يتجلى في صلاة النشمي الأردني وحراسة زميله على عتبات الكنيسة أسمى معاني الإخاء الوطني والعمق الفقهي في حراسة العيش المشترك وحماية المقدسات .

صورة بألف معنى : حين يصلي النشمي ويحرس الوطن على عتبات الكنيسة

​بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​تأتي في بعض اللحظات الاستثنائية صورةٌ تختصر مجلداتٍ من البلاغة والبيان، وتتجاوز بصدقها كل أطر التعبير التقليدي؛ فصلاةٌ تلامس الثرى وحراسةٌ تعانق الأفق تتجلى معاً في صورةٍ بألف معنى تفيض بالسكينة والسموّ واليقين: نشميٌّ من نشامى قوات الأمن العام الأردني الباسلة، يفترش سجادة صلاته في خشوعٍ مطلق وانقطاع تام لرب العزة على عتبات كنيسة طاهرة تزينها صلبان السلام، بينما يقف زميله الباسل الشامخ خلفه حارساً ساهراً، يحمي أمن المكان، ويصون سلامة المصلي، ويحرس طمأنينة العبادة. إنه مشهد حي يتلبس روح الآية القرآنية الكريمة، وممتثلٌ لقول الله تعالى في محكم تنزيله: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ ۚ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ...﴾ [ النساء : 102 ]، فكأن التاريخ يعيد سياق ألقِه، وكأن المعنى الأبدي للواجب المقدس يتجدد بأبهى صور الفداء.

​إنها ليست مجرد لقطة عفوية التقطتها عدسة كاميرا في زحمة الأحداث، بل هي وثيقة أخلاقية وتاريخية ناطقة، وشهادة حية مجسدة لروح الفسيفساء الأردنية الفريدة التي أثبتت دوماً أنها أصيلة تأبى الانكسار. هنا، حيث تتناغم أصوات المآذن العالية مع أبراج الكنائس الشامخة في ترنيمة وطنية واحدة لا تعرف التفرقة، يرتسم المعنى الحقيقي والعميق للتعايش الفطري والإخاء الإنساني الراسخ؛ فالأرض كلها لله، ودور العبادة التي بُنيت في أصلها لذكر الله وتسبيحه ورفع اسمه تظل محاريب للسلام والتقديس طالما خلت من النجاسات، وحراسة أمن المجتمع وصون أرواح الناس وأعراضهم ومقدساتهم هي العبادة الوطنية التي لا تقل شأناً ولا أجراً عن السجود لخالق الكون ورازقه.

​وتكتسب هذه اللفتة السامية عمقاً فقهياً وشرعياً راسخاً ينسجم مع رحابة وسماحة الفقه الإسلامي ويسره؛ فقد أجمعت دور الفتوى ومجالس البحوث الفقهية المعتبرة، كدار الإفتاء المصرية، والأزهر الشريف، وشبكة إسلام ويب، على أن صلاة المسلم في الكنيسة أو على عتباتها الطاهرة جائزة شرعاً وصحيحة لا حرج فيها ولا إثم، مستندة إلى الأصل النبوي الشريف الجامع في قوله صلى الله عليه وسلم : «جُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» . وقد ذهب فقهاء الحنابلة وجمع غفير من السلف الصالح إلى جوازها بلا كراهة إذا خلا المكان من المعيقات الشرعية كالنجاسات، ورخّص فيها أهل العلم بحسب الحاجة المعتبرة كدفع البرد القارس أو المطر الشديد أو القيام بمهمة الحراسة الضرورية لحفظ الأمن العام والدفاع عن الأرواح والأنفس المعصومة، فكيف إذن إذا اقترنت هذه الصلاة بأداء الواجب الأمني الأسمى، وحراسة دور العبادة والأرواح البريئة، لتتجسد فيها أعلى مقاصد الشريعة في حفظ النفوس والمقدسات والدين والوطن؟!

​ولطالما حفل التاريخ الإسلامي العريق عبر مختلف عصوره الذهبية بشواهد ناصعة كالفجر، تؤكد هذه الروابط الإنسانية العميقـة والنبيلة؛ بدءاً من استضافة النبي صلى الله عليه وسلم لوفد نصارى نجران وإذنهم بالصلاة داخل المسجد النبوي الشريف، مروراً بصلوات الصحابة الأجلاء كأبي موسى الأشعري وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم في الكنائس والبيع الخالية من التماثيل المعظمة أو المتحقق طهارتها، والخليفة العادل عمر بن عبد العزيز رحمه الله، وصولاً إلى الموقف التاريخي الخالد لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه عند فتح بيت المقدس، حين دعاه البطريرك صفرونيوس للصلاة داخل كنيسة القيامة، فامتنعت خطاه الطاهرة عن الصلاة داخلها ليس لعلة في المكان أو تحريماً له، بل حكمةً بالغة وسياسةً شرعية حكيمة لصون العهد والميثاق وتأكيداً لحماية دور العبادة واستقلاليتها لأهلها، كي لا يقتطعها المسلمون من بعده بحجة "هنا صلى عمر". بل حتى في واقعنا المعاصر، امتدت هذه السعة الفقهية الرحبة لتفتي المجالس المعاصرة بجواز الاستفادة من قاعات العبادة المشتركة أو الملحقة بالكنائس لأداء الصلوات عند غياب البديل الطاهر.

​تتجلى في هذا المشهد العظيم أسمى معاني العبودية الخالصة لله والوفاء المطلق للتراب الوطني الطهور؛ فالنشامى الذين نذروا دماءهم الطاهرة وحياتهم الزكية لدرء الأخطار وحماية الأرواح والمقدسات، لا تلهيهم جلالة العبادة والخشوع عن يقظة الحراسة، ولا يشغلهم هدير الواجب الأمني عن حلاوة السجود ودموع الخشوع. إن الجبهة العالية لذلك الجندي الباسل التي تلامس أرض الكنيسة في تذلل وخضوع لله وحده، هي ذاتها الدروع الحية اليقظة التي تتصدى لكل عابث وحاقد تسول له نفسه المساس بأمن الأردن العزيز واستقراره ومنعته.

​إن هذه اللوحة الأردنية البليغة والفريدة تُرسل رسالة قوية ومدوية لكل المراهنين على الفتنة والشتات والوهن: هذا هو الأردن العظيم، واحة الأمن والسلام، وحضن الإخاء والشهامة والرجولة الذي لا تهزه الرياح الدخيلة، ولا ينال من صلابته كيد العابثين.

​حفظ الله النشامى البواسل سياج الوطن المنيع وحماة أمنه في كل الميادين والساحات، وأدام على هذا الحمى الهاشمي الأبي نعمة الأمن والأمان والاستقرار والازدهار.