تُعد ظاهرة التدخين بين طلاب المدارس في الأردن تحدياً تربوياً خطيراً ، يتطلب تكاتفاً مجتمعياً وأسرياً للوقاية منه وعلاجه .

ظاهرة التدخين بين طلاب المدارس في الأردن : ناقوس خطر في بيئتنا التربوية

​بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتعدد التحديات الاجتماعية ، تبرز بين الحين والآخر ظواهر سلبية تهدد نسيجنا التربوي والأخلاقي في مدارسنا الأردنية ، وتلقي بظلالها الثقيلة على مستقبل أجيالنا الناشئة . ولعل من أبرز هذه الظواهر وأشدها خطورة في الميدان التربوي الأردني ، ظاهرة ( التدخين بين طلاب المدارس ) ، والتي باتت تشكل هواجس قلق وطنية تؤرق مضاجع التربويين وأولياء الأمور والمؤسسات الرسمية والأهلية في مختلف المحافظات والمديريات على حد سواء .

​يُعتبر التدخين من أبرز العادات السيئة التي تهدد صحة الأفراد والمجتمعات ، وهو من الممارسات الخطيرة التي تنتشر بشكل مقلق وواسع بين فئة المراهقين ، لا سيما في البيئة المدرسية . ورغم التحذيرات الطبية والاجتماعية المستمرة والدراسات التحذيرية والدعوات الإصلاحية التربوية التي تؤكد أهمية التحصين الأخلاقي والذاتي للنشء ، لا يزال كثير من الطلاب ينخدعون بصورة زائفة للتدخين مرتبطة بالرجولة أو التمرد ، دون إدراك لحجم الأضرار الصحية والنفسية والاجتماعية والدينية المترتبة عليه .

​فالمدرسة الأردنية ، التي طالما كانت حصناً تربوياً آمناً وبيئة حاضنة للعلم والأخلاق ، باتت تواجه تحدياً كبيراً يتمثل في اختلاط الفئات العمرية وتقارب المراحل الدراسية في بعض الأبنية المدرسية المستأجرة أو المكتظة ، مما يسهل انتقال مثل هذه السلوكيات السلبية من الطلبة الأكبر سناً ( في مرحلتي التعليم الأساسي الأعلى والثانوي ) إلى الأصغر غضاً وغفلة . والأمر الذي يضاعف من حدة القلق في واقعنا المحلي هو التحول النوعي في طبيعة المواد المستخدمة ، إذ لم يعد الأمر مقتصراً على السجائر التقليدية ، بل غدت ( السجائر الإلكترونية ) ( الفيب ) تحتل صدارة المشهد في جيوب طلبتنا داخل الغرف الصفية ، بما تمتاز به من تصاميم مضللة تشبه الأدوات المدرسية وأجهزة الفلاش ميموري ، وأشكال ونكهات جذابة تسلل خفية إلى حقائب الطلبة في مدارسنا الحكومية والخاصة على حد سواء ، بل وامتدت لتطال أيدي الطالبات في بعض الأحيان ، متجاوزة بذلك الاعتبارات المرتبطة بالنوع الاجتماعي والتقاليد المجتمعية الأردنية .

​أسباب تدخين المراهقين في الميدان الأردني :

​تشير الدراسات النفسية والتربوية والطبية المحكمة إلى أن تفاقم هذه الظاهرة في البيئة المدرسية لا يحدث بمعزل عن سياقات نفسية واجتماعية وبيئية حرجة ، ومن أبرز أسبابها وفق ما تؤكده الأدبيات المتخصصة في صحة المراهقين :

​1 ) السن الحرجة وبدايات التجربة المبكرة : تؤكد التقارير العلمية أن غالبية المراهقين المدخنين يجرّبون التدخين للمرة الأولى في مرحلة مبكرة حرجة ( في حدود سن 12 إلى 13 عاماً ) ، وهي مرحلة الانتقال إلى الصفوف الأساسية العليا وما يصاحبها من فضول وحب تجربة الأشياء الجديدة والاستعجال في تقمص أدوار الكبار .

​2 ) الجاذبية الخادعة للسجائر الإلكترونية وسهولة اقتنائها : حيث أدى انتشار بيعها في العديد من المحال التجارية المحيطة بالمدارس ، وسهولة إخفائها بتصاميم تشبه المستلزمات المدرسية وتنوع نكهاتها ، إلى جعلها مقبولة ومتاحة بصورة مدهشة لدى طلبة المدارس .

​3 ) التصدع الأسري والظروف المحيطة : كغياب الروابط الأسرية المتينة ، أو النزاعات الأسرية المستمرة وانفصال الأبوين ، أو الإهمال وضعف التوعية في الأسرة والمدرسة والافتقار إلى الدفء العاطفي والتوجيه الواعي ، مما يترك الطالب الأردني عرضة لصراع نفسي وعزلة تدفعه نحو الانحراف تعبيراً عن الاحتجاج أو الهروب من واقع الضغوط الدراسية ومشتتات العصر .

​4 ) الضغط الاجتماعي ومحاكاة الأقران ( رفاق السوء ) : وتأثر الطالب بسلوكيات أقران من نفس الفئة العمرية والرغبة في الانتماء إلى مجموعة المدخنين والتقليد الأعمى ، وخشية الطالب من التعرض للتنمر أو الاستهزاء بين زملائه ، وسعيه المحموم لإثبات ( الرجولة ) أو التخفيف الوهمي للضغوط النفسية والاكتئاب والخوف المرتبط باختبارات الثانوية العامة ( التوجيهي ) أو المراحل الأساسية الحرجة .

​5 ) التأثر بالإعلام : التأثر بالإعلانات أو المشاهد في وسائل الإعلام المختلفة ووسائل التواصل الاجتماعي التي تُظهر التدخين بشكل إيجابي وجذاب .

​6 ) فرط المال دون توجيه ( المصروف اليومي ) : تزويد بعض الأبناء بمبالغ مالية كبيرة تفوق الحاجة الفعلية دون متابعة من الأسرة ، مما يسهل عليهم اقتناء هذه المنتجات واختلاق الأماكن السرية لتعاطيها ، كدورات المياه في المدارس أو خلف الأسوار والساحات الخلفية المدرسية .

​7 ) القدوة السلبية في الأسرة : في ظل ارتفاع نسب التدخين عموماً في المجتمع الأردني ، ونشأة الطالب في بيئة أسرية يعتاد فيها رؤية والديه أو أحدهما مدخناً ( إذ يُعد الآباء القدوة الأساسية الأولى وغياب حاجز الرفض ) ، مما يسقط حاجز الرهبة ويرسخ الشرعية المزيفة لهذا السلوك .

​مضار التدخين على المراهقين والبيئة المدرسية :

​لا تقف أضرار التدخين في المدارس الأردنية عند حدود التأثيرات الصحية والفردية المباشرة ، بل تمتد لتلقي بظلالها على الواقع النفسي والتعليمي والأخلاقي :

​أولاً : المضار الصحية والعقلية :

​تأخر نمو الرئتين ، وانخفاض السعة الحيوية للرئتين ، وزيادة معدلات التهابات الجهاز التنفسي العلوي والعدوى البكتيرية والفيروسية ، وزيادة فرص الإصابة بأمراض القلب والرئة .

​تأخر النمو الجسدي والعقلي وضعف التركيز والذاكرة ، مما يؤثر سلباً على التحصيل الدراسي للطلاب .

​مخاطر الإدمان المبكر على النيكوتين والتي تحذر منها الأدبيات الطبية باعتبار التدخين ( بوابة رئيسية ) نحو أنواع أخرى من تعاطي المخدرات والآفات المدمرة .

​ثانياً : المضار النفسية والسلوكية :

​زيادة التوتر والقلق والاكتئاب والإدمان على النيكوتين .

​ارتفاع احتمالية الانجراف إلى تعاطي المخدرات والسلوكيات المنحرفة نتيجة رفاق السوء .

​ثالثاً : المضار الاجتماعية والتعليمية على بيئتنا المدرسية :

​تدني الأداء المدرسي والغياب المتكرر والتسبب بمشاكل سلوكية والانضباطية داخل المدرسة .

​التأثير السلبي على زملائهم من خلال العدوى السلوكية وانتقال العادة السيئة بين الطلبة .

​اهتزاز هيبة المدرسة كمؤسسة تعليمية وتربوية حاضنة للأخلاق والعلم .

​ضعف القدوة الحسنة عند رؤية بعض الطلبة أو حتى العاملين يمارسون هذه العادة داخل الأسوار المدرسية .

​سبل الوقاية والعلاج في المدارس الأردنية :

​إن مواجهة هذا التحدي في واقعنا التربوي الأردني تتطلب تكاتفاً حقيقياً ومنهجياً بين وزارة التربية والتعليم ومؤسسات المجتمع المحلي ، ويقوم على محاور أساسية :

​1 ) دور الأسرة الأردنية : يبدأ من التحصين القيمي والديني ، والاعتراف بشجاعة بالخطأ في حال كان الأبوان مدخنين والإقلاع عن هذه العادة أمام الأبناء لتكون القدوة سليمة ، إضافة إلى توفير بيئة أسرية دافئة ومستقرة تسودها الحوارات المفتوحة والمتابعة والتوجيه المستمر ، والمراقبة الذكية دون تفتيش مرضي ينفر الأبناء ، والاعتدال في المصروف وشغل الفراغ بالأنشطة والنوادي الصيفية والرياضية المنتشرة في المملكة .

​2 ) دور المدرسة الأردنية : تفعيل دور المرشد التربوي والإخصائي النفسي في المدارس لمعالجة المشكلات السلوكية والنفسية ومشاعر الاكتئاب لدى المراهقين ، وإقامة الندوات والمحاضرات التوعوية المكثفة ( مع التركيز على التوعية الصحية المبكرة منذ المراحل الابتدائية ) بالتعاون مع مديريات الصحة والأمن المجتمعي ، وتشجيع المبادرات الطلابية الإيجابية ، وتعزيز الثقة بالذات عبر مسابقات ( الطالب المثالي ) ، وتوفير دعم نفسي الاجتماعي للطلاب المدخنين ، واعتماد مقاربة إصلاحية تربوية وعلاجية تراعي نفسية المراهق ولا تقف عند حدود العقاب الأعمى أو الفصل المدرسي .

​3 ) الأنشطة البديلة : تشجيع الأنشطة الرياضية والبرامج اللامنهجية البديلة التي تبني الثقة بالنفس وتفرغ طاقات الشباب بشكل إيجابي .

​4 ) المنظومة العامة وإنفاذ القوانين الوطنية : تفعيل التشريعات والقوانين الأردنية الصارمة التي تمنع بيع التبغ ومنتجاته ( بما فيها الفيب ) لمن هم دون السن القانوني ، وفرض قوانين صارمة تمنع التدخين في المدارس ومحيطها ، ورفع الضرائب والقيود على منتجات التبغ ، وتشديد الرقابة الميدانية من الجهات الرسمية المعنية على المحال التجارية والبقالات المحيطة بالأسوار المدرسية في مختلف مناطق المملكة .

​التدخين آفة مدمّرة يجب محاربتها بوعي مجتمعي وتعاون فعّال بين الأسرة والمدرسة . فالمراهق هو نواة المجتمع المستقبلية ، وإنقاذه من هذه العادة يساهم في بناء جيل صحي ، واعٍ ، ومنتج .

​ومن هنا ، تصبح مسؤوليتنا الجماعية هي حماية شبابنا من الوقوع في هذا الخطر ، لتبقى بيئتنا المدرسية الأردنية بيئة نقية وسوية ، ولنضيء درب الأحفاد بوعي الأجداد وسواعد المخلصين من أبناء هذا الوطن الغالي .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1 ) منظمة الصحة العالمية ( WHO ) : التقارير الدورية حول مكافحة التبغ واستخدام المنتجات الجديدة بين فئات الشباب والمراهقين .
  3. ​2 ) وزارة التربية والتعليم الأردنية : الأدلة الإرشادية واللوائح التربوية الخاصة بالصحة المدرسية وبرامج التوجيه والإرشاد النفسي .
  4. ​3 ) الدراسات النفسية والتربوية المحكمة في صحة المراهقين : الأبحاث المتخصصة في دراسة السلوكيات العرضية ومحاكاة الأقران وتأثير البيئة الأسرية والمدرسية في المجتمع الأردني والعربي .
  5. ​4 ) الأدبيات الطبية والوقائية : التقارير الصادرة عن المديريات المعنية بمكافحة الأمراض ومجابهة آفة التدخين والسجائر الإلكترونية بين طلبة المراحل الأساسية العليا والثانوية .