

​السلوك الإنساني ليس شيئًا منفصلًا عن البيئة ولا عن الآخرين ، فالإنسان يتأثر بالسلطة ، والجماعة ، والتعلم ، والمكافأة ، والخوف ، والعلاقات الاجتماعية ، والإحساس بالسيطرة . ولهذا حاول علماء النفس على مدار عقود أن يضعوا الإنسان داخل مواقف تجريبية محددة ثم يراقبوا كيف يتغير سلوكه . ومع تطور علم الأعصاب ، أصبح السؤال أكبر : ماذا يحدث داخل الدماغ عندما نطيع أو نقلد أو نتوافق أو نساعد أو نتراجع أو نتعلم ؟ وهنا نستعرض أشهر عشر تجارب ودراسات في تاريخ علم السلوك ، مع توضيح ما أثبتته فعلًا ، وما أضافه العلم الحديث إليها ، وإسقاطاتها على واقعنا الاجتماعي في الأردن .

​1   ) تجربة الطاعة للسلطة :

ستانلي ميلغرام / جامعة ييل / الولايات المتحدة / 1961 م وما نُشر عام 1963 م

​أجرى عالم النفس الأمريكي ستانلي ميلغرام تجربته الشهيرة لمعرفة إلى أي مدى يمكن لشخص عادي أن يطيع أوامر سلطة يعتقد أنها مسؤولة عن التجربة عندما تتعارض هذه الأوامر مع ضميره . ووجد أن نسبة 65 بالمئة من المشاركين استمروا حتى النهاية في إعطاء صدمات كهربائية وهمية متزايدة الشدة بناءً على توجيهات الباحث .

ماذا قال العلم وقتها ؟

أظهرت التجربة أن وجود سلطة علمية وموقف مؤسسي منظم يمكن أن يؤثر بشدة في السلوك ، لكنها لا تعني أن الإنسان يطيع السلطة دائمًا ، فمستوى الطاعة تغير عندما تغيرت المسافة من الضحية أو شرعية السلطة .

نظرة العلم الحديث :

لا يفسر العلم الحديث الطاعة باعتبارها مجرد خوف أو فقدان للعقل ، بل ينظر إليها باعتبارها تفاعلًا معقدًا بين السلطة ، والمسؤولية ، والهوية الاجتماعية ، والسياق .

إسقاط التجربة على المجتمع الأردني :

في مجتمعنا الأردني ، نلاحظ تأثير [ " السلطة الاعتبارية " ] أو المجتمعية والوظيفة بشكل واضح ، فالامتثال لتوجيهات الإدارة أو كبار العائلة أو الشخصيات ذات المكانة يتم أحيانًا دون نقاش عميق ، ليس خوفًا فحسب ، بل ثقةً بالمكانة المؤسسية أو العشائرية وافتراضًا لصحة القرارات الصادرة عن صاحب السلطة .

ماذا نتعلم ؟

أحيانًا لا يتغير ضمير الإنسان نفسه ، بل تتغير الطريقة التي يرى بها مسؤوليته عن الفعل ، وهنا يمكن للسلطة أن تجعل الإنسان يشعر أن القرار لم يعد قراره بالكامل .

​2   ) تجربة الامتثال للجماعة :

سولومون آش / كلية سوارثمور / بنسلفانيا / خمسينيات القرن العشرين

​أراد عالم النفس سولومون آش معرفة مقدار تأثير المجموعة في حكم الإنسان حتى عندما تكون الحقيقة واضحة أمام عينيه . وخلال التجربة ، تخلوا بعض المشاركين عن الإجابة الصحيحة لخط طولي ووافقوا رأي المجموعة الخطأ بنجاح ، حيث بلغ معدل الامتثال نحو 37 بالمئة عبر التجارب الحرجة .

ماذا اكتشف آش ؟

اكتشف أن الإنسان قد يعرف الحقيقة لكنه يتردد في مخالفة المجموعة ، وهنا فرق مهم بين التأثر بالمعلومات والتأثر بالضغط الاجتماعي .

نظرة العلم الحديث :

أظهرت أبحاث التصوير العصبي اللاحقة أن التعارض بين رأي الفرد ورأي المجموعة يرتبط بنشاط في مناطق مرتبطة بالتعارض والتعلم الاجتماعي مثل المنطقة الحزامية الأمامية والمخطط البطني .

إسقاط التجربة على المجتمع الأردني :

في المناسبات الاجتماعية الأردنية ، كالأفراح وبيوت العزاء أو حتى في آليات اتخاذ القرارات المرتبطة بالجاهات والأعراف العشائرية ، تظهر قوة [ " الرأي الجماعي " ] بوضوح ، حيث يميل الأفراد أحيانًا إلى تبني الموقف العام السائد لتجنب الخروج عن المألوف أو الظهور بمظهر المخالف لإجماع العائلة أو الحارة .

ماذا نتعلم ؟

ليس كل توافق مع الجماعة ضعفًا ، فالتجربة تؤكد أن المشكلة تبدأ عندما تصبح رغبتنا في الانتماء أقوى من قدرتنا على التفكير المستقل .

​3   ) تجربة سجن ستانفورد :

فيليب زيمباردو وفريقه / جامعة ستانفورد / كاليفورنيا / أغسطس 1971 م

​أراد فيليب زيمباردو دراسة تأثير أدوار السجين والحارس في السلوك من خلال إنشاء سجن وهمي في قبو جامعة ستانفورد . ورغم تخطيط استمرارها أسبوعين ، أُوقفت التجربة بعد ستة أيام بسبب ظهور سلوكيات مهينة وضغوط نفسية شديدة .

التفسير الأصلي ونظرة العلم الحديث :

فسر زيمباردو النتائج بأن الظروف والأدوار الاجتماعية يمكن أن تدفع الأشخاص العاديين إلى سلوكيات قاسية . لكن العلم الحديث وجه انتقادات منهجية وأخلاقية للتجربة ، مبينًا أن الهوية الجماعية والقيادة ومعايير المجموعة تلعب دورًا محوريًا ، وأنه لا يمكن التعميم بأن السلطة تحول أي إنسان تلقائيًا إلى شخص شرير .

إسقاط التجربة على المجتمع الأردني :

يمكن إسقاط مفهوم [ " الأدوار المؤسسية " ] على بيئات العمل المختلفة في الأردن ، فعندما يتسلم أحدهم موقع إشرافياً أو قيادياً دون تدريب كافٍ على إدارة الضغوط ، قد يتقمص [ " دور السلطة " ] بشكل مبالغ فيه ، متأثرًا بالبيئة المحيطة والتوقعات المفروضة على منصبه .

ماذا نتعلم ؟

فتحت التجربة بابًا مهمًا لدراسة العلاقة بين البيئة والسلطة والهوية الجماعية ، مع ضرورة الحذر من التفسيرات المبسطة لتحول الشخصيات .

​4   ) تجربة دمية بوبو :

ألبرت باندورا ودوروثيا روس وشيلّا روس / جامعة ستانفورد / 1961 م

​أراد ألبرت باندورا معرفة هل يمكن للأطفال تعلم السلوك العدواني من خلال مشاهدة شخص آخر . وأثبتت التجربة أن الأطفال الذين شاهدوا نموذجًا بالغًا يتصرف بعنف تجاه دمية بوبو أظهروا سلوكيات عدوانية مشابهة .

نظرة العلم الحديث :

تؤكد أبحاث الأعصاب وجود شبكات تساعد الإنسان على فهم أفعال الآخرين ومحاكاتها ، مع التأكيد على أن السلوك العدواني معقد ويتأثر بالأسرة ، والتربية ، البيئة والثقافة .

إسقاط التجربة على المجتمع الأردني :

في تربية الأبناء داخل البيوت الأردنية ، تظهر هذه التجربة بوضوح في اكتساب الأطفال لسلوكيات الكبار ، فالطفل لا يتعلم من النصائح المباشرة فحسب ، بل يترجم أفعال والديه في مواقف الغضب أو التعامل اليومي إلى سلوكيات عملية يطبقها في المدرسة ومع أقرانه في الحارة .

ماذا نتعلم ؟

الطفل لا يتعلم فقط من الكلام الذي يسمعه ، بل يتعلم أيضًا من السلوك الذي يراه ، ولهذا فإن القدوة جزء أساسي من عملية التعلم نفسها .

​5   ) تجربة الوجه الجامد :

إدوارد ترونيك وزملاؤه / الولايات المتحدة / 1978 م

​درست هذه التجربة تفاعل الرضيع مع أمه عندما تصبح فجأة غير مستجيبة وملامح وجهها جامدة ، حيث أظهر الرضيع محاولات متكررة لجذب الانتباه ثم ظهرت عليه علامات الضيق والانسحاب .

نظرة العلم الحديث :

أصبحت التجربة نموذجًا لدراسة تنظيم الانفعال والتفاعل المبكر ، مع ضرورة الحذر من المبالغة في تفسير نتائج المختبر على أنها تلف دائم في الدماغ .

إسقاط التجربة على المجتمع الأردني :

مع ضغوط الحياة المتسارعة وانشغال الأهل في الأردن بوسائل التواصل الاجتماعي والهواتف الذكية أثناء جلوسهم مع أطفالهم ، يفقد الطفل ذلك [ " التفاعل الحي والاستجابة العاطفية " ] المباشرة ، مما يؤثر سلبًا على شعوره بالأمان النفسي .

ماذا نتعلم ؟

وجود الأب والأم بجانب الطفل جسديًا ليس كافيًا ، فالطفل يحتاج إلى التفاعل الحقيقي والاستجابة المستمرة لإشاراته العاطفية .

​6   ) تجربة تأثير المتفرج :

جون دارلي وبيفلي لاتاني / جامعة نيويورك وجامعة كولومبيا / الولايات المتحدة / 1968 م

​درست هذه التجربة سبب تردد الإنسان في التدخل عند وجود أشخاص آخرين ، ووجدوا أن " انتشار المسؤولية " يجعل الأفراد يتراجعون عن المساعدة بافتراض أن غيرهم سيتدخل .

نظرة العلم الحديث :

تؤكد الأبحاث الحديثة أن تأثير المتفرج يعتمد على وضوح الخطر ، وطبيعة الموقف ، ومعرفة الشخص بما يجب فعله ، حيث يتدخل الناس بسرعة في المواقف الواضحة رغم وجود آخرين .

إسقاط التجربة على المجتمع الأردني :

في الشارع الأردني ، قد نلاحظ أحيانًا تجمهر الناس حول حادث سير دون تقديم مساعدة سريعة أو إسعاف أولي ، ليس قسوةً في قلوب الناس ، بل اعتمادًا على وجود آخرين قد قاموا بالاتصال بالجهات المعنية أو انتظارًا لشخص يبادر أولًا .

ماذا نتعلم ؟

أحيانًا لا يكون سبب عدم المساعدة هو غياب التعاطف ، بل غموض الموقف وانتشار المسؤولية وانتظار إشارة من الآخرين .

​7   ) تجربة التنافر المعرفي :

ليون فستنغر وجيمس كارلسميث / جامعة ستانفورد / كاليفورنيا / 1959 م

​اختبرت التجربة ما يحدث عندما يجبر الإنسان على القيام بشيء يتعارض مع رأيه الداخلي مقابل مكافأة ضئيلة ، حيث وجد الباحثان أن من حصلوا على مكافأة قليلة غيروا تقييمهم الداخلي للمهمة ليصبح متوافقًا مع ما قالوه لتقليل التناقض .

نظرة العلم الحديث :

ترتبط ظاهرة التنافر المعرفي بنشاط الدماغ في مناطق اكتشاف التعارض واتخاذ القرار لمعالجة حالة الانزعاج الداخلي وإعادة التنظيم .

إسقاط التجربة على المجتمع الأردني :

كثيراً ما نرى مواقف في العمل أو المجالس العامة يضطر فيها الفرد مجاملةً إلى مدح قرار أو فكرة لا يقتنع بها داخليًا ، ثم نجده بعد فترة يبرر ذلك القرار ويدافع عنه بشدة لإقناع نفسه بأنه لم يكن منافقًا أو مخطئًا في موقفه .

ماذا نتعلم ؟

أحيانًا لا نغير سلوكنا لكي يتوافق مع أفكارنا ، بل نغير تفسيرنا للواقع حتى نستطيع التعايش مع سلوكنا .

​8   ) تجربة العجز المتعلم :

مارتن سليغمان وستيفن ماير / الولايات المتحدة / 1967 م

​بحثت هذه التجربة تأثير التعرض لمواقف مؤلمة لا يمكن التحكم فيها ، وأثبتت أن الكائن الحي الذي يتعلم أن أفعاله بلا نتيجة يتوقف عن المحاولة حتى عند توفر فرصة حقيقية للهروب .

نظرة العلم الحديث :

تؤكد الأبحاث أهمية [ " السيطرة المتعلمة " ] ودور القشرة الجبهية في تنظيم الاستجابة للضغط ومواجهة التحديات .

إسقاط التجربة على المجتمع الأردني :

تظهر آثار العجز المتعلم بوضوح لدى بعض الشباب المتعطلين عن العمل في الأردن بعد محاولات عديدة غير ناجحة في الحصول على وظيفة ، حيث يتولد لديهم شعور بالإحباط واليأس التام يتسبب في توقفهم عن محاولة تطوير مهاراتهم أو البحث البديل .

ماذا نتعلم ؟

أخطر ما يمكن أن يتعلمه الإنسان ليس الفشل المؤقت ، بل الاعتقاد بأن المحاولة لا معنى لها .

​9   ) تجربة الإشراط الإجرائي :

بورهوس فريدريك سكينر / جامعة هارفارد / الولايات المتحدة / ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين

​أراد سكينر معرفة كيف يتغير السلوك بناءً على نتائجه باستخدام صندوق سكينر والتعزيز بالمكافأة ، وأثبت أن السلوك الذي يعقبه تعزيز يزداد تكرارًا ، بينما ينخفض السلوك الذي يفقد نتائجه المحفزة .

نظرة العلم الحديث :

أضاف علم الأعصاب تفسيرات بيولوجية مرتبطة بدوائر الدوبامين والمكافأة وتوقع النتائج .

إسقاط التجربة على المجتمع الأردني :

في المدارس والجامعات الأردنية ، نجد أن تعزيز المعلم أو الأستاذ الجامعي للطلبة المتميزين بالثناء والتقدير يرفع من دافعيتهم وإنجازهم الأكاديمي بشكل ملحوظ مقارنة بالإهمال المنهجي .

ماذا نتعلم ؟

إذا أردت تغيير سلوك ما ، فلا تنظر إلى السلوك وحده ، بل انظر إلى ما يحدث بعده لأن النتيجة هي التي تحافظ عليه .

​10   ) تجربة الامتثال الاجتماعي والتعلم من الجماعة :

فاسيلي كلوتشاريف وزملاؤه / هولندا / 2009 م

​استخدم الباحثون التصوير بالرنين المغناطيسي لدراسة ما يحدث في الدماغ عندما يختلف رأي الفرد عن رأي المجموعة ، فوجدوا أن الدماغ يستخدم رأي الآخرين كإشارة لتحديث توقعاته واتخاذ قراراته .

نظرة العلم الحديث :

تربط هذه الدراسات علم النفس الاجتماعي بعلم الأعصاب ونماذج التعلم بالتعزيز .

إسقاط التجربة على المجتمع الأردني :

في اتجاهات المستهلكين بالأسواق الأردنية أو اختيار التخصصات الجامعية ، يتأثر الأفراد بآراء الجماعة والمحيط الاجتماعي والمنصات الرقمية ، بحيث يصبح الرأي السائد معيارًا يُبنى عليه القرار الشخصي .

ماذا نتعلم ؟

الإنسان لا يتعلم من تجاربه الخاصة فقط ، بل يعتمد على آراء ومواقف الجماعة كمعلومة أساسية في اتخاذ القرار .

​:

​التجارب العشر مجتمعة تؤكد أن السلوك الإنساني ليس بمعزل عن البيئة والسلطة والمجتمع والدماغ . وفهم هذه التجارب لا يعني إطلاق الأحكام الجاهزة على الأفراد ، بل يمنحنا رؤية عميقة لمعرفة أسباب تصرفاتنا ، ومتى يمكن للإنسان أن يتغير نحو الأفضل بالبيئة السليمة والوعي المستمر .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1   ) ستانلي ميلغرام : الطاعة للسلطة ، دراسة تجريبية ، دار هاربر آند رو ، 1974 م .
  3. 2   ) سولومون آش : دراسات الاستقلال والامتثال لضغط الجماعة ، مجلة علم النفس غير الطبيعي والاجتماعي ، 1956 م .
  4. 3   ) ألبرت باندورا وآخرون : انتقال العدوان من خلال تقليد النماذج العدوانية ، مجلة علم النفس غير الطبيعي والاجتماعي ، 1961 م .
  5. 4   ) إدوارد ترونيك وزملاؤه : استجابة الرضيع للوقوع بين رسائل متناقضة في التفاعل ، مجلة أكاديمية طب نفس الطفل والمراهق ، 1978 م .
  6. 5   ) جون دارلي وبيفلي لاتاني : تثبيط الجماعة للتدخل في حالات الطوارئ ، مجلة الشخصية وعلم النفس الاجتماعي ، 1968 م .
  7. 6   ) ليون فستنغر وجيمس كارلسميث : النتائج المعرفية للامتثال القسري ، مجلة علم النفس غير الطبيعي والاجتماعي ، 1959 م .
  8. 7   ) مارتن سليغمان وستيفن ماير : الفشل في الهروب من الصدمة المؤلمة ، مجلة علم النفس التجريبي ، 1967 م .
  9. 8   ) بورهوس سكينر : سلوك الكائنات الحية ، تحليل تجريبي ، منشورات أبليتون سنتوري ، 1938 م .
  10. 9   ) فيليب زيمباردو وآخرون : دراسة سلوك الأفراد في بيئة سجن محاكاة ، المجلة الدولية لعلم الجريمة وعلم العقوبات ، 1973 م .
  11. 10   ) فاسيلي كلوتشاريف وزملاؤه : إشارة التعلم بالتعزيز تتنبأ بالامتثال الاجتماعي ، مجلة نيورون ، 2009 م .