يُبين المقال كيف جمع القرآن الكريم بين غاية الاستخلاف والعبادة وبين توظيف الأدوات والوسائل المادية لعمارة الأرض وبناء الإنسان المتوازن .
أدوات العيش والتعمير المادية ووسائل الإنسان وصناعاته المعاشية في القرآن الكريم
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
حين يتجلى الإعصار الرباني في خلق الإنسان ، فإن الهدف الأسمى من الحياة في القرآن الكريم لا يرتسم إلا بوصفه رحلة عبادة لله وحده وتحقيق معرفته ، باعتبار الحياة الدنيا مزرعة للآخرة وممرًا لا مقرًا . ويتمثل ذلك جلياً في طاعة الله ، عمارة الأرض بالعدل والإحسان ، الاستقامة على نهجه القويم ، والتقرب إليه بالأعمال الصالحة التي تحفظ الكرامة الإنسانية ، استجابة لقوله تعالى في محكم التنزيل : ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَلِإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) [ الذاريات : 56 م ] .
ولم تكن " الأدوات والوسائل المادية " في المنظور القرآني قط مقطوعة الصلة عن هذه الغاية الكبرى ، بل جاءت لتشكل أدوات تسخير إلهي وعلامة بارزة على قدرة العقل البشري المبدع الذي أودع الله فيه سر التعلم والابتكار ؛ قال تعالى معرّفاً بنعمته الكبرى : ( وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) [ الجاثية : 13 م ] . وإزاء هذا الفيض ، تتوزع أبعاد الوجود الإنساني ووسائل عيشه في النسق القرآني عبر محاور واسعة ومفصلة تجمع بدقة متناهية بين الغاية العقدية والوسيلة الحضارية :
أولاً : محاور الهدف والغاية من الحياة في القرآن الكريم :
يقوم الوجود الإنساني على غايات كبرى ومقاصد تشريعية وحضارية تتجاوز الانتفاع المادي المؤقت :
1 ) العبادة الشاملة : لا تقتصر على الشعائر التعبدية المحضة من صلاة وصيام ، بل تشمل كل فعل نافع وعمل صالح يقصد به وجه الله وإصلاح الكون .
2 ) عمارة الأرض : استصلاح الأرض وبناء الحضارة واستغلال مواردها بحكمة وعدل بما ينفع البشرية جمعاء ، امتثالاً لقوله تعالى : ( هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعَمَرَكُمْ فِيهَا ) [ هود : 61 م ] .
3 ) الابتلاء والعمل : الحياة دار امتحان واختبار مستمر لتحديد من أحسن عملاً وأخلص طاعة ، وليست دار بقاء أبدي ، قال تعالى : ( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ) [ الملك : 2 م ] .
4 ) الاستقامة والتقوى : جعل الحياة الدنيا وسيلة منضبطة لتحقيق رضا الله والنجاة في الآخرة مع حفظ التوازن الدقيق بين مطالب الروح والجسد : ( وَابْتَغِ فيما آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ) [ القصص : 77 م ] .
5 ) توحيد الوجهة : أن تكون حركة الإنسان كله وسعيه وخطواته موجهة خالصة لله رب العالمين : ( قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أول الْمُسْلِمِينَ ) [ الأنعام : 162 - 163 م ] .
ثانياً : الأدوات والآلات المادية وقوام المعاش واستصلاح الأرض :
لتنفيذ غاية الاستخلاف والعمارة البشرية ، أشار القرآن الكريم إلى منظومة واسعة من الأدوات والآلات المادية والوسائل المعيشية التي طوعها الإنسان في حياته اليومية والصناعات الحرفية والقتال والترحال :
1 ) أدوات الزراعة والري والبيئة المنزلية : كالمحراث والثيران التي تثير الأرض لتمهيدها للزرع وإنبات القوت ، وكقوله تعالى في وصف البقر العاملة : ( لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا ) [ البقرة : 71 م ] ، فضلاً عن الآبار والعيون والسواقي لاستخراج المياه الجوفية ، والأدوات المنزلية المتنوعة مثل الإبريق ، والكأس ، والدلو المنزلي ، والتنور لصناعة الخبز ، والنمرقة ( الوسادة ) ، والفراش المبثوث .
2 ) أدوات البناء والعمارة وصناعة السفن والهندسة : مثل الطين المحروق ( الآجر ) ، وصروح البناء العالية ، والصخور والجبال المنحوتة التي أبدعها قوم ثمود في الوادي : ( وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ ) [ الشعراء : 149 م ] ، ومحاور صناعة السفن البحرية كالفلك العظيمة وسفينة نوح عليه السلام التي صُنعت بالخشب والألواح ودسر التثبيت ( المسامير ) : ( وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ ) [ القمر : 13 م ] ، والهندسة المعمارية العملاقة كسد ذي القرنين المدعوم بكتل الحديد والنحاس المذاب : ( آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا ) [ الكهف : 96 م ] ، بالإضافة إلى الخيمة ، والحبل ، والعمود ، الوتد ، الباب المحكم ، المفتاح ، والزجاج الصافي .
3 ) أدوات القياس والكيل والتبادل : كالميزان الدقيق ، والقسطاس المستقيم ، والصاع المعياري لإقامة العدل التام في المعاملات اليومية والتبادل التجاري وحفظ الحقوق والذمم المالية ، قال تعالى : ( وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ) [ الرحمن : 9 م ] ، وقوله : ( أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين * وزنوا بالقسطاس المستقيم ) [ الشعراء : 181 - 182 م ] .
4 ) أدوات الكتابة والتدوين والمعرفة والعلم : كالقلم الذي أقسم الله به شرفاً وتعظيماً لقيمته المعرفية والحضارية ( وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ) [ القلم : 1 م ] ، والقرطاس ( الورق المكتوب ) ، واللوح المحفوظ ، ورق الرقق والجلد الممهد ، والصحف المبثوثة والمكتوبة لحفظ العلوم والعهود والمواثيق : ( فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ ) [ عبس : 13 - 14 م ] .
5 ) أدوات الحرب والدفاع وصناعة الحديد : مثل الدروع الواقية والسبابغات ( اللبوس الحربي ) التي صُنعت بحنكة هندسية لتقي المقاتلين بأس الحروب والضربات ، قال تعالى في قصة داود عليه السلام وتطوير الصناعات العسكرية : ( وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ ) [ الأنبياء : 80 م ] ، وقوله عن إذابة الحديد لداود : ( وَأَلَنَّلَا لَهُ الْحَدِيدَ * أَن اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ ) [ سبأ : 10 - 11 م ] ، إضافة إلى الرمح ، السكين الحادة ، السلاح بمختلف أنواعه ، القوس والسهام ، العصا المتعددة الاستخدامات ، التابوت المقدّس ، البوق ، والمسمار .
6 ) رموز ومقتنيات معيشية وملوكية أخرى : كالسوار المصنوع من الذهب أو الفضة ، السوط المستخدم للتأديب أو التوجيه ، العرش العظيم للملك ، الكرسي الفخم ، الأنصاب ، والأزلام .
ثالثاً : ركائز وأدوات الحياة المعنوية والمنهجية وفقه الوجود :
تتكامل الأدوات المادية مع المنظومة المعنوية والأخلاقية لبناء الإنسان المتوازن :
1 ) التقوى والمخرج المعيشي : جعل الله التقوى والإيمان الصادق أداة روحية ومادية عظيمة للنجاة من الأزمات وتيسير سبل الرزق الواسع من حيث لا يحتسب الإنسان : ( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ) [ الطلاق : 2 - 3 م ] .
2 ) المنظور القرآني للحياة الدنيا ( التوازن بين الانتفاع والتحذير ) : بيّن القرآن حقيقة الدنيا بأنها متاع استخلاف وابتلاء ؛ فهي " متاع الغرور " حين تُتخذ غاية مطلقة تُنسي الإنسان مصيره وآخرته ، وتصبح في المقابل وسيلة نافعة للعمل الصالح والاعتدال حين تُستثمر بطاعة الله دون إسراف أو اغترار .
3 ) منهج الحياة المتكامل والثبات ( روح المقاومة والمدافعة ) : في آيات البر والجهاد والمدافعة ، يتعلم المسلم كيف يربط بين إيمانه الخالص ، وبذل المال في وجوه البر ، وإقامة الصلاة ، والصبر الجميل في البأساء والضراء وحين البأس ؛ لتصبح المقاومة والثبات على الحق منهج حياة راسخ لا يحيد عنه المؤمن في مواجهة الظلم والبغي .
4 ) العقل والتفكر المنهجي : التوجيه القرآني المستمر لاستخدام السمع والبصر والفؤاد كأدوات معرفية حية لإدراك الحقائق الكونية واستنباط العبر والسنن من تاريخ الأمم السابقة : ( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ) [ الحج : 46 م ] .
إن استعراض غاية الوجود الإنساني ، وما سُخّر له من أدوات مادية وآلات معيشية وصناعات حرفية وبنيان معنوي رفيع في القرآن الكريم ، يرسخ فهماً عميقاً ومحكماً مؤداه أن الإسلام لا يعزل الدين عن العمل ولا عن معركة العزة والكرامة والمقاومة وعمارة الأرض ، بل يدعو الإنسان بقوة لامتلاك أسباب القوة المادية ، وتطوير أدوات عيشه وعلومه ، وبناء روحه ووجدانه برؤية واعية توازن بدقة مذهلة بين متطلبات المادة وسمو الغاية العقدية ؛ طاعةً لأمر الاستخلاف الرباني ، وشكراً لإنعام الخالق عز وجل .

قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) القرآن الكريم برواية حفص عن عاصم .
- 2 ) الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي ) ، أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي ، دار الكتب المصرية ، القاهرة ، 1964 م .
- 3 ) تفسير القرآن العظيم ، إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي ، دار الفكر ، بيروت ، 1999 م .
- 4 ) مفردات ألفاظ القرآن ، الحسين بن محمد الراغب الأصفهاني ، دار القلم ، دمشق ، 1992 م .
- 5 ) المعجم الوسيط ، مجمع اللغة العربية بالقاهرة ، دار المعارف ، القاهرة ، 2004 م .
- 6 ) الكشاف عن حقائق غوامق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التاويل ، جار الله محمود بن عمر الزمخشري ، دار الكتاب العربي ، بيروت ، 1986 م .
- 7 ) التحرير والتنوير ( تفسير الطاهر بن عاشور ) ، محمد الطاهر بن عاشور ، الدار التونسية للنشر ، تونس ، 1984 م .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.