يستعرض هذا المقال ، أهمية طاحونة عوّدة التاريخية في وادي الريان ودورها التراثي والاقتصادي والسياحي .

طاحونة عُوّدة في وادي الريان : دراسة تاريخية وتراثية وسياحية


​بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبة


​تمثل طاحونة عوّدة في وادي الريان أحد أبرز الشواهد الباقية على التراث الصناعي التقليدي في الأردن ، وهي من المعالم التي تجسد قدرة الإنسان على استثمار الموارد الطبيعية في خدمة حياته اليومية . فقد اعتمدت على الطاقة المائية في طحن الحبوب لقرون طويلة ، وأسهمت في دعم الاقتصاد الزراعي لسكان شمال الأردن ، حتى أصبحت من أشهر الطواحين المائية التاريخية في المملكة .


​أولاً : الموقع الجغرافي


​تقع طاحونة عوّدة ضمن حدود محافظة إربد في منخفض وادي الريان التابع لبلدة جديتا في لواء الكورة ، وتحديداً بين بلدتي جديتا وعرجان ، وسط منطقة تتميز بغزارة ينابيعها وكثافة غطائها النباتي وبساتين الرمان والأشجار المثمرة . وقد وفر هذا التنوع مورداً مائياً دائماً لا ينقطع طوال العام مكّن الطاحونة من العمل بفعالية مستمرة . كما يقع الموقع على مقربة من غابات مسار برقش السياحي في شمال المملكة ( الذي يُعد من أجمل المسارات ) ، مما أكسبه أهمية بيئية وسياحية بارزة إلى جانب قيمته التاريخية .


​ثانياً : تاريخ إنشاء الطاحونة


​تشير سجلات الدولة العثمانية ( وثائق الطابو لسنة 1596 م المتعلقة بناحية الكورة وولاية الشام ) إلى أن طاحونة عوّدة أُنشئت في ذلك التاريخ المبكر ، لتكون واحدة من أقدم طواحين الحبوب المائية المعروفة في الأردن . وظلت تؤدي وظيفتها الحيوية حتى النصف الثاني من القرن العشرين ؛ وخلال تلك الفترة كانت مقصداً للمزارعين من قرى لواء الكورة وقرى محافظة عجلون وبعض مناطق الأغوار الشمالية ، حيث كانت الحبوب تُنقل إليها لطحنها اعتماداً على قوة المياه الجارية بُعيد مواسم الحصاد بقليل وقبيل حلول فصل الشتاء ، إذ اتسم عملها بالطابع الموسمي والمحوري .


​ثالثاً : آلية العمل والهندسة المعمارية


​اعتمدت الطاحونة في بنيتها وهندستها على الاختيار المدروس للموقع لضمان استمرار جريان المياه بقوة ، وتتكون من عناصر تشغيلية دقيقة :


1 ) قناة المياه الداخلية : تخدم الطاحونة من الداخل ، ويتراوح طولها بين 15 إلى 50 متراً ، وعرضها وارتفاعها بحدود 50 سم .


2 ) الجسر الحجري : يحمل القناة المائية ، ويصل ارتفاعه إلى 12 متراً ، بعرض نحو 1.5 متر ، وطول من 10 إلى 50 متراً تقريباً .


3 ) البرج المائي والـ ( بئر ) : يتوسط الموقع برج مبني من الحجر على نهاية الجسر يرتفع ما بين 4 إلى 10 أمتار ، وله تجويف يتسع لنحو 4 أمتار مكعبة من المياه ، ويحتوي في داخله على قناة أنبوبية حجرية عمودية تُعرف بـ ( البئر ) بقطر يقارب 70 سم تسقط من خلالها المياه المندفعة بشكل قوي وعمودي لتوليد طاقة حركية هائلة ، مع وجود فتحة جانبية قطرها 20 سم تقريباً .


4 ) غرفة الدولاب ( غرفة المحركات ) : حجرة صغيرة تقع في أسفل الطاحونة وتحت منسوب الأرض ، سقفها على شكل عقدة نصف برميلية ، ويتم فيها توليد الطاقة الحركية من خلال دولاب معدني أو خشبي موضوع بشكل أفقي قطره بحدود مترين وله زعانف وفراشات ، وله محور معدني طوله 3 أمتار تقريباً ينقل الحركة إلى حجارة الطحن .


5 ) غرفة الطحن ( الغرفة العلوية ) : مستطيلة الشكل مبنية من الحجر والطين بارتفاع نحو 3 أمتار وبحجم ( 6 × 4 أمتار ) سقفها عبارة عن عقد حجري أو من القصيب والجسور المعدنية والخشبية . تتم فيها عملية الطحن بواسطة حجرين بازلتيين ( أحدهما علوي متحرك والثاني سفلي وثابت ) يُؤتى بهما من سهل حوران لصلابتهما وقوتهما ، ويتم التحكم بنعومة الدقيق عبر معايرتها بواسطة محور مركب على جسر خشبي يُسمى " النايمة " . وبلغت الطاقة الإنتاجية للطاحونة نحو طن ونصف يومياً .


6 ) القناة الخارجية : تقوم بتصريف المياه المستخدمة من غرفة الدولاب إلى مجرى الوادي مباشرة .


​رابعاً : الدور الاقتصادي والاجتماعي


​لم تكن طاحونة عوّدة مجرد مرفق لطحن الحبوب ، بل شكلت مركزًا اقتصاديًا واجتماعيًا أساسياً لسكان المنطقة . فقد كانت مكانًا يلتقي فيه المزارعون محملين بأكياس القمح والشعير على الدواب ، حيث تسود أجواء مفعمة بالحياة ، والتعاون المجتمعي ، وتبادل الأخبار والخبرات ، وعقد الصفقات الزراعية بين تلال الوادي الخضراء ، مما جعلها جزءًا أصيلًا من الذاكرة الشعبية والحياة اليومية في الكورة لعقود طويلة .


​خامساً : القيمة التراثية والأثرية


​تمثل الطاحونة نموذجًا مهمًا للتراث الصناعي الأردني ، إذ توثق مرحلة تاريخية اعتمد فيها الإنسان على الموارد الطبيعية والتقنيات التقليدية . كما تعكس براعة البنائين والحرفيين في تصميم المنشآت الحجرية المقاومة لعوامل الزمن ، مما جعلها من أهم المواقع التراثية المرتبطة بتاريخ الزراعة والصناعة في الأردن ، وأصبحت محمية بموجب قانون الآثار الأردني كموروث معماري وثقافي لا يزال يحافظ على قيمته العريقة .


​سادساً : أعمال الترميم والتطوير والواقع الحالي


​حظيت طاحونة عوّدة خلال السنوات الأخيرة باهتمام ميداني وهندسي من قبل دائرة الآثار العامة الأردنية ( مكتب آثار الكورة ) ووزارة السياحة والآثار ، حيث نُفذت أعمال ترميم دقيقة شملت الانتهاء من أعمال ترميم سقفها ومعالجة هيكلها الحجري العريق لحمايته من الانهيار ، إلى جانب تطوير المرافق وتوفير خدمات للزوار . وعملياً ، لا تعمل الطاحونة حالياً بصورة إنتاجية أو تجارية لطحن الحبوب كما كانت في السابق ، بل تحولت إلى موقع أثري وسياحي بيئي بارز .


​سابعاً : الأهمية السياحية


​أصبحت طاحونة عوّدة مقصداً للباحثين ، والمهتمين بالتراث ، والزوار الراغبين في الاستمتاع بجمال وادي الريان وغابات برقش . يجمع الموقع بين الطبيعة الخلابة والقيمة التاريخية ، مما يجعله من أبرز مواقع السياحة التراثية والبيئية في محافظة إربد ، ويعزز الإقبال على السياحة الداخلية كوجهة تنموية متكاملة تُحيي التراث المائي .


​تشكل طاحونة عوّدة سجلًا حيًا لذاكرة المجتمع الأردني ، وشاهدًا على مرحلة ازدهرت فيها الطواحين المائية بوصفها ركيزة للإنتاج الزراعي والغذائي . إن الحفاظ عليها وصيانتها وتوثيق تاريخها يمثل واجبًا وطنيًا ، ليس لأنها أثر معماري فحسب ، بل لأنها جزء من الهوية الحضارية للأردن ، وتستحق أن تبقى منارة للتعليم والتراث والسياحة للأجيال القادمة .

قائمة المصادر والمراجع

  1. ​قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1 ) وثائق السجلات والدفاتر العثمانية المبكرة ( مفصل لواء حوران وقضاء عجلون - دفاتر الطابو العثمانية لعام 1596 م ) .
  3. 2 ) دائرة الآثار العامة الأردنية ، التقارير الفنية والميدانية لمديرية آثار محافظة إربد ومكتب آثار لواء الكورة حول توثيق وصيانة المعالم المائية والتاريخية .
  4. 3 ) وزارة السياحة والآثار الأردنية ، دراسات تطوير المسارات السياحية والبيئية ( مسار برقش ووادي الريان ) .
  5. 4 ) مقالات ودراسات ميدانية منشورة حول التراث الشعبي والصناعي في لواء الكورة ( وكالة الأنباء الأردنية - بترا ، وكالة إنجاز الإخبارية ، ووكالة عمون الإخبارية ) .
  6. 5 ) دراسات أثرية وتوثيقية محكمة حول طواحين المياه التاريخية في شمال الأردن ( منشورات دائرة الآثار العامة ) .