يستعرض المقال تاريخ مسلسل الرسوم المتحركة الخالد توم وجيري ومحطاته الفنية وأسباب خلوده المستمر .

​حكاية القط والفأر الأخلد في تاريخ التلفزيون : رحلة في عالم " توم وجيري "

بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​عندما تصبح المطاردة فناً :

​قليلون هم من لم ينمو أو يستيقظوا على أصوات المطاردات الشهيرة ، والصراخ المكتوم ، والضحكات الصامتة التي تملأ الشاشات منذ عقود . إنه مسلسل الرسوم المتحركة الخالد " توم وجيري " ( Tom and Jerry ) ، الأيقونة التي تجاوزت حدود الزمن والثقافات لتصبح جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة الإنسانية العالمية . لقد مضى على ظهور أول حلقة من حلقات توم وجيري ستة وثمانون عاماً ( 86 عاماً ) من الإبداع المتجدد ، إذ لم يكن هذا العمل مجرد كرتون أطفال عابر ، بل كان لوحة فنية حية ، ومسرحاً كوميدياً صامتاً يعيد إحياء فنون الكوميديا الكلاسيكية ( Slapstick ) بأبهى صورها ، جامعاً الملايين حول شاشات التلفزيون عبر أجيال متتالية .

​تدور قصة المسلسل الكرتوني الشهير حول صراعات ومطاردات كوميدية لا تنتهي بين قط منزلي يُدعى " توم " وفأر ذكي ومشاغب يُدعى " جيري " . ويمثل هذا الصراع الدائم في عمقه الرمز الأبدي بين الخير والشر ، والصواب والخطأ ، والحق والباطل ، كما أشار النقاد والمتابعون عبر التاريخ .

​1 ) البداية والتأسيس : كيف وُلد الصديقان اللدودان لإنقاذ الاستوديو ؟

​يعود الفضل في ابتكار هاتين الشخصيتين الأسطوريتين إلى الثنائي العبقري ويليام هانا ( William Hanna ) و جوزيف باربيرا ( Joseph Barbera ) ، اللذين عملا تحت مظلة استوديوهات " مترو غولدوين ماير " ( MGM ) في العصر الذهبي للرسوم المتحركة الأمريكية ، حيث وُلد المسلسل في الأصل كحاجة ماسة لإنقاذ الشركة من كارثة مالية محتملة في ثلاثينيات القرن العشرين .

​الظهور الأول ( 1940 م ) : عُرضت الحلقة الأولى في 10 فبراير 1940 م بعنوان " Puss Gets the Boot " ( القط يحصل على ركلة ) .

​تغيير الأسماء : في بدايتهما الأولى ، لم تكن الأسماء هي " توم وجيري " ؛ بل أُطلق على القط اسم " جاسبر " ( Jasper ) ، بينما كان الفأر يُعرف باسم " جينكس " ( Jinx ) . ولكن بعد نجاح الحلقة الأولى وترشيحها لجائزة الأوسكار ، أُجريت مسابقة داخل الاستوديو لاختيار أسماء جديدة ، فاستقر الرأي على " توم وجيري " وهما اسمان شائعان آنذاك .

​طبيعة الصراع المبكر : تحاول الشخصيتان تجسيد صراع القط والفأر الكلاسيكي ، حيث يحاول توم باستمرار الإمساك بجيري بأفكار ومكائد مختلفة ( غالباً بأوامر من صاحبة المنزل ) ، لكن جيري يتمكن دائماً بفضل ذكائه ومكره من الإفلات منه ، وإيقاع توم في المقالب وكسر أثاث المنزل وتحويل الحلقات إلى كوليمة من المواقف المضحكة والمستفزة .

​النجاح الساحق : ابتكر الثنائي هانا وباربيرا نمطاً فريداً يعتمد على الحركة السريعة ، والموسيقى التصويرية التعبيرية البارعة ، وغياب الحوارات الطويلة ، وهو ما منح المسلسل طابعاً عالمياً لا يحتاج إلى ترجمة لفهمه .

​2 ) العصور الذهبية والتطور الفني : ( عصر هانا وباربيرا وبعده )

​مرّ المسلسل بمحطات إنتاجية عديدة عبر تاريخه الطويل ، انعكست على أسلوبه الفني ومضمون أجزائه :

​1 ) عصر هانا وباربيرا ( 1940 – 1958 م ) : وهو العصر الذهبي الحقيقي والأكثر شهرة وتقديراً ، حيث حصدت الحلقات المصنوعة خلال هذه الفترة 7 جوائز أوسكار عن فئة " أفضل فيلم رسوم متحركة قصير " ، وهو إنجاز تاريخي غير مسبوق لسلسلة رسوم متحركة .

2 ) فترة جين ديوتش ( 1961 – 1962 م ) : بعد إغلاق استوديو MGM للرسوم المتحركة ، أُعيد إحياء السلسلة في استوديو بـ " براغ " ( تشيكوسلوفاكيا سابقاً ) بقيادة المخرج جين ديوتش . وتميزت هذه الفترة بطابع سريالي وغريب بعض الشيء ، مع تغييرات ملحوظة في تصميم الشخصيات والخلفيات .

3 ) فترة تشاك جونز ( 1963 – 1967 م ) : تولى المخرج الأسطوري تشاك جونز ( مبتكر " باغز باني " ) مسؤولية إخراج حلقات جديدة . تميزت هذه الفترة بتصميم جديد لتوم ( حواجب أكثر حدة وتعابير وجه مبالغ فيها تشبه القطط البرية ) ونكهة كوميدية مختلفة تميل إلى العبثية .

4 ) العودة للتلفزيون : ( من السبعينيات إلى التسعينيات ) أُنتجت عدة مسلسلات تلفزيونية بواسطة هانا وباربيرا لصالح شبكات ABC ، حيث خففت حدة العنف الكلاسيكي لتناسب معايير الرقابة التلفزيونية الموجهة للأطفال الصغار .

​3 ) الشخصيات الرئيسية : أبعاد أعمق خلف الكوميديا

​توم ( Tom the Cat ) : القط الرمادي الطموح الذي يفشل دائماً في مهمته الأساسية ( القبض على الفأر ) . يتميز بتركيبه المعقد ؛ فهو أحياناً ضحية مظلومة لذكاء جيري المستفز ، وأحياناً أخرى معتدٍ متنمر ، وغالباً ما تظهر " إنسانيته " ورومانسيته أو حتى شعوره بالوحدة حين يبتعد عنه جيري .

​جيري ( Jerry the Mouse ) : الفأر البني الذكي ، الصغير حجماً والكبير مكراً . يقطن عادة في جحره الصغير بالقرب من المطبخ . لا يبادر بالشر غالباً ، بل يعتمد على الدفاع عن نفسه وممتلكاته ، ويمتلك قدرات استثنائية على الإيقاع بتوم في مقالب مدمرة .

​الشخصيات الثانوية المؤثرة :

​سبايك ( Spike ) : الكلب الشرس ذو البنية القوية والقلب الطيب أحياناً ، والذي غالباً ما يقع توم ضحية لمضايقاته العرضية أو إزعاجه له ولمبناه الصغير .

​مام غو شو ( Mammy Two Shoes ) : ربة المنزل السمراء التي لم تكن تُرى إلا من أسفل قدميها في الحلقات الكلاسيكية ، والتي كانت تمثل رمزاً لسلطة المنزل والصرامة .

​نيبلز / تافيز ( Nibbles / Tuffy ) : الفأر الرمادي الصغير الصامت أو كثير الأكل ، الذي يورط جيري في مشاكل إضافية .

​4 ) السر الكامن وراء الخلود : لماذا يعشق العالم " توم وجيري " ؟

​تستمد هذه السلسلة عبقريتها وقدرتها على البقاء من عدة عناصر أساسية :

​الكوميديا الجسدية الخالصة : ( Slapstick ) الاعتماد على الحركة البحتة ، والتصادمات العنيفة المبالغ فيها التي لا ينتج عنها موت حقيقي ( مثل تسطيح توم كإسفنجة ، أو تحوله إلى مكعب ثلج ) ، مما يجعل العنف هنا كاريكاتيرياً وغير مؤذٍ واقعياً .

​الموسيقى التصويرية كبطل خفي : لعب الموسيقار سكوت برادلي ( Scott Bradley ) دوراً عبقرياً في دمج الموسيقى الكلاسيكية والجاز مع أحداث الحركة لحظة بلحظة ، بحيث كانت الألحان تعبر عن مشاعر الشخصيات وحركاتها دون الحاجة لأي كلمة .

​ديناميكية " العدو الحبيب " : على الرغم من محاولات التخلص المستمرة من بعضهما ، إلا أن الحلقات كثيراً ما كانت تظهر تعاطفاً خفياً أو تحالفاً مؤقتاً بين توم وجيري حين يواجهان خطراً مشتركاً ، مما يضفي عمقاً إنسانياً فريداً على العلاقة .

​5 ) النقد والجدل : مراجعات العرض المعاصر والتنقية التاريخية

​مثل أي عمل فني عريق أُنتج في منتصف القرن العشرين ، واجه " توم وجيري " نصيبه من التعديلات والمراجعات النقدية في العصور الحديثة ليتناسب مع متطلبات العرض العالمي :

​مشاهد العنف : اتُهم المسلسل في بعض الأحيان بتشجيع الأطفال على العنف الجسدي المبالغ فيه ، مما دفع بعض المحطات عبر العقود لتعديل أو تخفيف عرض بعض اللقطات .

​الصور النمطية التاريخية وتطور العرض : مع مرور ستة وثمانين عاماً على انطلاقة العمل ، حرصت استوديوهات الإنتاج على مراجعة الأرشيف الكلاسيكي وتنقيته ، إذ تضمنت بعض الحلقات القديمة إشارات أو صوراً نمطية عرقية ( مثل شخصية ربة المنزل " مام غو شو " أو التعابير المرتبطة بالأمريكيين الأفارقة في ذلك العصر ) ، وهو ما دفع الجهات الناقلة لاحقاً إلى إضافة تحذيرات توجيهية للمشاهدين البالغين أو تعديل بعض المشاهد عند عرضها على منصات البث الحديثة لضمان توافقها مع المعايير الأخلاقية والمجتمعية المعاصرة .

​إرث لا يُمحى

​يبقى " توم وجيري " أكثر من مجرد كرتون قديم ؛ إنه مدرسة قائمة بذاتها في فن الإضحاك الصامت ، وتحفة إبداعية أثبتت أن البساطة والذكاء الفني قاديران على صنع أعمال تتخطى حاجز اللغات والأزمان . فمنذ أكثر من ستة وثمانين عاماً وحتى يومنا هذا ، ما زال صراع القط والفأر يرسم البسمة على وجوه الأطفال والبالغين على حد سواء ، ليظل توم وجيري شاهداً أبدياً على أن بعض القصص لا تجب أن تنتهي لتبقى خالدة .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1 ) الكتب والمراجع الوثائقية والسينمائية :
  3. ​Maltin , Leonard . Of Mice and Magic : A History of American Animated Cartoons . Revised Ed . Plume , 1987 . ​Barrier , Michael . Hollywood Cartoons : American Animation in Its Golden Age . Oxford University Press , 1999 .
  4. ​2 ) الموسوعات ومواقع أرشيف الرسوم المتحركة :
  5. ​أرشيف استوديوهات مترو غولدوين ماير ( MGM Animation Archives ) . ​موسوعة الرسوم المتحركة العالمية ( The Big Cartoon DataBase - BCDb ) : ملفات بيانات حلقات "توم وجيري" الكلاسيكية ( 1940 – 1967 م ) .
  6. ​3 ) الدراسات النقدية والتاريخية :
  7. ​مقالات ودراسات نقدية منشورة حول تطور الكوميديا الجسدية الكلاسيكية ( Slapstick Comedy ) وتاريخ الرسوم المتحركة في منتصف القرن العشرين .