تؤرخ معركة ميسلون ملحمة الدفاع عن استقلال سوريا بقيادة يوسف العظمة ضد الغزو الفرنسي في عام 1920 م ، لتشكل نقطة تحول كبرى في تاريخ النضال العربي الحديث .
معركة ميسلون 1920 م : ملحمة النضال الوطني وشرف الدفاع عن الاستقلال
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
تُعتبر معركة ميسلون ، التي وقعت في الرابع والعشرين من تموز عام 1920 م ، نقطة تحول مفصلية وسجلًا ناصعًا وحدّا فاصلا بين عصرين في تاريخ العرب الحديث ، إذ مثّلت لحظة الاصطدام الأليم بين حلم الدولة الوطنية المستقلة وولادة عهد الاستعمار والتبعية . فلم تكن هذه المواجهة مجرد اشتباك عسكري عابر بين جيش نظامي حديث وقوة دفاعية ناشئة ، بل كانت ملحمة إنسانية ووطنية جسّدت أرقى صور التضحية والرفض المطلق للهيمنة الاستعمارية ، وأرست قواعد الوعي القومي والتحرري في بلاد الشام .
مكان وزمان المعركة والطبيعة الجغرافية للموقع :
الزمان : 24 تموز عام 1920 م ( الموافق لشهر ذي القعدة عام 1338 هـ ) .
قائد المعركة : وزير حربية المملكة العربية السورية ، الجنرال البطل يوسف باشا العظمة .
اما عن الموقع والجغرافيا ، فلم تكن ميسلون مجرد نقطة عابرة على الخريطة ، بل تجلّت بوصفها ممرًا جبليًا استراتيجيًا وخانًا تاريخيًا محفورًا في خاصرة ريف دمشق الغربي ، على بعد نحو 28 كيلومتراً من العاصمة ، حيث ينفسح وادي القرن المترامي بين السلاسل الجبلية الشامخة المحاذية لطريق دمشق - بيروت . وإن هذه الطبيعة الجغرافية البازلتية والقاسية لمنطقة ميسلون جعلت منها خانًا ومحطة استراحة للقوافل عبر التاريخ ، قبل أن تتحول بتضاريسها الوعرة إلى مسرح ملحمي شهد أروع مواجهات شرف الدفاع عن تخوم دمشق .
أسباب المعركة والظروف السياسية :
تأتي معركة ميسلون في أعقاب اتفاقية سايكس - بيكو ومقررات مؤتمر سان ريمو التي هدفت إلى تجزئة بلاد الشام . وتلقى الملك فيصل الأول من الجنرال الفرنسي هنري غورو ، قائد القوات الفرنسية المرابطة على الساحل السوري ، إنذاراً نهائياً ( ألتيماتوم ) يقضي بحل الجيش السوري ، وقبول الانتداب الفرنسي على سوريا ، وتسليم المرافق الحيوية كخطوط السكك الحديدية . وعلى الرغم من استجابة الملك فيصل على مضض للإنذار حقناً للدماء وتجنباً لدمار العاصمة ، وبدء انسحاب الجيش السوري وفق التعليمات الرسمية ، إلا أن القوات الفرنسية واصلت زحفها نحو دمشق .
وأمام هذا الواقع ، عارض وزير الحربية ، الجنرال يوسف العظمة ، بشدة تسليم البلاد وخيراتها دون قتال . وبينما كانت القوات تبتعد ، كان العظمة يستنجد بالوطنيين والعسكريين والمناضلين المناهضين لقرار الاستسلام ، وشكّل جيشاً من الجنود والمتطوعين قوامه نحو 3000 إلى 4000 مقاتل مسلحين ببنادق ومقدار محدود من المدفعية التقليدية ، في مواجهة القوات الفرنسية الغازية بقيادة الجنرال هنري غورو والجنرال ماريانو غوابيه ، والتي بلغ قوامها نحو 9000 جندي مدعومين بأحدث الدبابات ، والطائرات الحربية ، والمدفعية الثقيلة .
مجريات المعركة الدامية :
في تمام الساعة التاسعة من صباح يوم 24 تموز عام 1920 م ، وقعت المعركة غربي دمشق في ممر ميسلون التاريخي بعد تمهيد مدفعي فرنسي كثيف . وسرعان ما بدأت المدفعية الفرنسية الثقيلة تتغلب على نظيرتها العربية ، وتقدمت الدبابات باتجاه الخط الأمامي للدفاعات .
وفي خضم المعركة التي استمرت بضع ساعات ، أخذت جنود السنغال في الجيش الفرنسي تهاجم ميسرة الجيش السوري المؤلف في معظمه من المتطوعة ، وهاجم عدد من الخونة ميسرة الجيش من الخلف ليقضوا على الكثير من المرابطين ويسلبوا أسلحتهم . ورغم هذه المصائب الجسيمة ، لم يعبأ القائد العظمة بها ، وبقي مفعماً بالهمة والثبات والعزيمة . وكان قد بث الألغام على رؤوس وادي القرن - وهو الممر الرئيسي لعبور القوات الفرنسية - آملاً بأن تنفجر عند صعود الدبابات ، إلا أن الخونة سبقوا وقطعوا أسلاك الألغام . واستشهد القائد يوسف العظمة ومئات المقاتلين الأبطال في قلب الميدان وهم يدافعون عن شرف وطنهم وكرامته حتى رمقهم الأخير .
الفلسفة الوطنية من وراء المعركة :
أراد القائد يوسف العظمة بخروجه إلى ميسلون أن يحفظ لتاريخ سورية العسكري هيبته ووقاره ، فقد كان يخشى أن يُسجل في صفحات التاريخ أن الجيش السوري قعد عن القتال ودخل المحتل عاصمته دون أدنى مقاومة . كما أراد أن يترك موقفاً خالداً أمام الأجيال والشعب السوري بأن جيشه حمل لواء المقاومة ضد الاحتلال منذ اللحظة الأولى ، ليكون نبراساً لكل مقاومة لاحقة ، مدركاً تماماً أن من يهن يسهل الهوان عليه ، وأن هوان المؤسسة العسكرية ستكون له عواقب وخيمة على مستقبل البلاد ومسار استقلالها .
أسباب التفوق الفرنسي وخسارة الجيش العربي :
1 ) الهوة الكبيرة في التسليح : اعتماد الجيش الفرنسي على الطيران الحربي ، والدبابات ، والمدفعية الثقيلة ، في مقابل أسلحة عربية فردية وتقليدية خفيفة .
2 ) الخلل في الميزان والتدريب : تفوق القوات النظامية الفرنسية المدربة مقابل اعتماد الجزء الأكبر من القوة العربية على متطوعين مدنيين .
3 ) الخيانة وإحباط الكمائن : قطع أسلاك الألغام في وادي القرن ومهاجمة الخطوط الخلفية للمقاومين من قبل بعض العملاء .
4 ) إرباك القيادة والانسحاب المسبق : صدور قرار حل الجيش مسبقاً من قبل الحكومة الفيصلية وتشتيت الخطط الدفاعية .
نتائج المعركة وتداعياتها :
1 ) الاستشهاد والبطولة : ارتقاء القائد يوسف العظمة ومئات المقاتلين الأجلاء في ملحمة غير متكافئة استمرت بضع ساعات .
2 ) سقوط المملكة العربية السورية : احتلال القوات الفرنسية لمدينة دمشق في 25 تموز عام 1920 م ، وانهاء الحكم الفيصلي ومغادرة الملك فيصل الأول للبلاد .
3 ) بدء مرحلة الاحتلال الفرنسي : فرض الانتداب والاحتلال الفرنسي على سوريا وتقسيمها إلى دويلات وتجزئة بلاد الشام ، لتشكل الهزيمة في ميسلون المدخل التاريخي والممهد لأزمات ومآسي المنطقة لاحقاً .
4 ) إطلاق شرارة المقاومة : تحول ميسلون إلى محطة تاريخية فاصلة ألهمت الثورات الوطنية اللاحقة ضد الاحتلال .
السيرة الذاتية للقائد الشهيد يوسف العظمة :
النشأة والتعلم : ولد في حي الشاغور بدمشق عام 1884 م لعائلة عريقة ، وتخرج في المدارس العسكرية في دمشق وإسطنبول برتبة ضابط عام 1906 م ، وأُوفد إلى ألمانيا للتخصص العسكري .
الخدمة والبطولة : شارك ضابطاً في الجيش العثماني خلال الحرب العالمية الأولى في عدة جبهات ، وعاد إلى دمشق مع انتهاء الحكم العثماني ليتولى أركان حرب الجيش العربي ثم وزارة الحربية عام 1920 م .
النهاية المشرفة : اختار المواجهة طريقاً وتحمل نتائجها كاملة ، واستشهد في معركة ميسلون في 24 تموز عام 1920 م عن عمر يناهز 36 عاماً ، مخلفاً إرثاً وطنيًّا خالدًا .
مشاركة الأردنيين في معركة ميسلون :
كان الأردن في ذلك الوقت جزءاً لا يتجزأ من ولاية دمشق والمملكة العربية السورية برئاسة الملك فيصل الأول ، مما دفع أبناء الأردن للمشاركة الفاعلة :
1 ) الضباط والجنود : خدم عدد كبير من أبناء العشائر والمدن الأردنية في صفوف الجيش العربي النظامي وقاتلوا في خطوط المواجهة .
2 ) المتطوعون : هبّ الفرسان والمتطوعون من مختلف مدن الأردن وقراها نحو دمشق فور إعلان النفير .
3 ) الشهداء : ارتوت أرض ميسلون بدماء شهداء أردنيين أبرار ، أمثال الضابط موفق الدين المفتي ( من السلط ) والشهيد محمد الحصان ( من معان ) وغيرهم .
صدى ميسلون في الشعر العربي :
تغنّى الشعراء بهذه الملحمة الخالدة ، ومما قال في ذلك اليوم البغيض الشاعر خير الدين الزركلي :
الله للحدثان كيف تكيد .......... بردى يغيض وقاسيون يميدُ
تفد الخطوبُ على الشعوب مغيرةً .........لا الزجرُ يدفعها ولا التنديدُ
بَلَدٌ تبوَّأه الشقاء فكلَّما ...............قدم استقام له به تجديدُ
لهفي على وطنٍ يجوسُ خلاله ......شُذَّاذُ آفاقٍ شراذم سودُ !



قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) خير الدين الزركلي ، ( الأعلام : قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين ) ، دار العلم للملايين ، بيروت .
- 2 ) ساطع الحصري ، ( مذكراتي في الاستقلال : صفحة من تاريخ الوطن العربي الحديث ) ، دار الآداب ، بيروت .
- 3 ) محمد إبراهيم سليم ، ( تاريخ سوريا المعاصر : من الاحتلال العثماني إلى الاستقلال ) ، دار الفكر العربي ، القاهرة .
- 4 ) أحمد الشرباصي ، ( يوسف العظمة : بطل ميسلون ) ، مطبعة التقدم ، دمشق .
- 5 ) منير العجلوني ، ( تاريخ البلاد العربية في القرن العشرين ) ، دار النفائس ، بيروت .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.