يتناول المقال أهمية المطر وبشائر خيره في الأردن وبلاد الشام ، مستعرضاً أبعاده المناخية والروحية والاجتماعية في تجسيد الرحمة والتكافل وإحياء الأرض .
هطل الغيث ... أهلاً بالمطر وزائر الخير ورسول الحياة
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
يأتي المطر دوماً كزائرٍ عزيزٍ طال انتظارنا له ، وكأنه جاء بعد سفرٍ طويل ، يحمل في قطراته المتساقطة بشائر الأمل ، ويعيد إلى الأرض الروح بعد أن يكسوها الظمأ . فمع أولى زخات الغيث التي تتساقط على أرضنا الطيب أهلها ، تنبعث من ثرى الوطن رائحة « الشتاء » الزكية ، تلك الرائحة التي تحمل معها ذكريات الآباء والأجداد ، وتُجدد في نفوسنا معنى الحياة والعطاء .
المطر : واهب الحياة ومزيل جفاف السنين :
لم يكن المطر في تاريخ أمتنا وحضارتنا مجرد ظاهرة جوية أو حدث طبيعي عابر ، بل كان ولا يزال عنواناً للرحمة الإلهية ونعمة سابغة :
يا ماسح جفاف السنين : تنبض الأرض بالحياة مع كل قطرة ماء تهطل من السماء ، فتروى أرض الشجر والبساتين ، وتُكسى الطبيعة بهاءها وتوازنها .
تلين له صم الجبال : المطر يرِقّ له كل شيء ، وتهدأ بنزوله النفوس ، فحين ينهمر دمع السماء يرقّ له الشجر والحيوان والإنسان ، وحتى الجبل الصلد من دمعة الغيث يبدأ يلين ، ليطفئ أنين الجفاف وينشر السكينة .
رمزية الوفاء والتجدد : يغسل المطر أوراق الشجر كما يغسل غبار السنين ، ليذكر الإنسان بضعفه وحاجته إلى خالقه ، وبأن بعد كل جفاف فرجاً ورحمة .
البُعد المناخي والجغرافي للموسم المطري :
يتميز مناخ بلادنا الأردنية بطابع البحر المتوسط العليل ، حيث يتألف الشتاء من فترة قصيرة نسبياً تبدأ هطولاتها المؤثرة في أواخر شهر تشرين الثاني وتستمر حتى نهاية آذار ومطلع الربيع ، متخللةً تساقط الثلوج البيضاء على المرتفعات الغربية والوسطى والجنوبية في أشهر الشتاء الباردة . وتتفاوت كميات الهطول بحسب التضاريس ؛ فتبلغ ذروتها في المرتفعات الشمالية والوسطى لتصل معدلات سنوية متقدمة تروي السدود والسهول ، بينما تتراجع تدريجياً في البادية والمناطق الجنوبية والشرقية لتصبح محدودة في الصحراء .
طقوس الشتاء ودفء اللقاء :
يجمعنا الشتاء بزخات مطره حول مواقد الدفء ، لتلتئم الأسر والعائلات وتستعيد التقاليد الاجتماعية والأخلاقية الرفيعة :
دفء الأمسيات : تحلو الجلسات العائلية على وقع صوت المطر على النوافذ والأسطح ، حيث تروى الأحاديث والذكريات الجميلة وتنساب المحبة بين الحاضرين .
التكافل والتراحم : يذكرنا هطول المطر بأهمية التفقد والتكافل الاجتماعي ، حيث تمتد يد الخير للمحتاجين والفقراء ، ليكون الشتاء برداً وسلاماً ودائع ومحبة على الجميع .
استحضار التراث : يعيد المطر إلى الأذهان قصائد الشعراء وحكايات الآباء حول مواسم الحصاد والسقيا ، وكيف كانت حبة المطر تقاس بمكيال الفرح والبهجة .
دعاء واستبشار : مطرنا بفضل الله ورحمته :
مطرنا بفضل الله ورحمته ، ومع هطول قطرات هذا الماء المبارك المنهمر من السماء ، تلتف القلوب بالدعاء والرجاء :
فيا رب : اجعله مزيلاً للكدر ، واغسل به قلوب البشر ، واغثنا يا ربنا بماء مبارك من السماء منهمر ، واجعله صيباً نافعاً ولا تحرمنا غسل ذنوبنا بغيث رحمتك كما يغسل المطر أوراق الشجر ، وبارك لنا فرحتنا به ، وارحمنا ووالدينا وإخواننا وأخواتنا والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات برحمتك يا عزيز يا مقتدر .
وكما أفرحت أرضك بالمطر ، أفرح قلوبنا يوم نلقاك بغفران الذنوب ، وكما أسعدتنا بنفحات رحمتك بغيثك ، أسعدنا وأحبتنا بنعيم جنتك .. اللهم آمين .


قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) العودات ، يعقوب . جغرافية الأردن والمناخ المحلي . عمّان : دار البشير للنشر والتوزيع ، 2005 م .
- 2 ) الموسى ، سليمان . وجهات أردنية : دراسات في التراث والمجتمع . عمّان : وزارة الثقافة الأردنية ، 2010 م .
- 3 ) النعيمي ، أحمد . المناخ والبيئة في بلاد الشام : الخصائص والتوزيع المطري . إربد : دار الكندي للنشر ، 2015 م .
- 4 ) الهيئة الملكية الأردنية للأرصاد الجوية . التقرير المناخي السنوي لكميات الهطول المطري في المملكة الأردنية الهاشمية . عمّان : دائرة الأرصاد الجوية ، 2022 م .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.