يؤكد المقال أن حبّ الأم عاطفة أزلية لا تعرف الشيخوخة ؛ لأنها تستمد بقاءها من التجرد المطلق ، والاحتواء غير المشروط ، والوفاء الخالد الذي يضيء دروب الحياة .
بقلم : الاستاذ قيصر صالح الغرايبه
في زحام الحياة وتتابع الأيام ، تتغير ملامح كل شيء حولنا ؛ فتتبدل الأماكن ، وتهرم الأجساد ، وتتوارى وجوه كثيرة خلف غبار السنين ، غير أن هناك حقيقة واحدة تأبى الخضوع لقانون الزمن أو التراجع أمام عواصف الأيام : إنه حب الأم . ذلك العطاء النقيّ الذي وُلد مع الفطرة الأولى للبشرية ، وظل عصيّاً على الشيخوخة ، نابضاً بالحياة كأنّه صُمم ليخلد في ذاكرة الوجود . إن عاطفة الأمومة ليست شعوراً عابراً ينتهي بانتهاء مرحلة الطفولة ، بل هي طاقة روحية فريدة تتجدد مع كل نبضة قلب ، وتكبر مع اتساع آفاق الابن لترافق خطاه في كل مراحل العمر .
فلسفة الأمومة العابرة لحدود الزمان والمكان :
حين نتأمل في كنه حب الأم ، ندرك أنه يتجاوز كل الأطر المادية والمعايير الأرضية ، فهو شعور مطلق لا تقيده مسافات ولا تحده شروط :
1 ) التجرد المطلق : تقدم الأم حبها وعطاءها دون انتظار لمقابل أو أجر ، بل إن أقصى ما تبتغيه هو أن ترى ثمرة فؤادها في أمان وسلام ، متجاوزة كل حسابات الربح والخسارة البشرية .
2 ) الاحتواء غير المشروط : تظل قلوب الأمهات واحة وريفة تفيض بالدفء والقبول مهما بلغت أعمار الأبناء أو كثرت أخطاؤهم ، فهي الملجأ الذي لا يغلق أبوابه في وجه أحد .
جذور العطاء الممتد في الوجدان الإنساني :
إن المتأمل في التاريخ البشري يرى بوضوح أن الأمهات كن دائماً مصباح الإنسانية الأول ونبضها الذي لا ينقطع :
1 ) الصبر والتحمل : تقف الأم صخرة صلبة أمام صعاب الحياة ، تذوب هي لكي يضيء درب أبنائها ، وتتحمل مرارة العيش بحلو الصبر وجميل التوكل دون شكوى أو تذمر .
2 ) التربية والقدوة : ليست الأم مربية بالقول فحسب ، بل هي مدرسة متكاملة تصنع القيم وتنبت الفضائل في نفوس الأجيال بحنانها الواعي وحكمتها الفطرية التي توارثتها الجيلاً بعد جيل .
لماذا لا يشيخ حب الأم أبداً ؟
يتساءل البعض عن السر الذي يجعل حب الأم منيعاً ضد الفناء أو النسيان ، والجواب يكمن في طبيعة هذا الحب الإلهي الخالص الذي يستمد بقاءه من منابع أزلية :
1 ) مدد الروح المتجدد : بينما تذوي المشاعر العادية بمرور الزمن ، يغتذي حب الأم من معين السماء الطاهر ، مما يجعله متوهجاً حتى آخر نفس في الحياة .
2 ) الأثر الباقي في الذاكرة : تبقى كلمات الأم ودعواتها الصادقة طوق نجاة يحمي الإنسان طوال مسيرته ، وكأن بركتها تمتد عبر الزمن لترسم معالم السعادة والتوفيق في كل خطوة .
في نهاية المطاف ، يظل حب الأم الحصن الأمني الأخير الذي يلجأ إليه الإنسان حين تعصف به رياح الغربة والشقاء . إنه النور الذي لا ينطفئ والنبض الذي لا يشيخ ، ويكفي المرء فخراً واعتزازاً أن يحمل في أعماقه هذا الأثر العظيم الذي يعلمنا معنى الحياة الحقيقية والوفاء الخالد .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.