يتناول المقال قصة وفاء لشهداء كنيسة الكرك مستعرضاً سيرهم الإنسانية النبيلة ، ومؤكداً أن وحدة الأردنيين وعيشهم المشترك أقوى من غدر الإرهاب .
دم الشهداء في محراب الإخاء : الكرك تتشح بالسواد وتنتصر للعيش المشترك
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
تظل الأردن ، بحجمها الممتد في قلب التاريخ وبأصالة أهلها ، عصيةً على الكسر والفتنة ، وستبقى الكرك رأس الحربة في مجابهة غدر الزمان ومحن الدهر . غير أن الحزن حين يطرق أبواب القرى الوادعة كقرية " حمود " العريقة في محافظة الكرك ، يترك غصةً حارقة في سويداء القلوب ، إثر الهجوم الإرهابي الغادر الذي نفذته أيادٍ آثمة أقدمت على إطلاق نارٍ عشوائي استهدف جمعاً من أبناء الوطن المخلصين في ساحة كنيسة القديس جيورجيوس للروم الأرثوذكس ومحيطها أثناء تشييع جنازة مهيبة ، وسط استنفار أمني ومتابعة حثيثة من مديرية الأمن العام للقبض على الجناة وملاحقتهم .
إن الجريمة الأثيمة التي طالت كوكبةً من أبناء الكرك التسعة ، لم تكن مجرد أرقام تُدرج في مدونات الضحايا ، بل كانت قطفاً قسرياً لأرواحٍ نذر كلُّ واحدٍ منها حياته لخدمة أهله ووطنه . خلف كل اسم سقط في ذلك الاعتداء الغاشم حكايةٌ إنسانيةٌ ناصعة ، وسيرة عطرة ، وحلمٌ نبيل لم يكتمل ؛ أطباء أوفياء ، وأكاديميون مفكرون ، وصيادلة بررة ، ومحامون شرفاء ، ورجالُ مروءةٍ وشهمات ارتبطت أسماؤهم بتخفيف أوجاع الناس ونشر المحبة بين زوارهم وجيرانهم .
وحين نتأمل سير هؤلاء الشهداء الأخيار بشيء من الإسهاب والوفاء ، ندرك عمق الخسارة الوطنية التي ألمّت بنا جميعاً :
1 ) الدكتور خالد ميخائيل مفضي العليا ( خالد الهلسة ) : طبيب الأسنان المعروف والمحبوب بين أهالي الكرك ، والذي اقترن اسمه بلقب " طبيب الفقراء " . أمضى حياته في ممارسة مهنته الإنسانية بعيادته ، حيث كان يفتح أبوابه لكل محتاج دون مقابل ، مجسداً قيمة العطاء الخالص ومخففاً آلام الآخرين حتى آخر لحظات حياته .
2 ) الأستاذ الدكتور عاصم إميل حنا البرقان : الأكاديمي البارز وأستاذ العلاقات الدولية والمنظمات الدولية بالجامعة الهاشمية ( الحاصل على الدكتوراه من جامعة وارسو عام 1996 م ) . مفكر حاضر بقلمه ومقالاته السياسية والوطنية ، طالما كتب بحس عالٍ داعياً لوحدة الأمة ورخاء الأردن وصمود الكرك أمام كل المحن .
3 ) الدكتور فادي إبراهيم عاصم الهلسة : طبيب أسنان شاب حديث التخرج من جامعة الإسكندرية ، والابن الوحيد لوالديه . كان في مستهل رحلته المهنية يحمل طموحاً كبيراً لخدمة مجتمعه وأهله ، لكن يد الغدر لم تمهله ليرى ثمار جهده ، ليرحل مخلفاً حزناً عميقاً في قلوب زملائه وأسرته .
4 ) الدكتور محمد القسوس : قامة طبية وإنسانية شاهرة وأحد أقدم أطباء الأسنان في الأردن ، استشهد متأثراً بجراحه بعد مسيرة حافلة بالعطاء المعهود والأثر الطيب . عُرف بحسن سمعته وطيب حرصه على معالجة الفقراء والمحتاجين مجاناً في الزرقاء والكرك وعمّان ، وكان رمزاً للتعايش والأخوة بحمله اسم " محمد " مع انتمائه للديانة المسيحية .
5 ) الدكتور ماهر عادل خليل الزريقات : الصيدلاني المسؤول في المستشفى الإيطالي بالكرك ، الذي عرف بين زملائه وأبناء مجتمعه بدماثة أخلائه والتزامه المهني والأخلاقي العالي ، ومسارعته الدائمة لخدمة المرضى والمحتاجين بكل أمانة وتفانٍ .
6 ) المحامي مازن رسمي القسوس : قامة حقوقية مشهود لها بنقاء السيرة وخلقها الرفيع . أمضى حياته مدافعاً عن الحق والعدالة ، واستشهد متأثراً بإصابته الغادرة ليترك بصمة ناصعة في ميدان العدالة والأوساط القانونية .
7 ) الأستاذ مروان خليل سالم الخيطان الهلسة : ناشط سياسي واجتماعي بارز ، وعضو في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الأردني . كان له حضور فكري ومجتمعي لافت ، مكرساً جهده لمتابعة قضايا الناس وهمومهم .
8 ) السيد إيهاب نايف جميل الهلسة ( أبو وليام ) : أحد أبناء المجتمع المحلي البارين ، عرف بطيب معشره وكرم أخلاقه وقربه من جيرانه ومحيطه الاجتماعي ، وشعوره الصادق بآلام الناس ومثالاً للرجل الخدوم .
9 ) السيد علاء خليل صالح المصاروة : أحد أبناء الكرك المخلصين الذين ارتقوا في هذا الهجوم الإرهابي الغاشم ، مسطرين بدمائهم الطاهرة شهادة حب وفداء على أرض الوطن الطهور .
إن التلاحم الإنساني الفريد الذي تجلى في تلك اللحظات العظيمة ، بمشاركة أبناء عائلة الحباشنة الكرام وإخوانهم من أبناء الكرك المسلمين في تشييع الجثمان وتقديم واجب العزاء لأشقائهم المسيحيين - والذين طالت يد الغدر عدداً من إصاباتهم الطاهرة أثناء أداء هذا الواجب الإنساني - يجسد أسمى صور التكافل الوطني والعيش المشترك . فقد اختلطت الدماء وتلاقت الأيدي المكلومة لتسطر ملاحم الوحدة الأخوية ، مؤكدةً للعالم أجمع : إن الأردن بمسلميه ومسيحييه جسدٌ واحدٌ ، لا تفكك أواصره الاعتداءات الغادرة ولا تنال من بنيانه العتيد المخططات الدخيلة .
إن الكرك ، بتاريخها المجيد وقراها الراسيّات كـ " أدر " و " حمود " ، ستبقى كما كانت دوماً رمزاً للشهامة والتآخي والتسامح ، ومدرسةً تغرس في نفوس الأجيال أن الوطن يُبنى بالمحبة ويُصان بوعي أبنائه وتماسكهم . إننا إذ ننعي هؤلاء الشهداء الأبرار ، لنؤكد أن ذكرى هؤلاء الرجال ستظل حيةً في ضمير الوفاء الأردني ، وسيبقى الدم الزكي الذي أُريق في محراب الإخاء سياجاً يسيّج وحدة هذا الوطن ويحميه من كل سوء .
رحم الله شهداءنا الأبرار ، وألهم ذويهم وأبناء الوطن جميعاً جميل الصبر والسلوان ، وحفظ الله الأردن عزيزاً شامخاً وآمناً استقراره .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.