في الوقت الذي تتسابق فيه التكنولوجيا لتقديم حلول ذكية وعصرية لأدق تفاصيل حياتنا اليومية، تطل علينا من عتبات البيوت العتيقة مكنسة القش البلدية، لتؤكد حضورها الطاغي رغم تقادم السنين. إنها ليست مجرد حزمة من الأعواد المرتبة بإحكام، بل هي أيقونة تراثية تلخص علاقة العشق بين الفلاح الأردني وأرضه، وقصة كفاح حرفيّة استطاعت أن تصمد في وجه الآلة الصماء، محافظةً على مكانتها كأداة لا غنى عنها في تطهير المكان ونشر البركة. وتُعد هذه الصناعة جزءاً أصيلاً من (اقتصاد الاكتفاء الذاتي) الذي ميز الريف الأردني، حيث كان الإنسان يصنع أدواته من فيض ما تجود به الأرض

من تراث الريف الأردني

صناعة مكنسة القش في ريف شمال الأردن

إرث يقاوم الاندثار وسيدة البيوت التي لا تغادر عرشها

في الوقت الذي تتسابق فيه التكنولوجيا لتقديم حلول ذكية وعصرية لأدق تفاصيل حياتنا اليومية، تطل علينا من عتبات البيوت العتيقة مكنسة القش البلدية، لتؤكد حضورها الطاغي رغم تقادم السنين. إنها ليست مجرد حزمة من الأعواد المرتبة بإحكام، بل هي أيقونة تراثية تلخص علاقة العشق بين الفلاح الأردني وأرضه، وقصة كفاح حرفيّة استطاعت أن تصمد في وجه الآلة الصماء، محافظةً على مكانتها كأداة لا غنى عنها في تطهير المكان ونشر البركة. وتُعد هذه الصناعة جزءاً أصيلاً من (اقتصاد الاكتفاء الذاتي) الذي ميز الريف الأردني، حيث كان الإنسان يصنع أدواته من فيض ما تجود به الأرض.

مكانس القش

1. من حوافي الحقول إلى صدارة البيت:

تبدأ حكاية هذه المهنة من الأرض، حيث يزرع الفلاح بذور (مكنس الذرة)، المعروف علمياً بـ(سورغوم – Sorghum)، على جنبات حقوله الصيفية كحارس للمحاصيل. ومع نضوج السنابل واحمرار بذورها، تبدأ طقوس الحصاد والفرز، حيث يتم اختيار الألياف الأكثر متانة ومرونة. إنها مادة خام وهبتها الأرض ليد الحرفي الماهرة، الذي يدرك الفرق بين (القش الخشن) المعد لحماية البساتين وتنظيف المساحات الخارجية، و (الناعم) المخصص لغرف المنازل، والذي يتطلب دقة في التنقية لضمان عدم خدش الأرضيات.

2. أدوات الحرفة: موسيقى الدق والخياطة:

في ورشة صانع المكانس، لا تسمع ضجيج الآلات الحديثة، بل إيقاعاً منتظماً لـ (الدقماقة) الخشبية وهي تسطح القش وتلين أعواده، وصرير (المسلة) المعدنية الكبيرة وهي تخترق الحزم بخيوط النايلون أو الأسلاك المتينة. إن استخدام (الشدادة) و (الجنزير) لضغط تلك السنابل يمنح المكنسة القوة التي تجعلها تتفوق على نظيراتها البلاستيكية، فهي لا (تنسل) ولا تتعب يد مستخدمها، بل تزداد مرونة مع الأيام. وتمر العملية بمراحل تبدأ من (القشر) ثم (النقع بالماء) لزيادة المرونة، وصولاً إلى (التربيط) النهائي الذي يحدد عمر المكنسة.

3. استخدامات مهنية وأبعاد أسطورية:

تتجاوز هذه المكنسة حدود (الحوش) والبيت الريفي، فهي رفيقة البنّاء في تنظيف (الطينة) وبقايا القصارة، وصديقة الخباز في تنظيف (الطابون) من الرماد ، بل كانت قديماً أداة صانع الحلويات لرش القطر بدقة على الكنافة والحلويات الشعبية. والمفارقة الجميلة أن هذا الموروث الشعبي العربي يلتقي في رمزيته مع أساطير عالمية، فبينما نراها نحن رمزاً للبركة والنظافة، نجدها في الثقافات الغربية وسلسلة أفلام (هاري بوتر) مرتبطة بالخيال والتحليق، مما يعكس القيمة المعنوية العالية لهذه الأداة البسيطة في الوجدان الإنساني، وتحولها من أداة تنظيف إلى رمز (سحري) عابر للثقافات.

4. صراع البقاء في وجه التكنولوجيا:

رغم غزو المكانس الكهربائية والبلاستيكية المستوردة للأسواق، لا يزال الحرفي في شمال الأردن، وتحديداً في قرى حوارة، وبشرى، والمغير، ومرو، وكفريوبا، وغيرها من قرى الشمال الأردني، يخوض معركة البقاء. فالمردود المادي قد يكون محدوداً، لكن القيمة المعنوية هي المحرك. إن المكنسة البلدية تظل (سيدة النظافة) ، فهي صديقة للبيئة، وقوية في الأداء لاسيما في الوصول إلى الزوايا الضيقة، وتحمل في طيات قشها رائحة الأرض وعبق الأجداد. كما أنها تتميز بخاصية (تفريغ الشحنات الساكنة) من السجاد، وهي ميزة تفتقدها البدائل الصناعية.

إن مكنسة القش في ريفنا الشمالي ليست مجرد ذكرى من الماضي، بل هي درس مستمر في الاستدامة والارتباط بالهوية. إن بقاء هذه الحرفة حتى يومنا هذا هو انتصار لليد البشرية المبدعة وللخامات الطبيعية التي لم تخذل الإنسان يوماً. ويبقى الواجب علينا، كموثقين وباحثين، أن نعيد لهذه المهن اعتبارها، ليس فقط كقطع تراثية في المتاحف، بل كجزء حي ونابض من اقتصادنا المنزلي وثقافتنا اليومية التي نعتز بها.

قائمة المصادر والمراجع:

1. الأبحاث الميدانية: توثيق شفوي وملاحظات من حرفيي صناعة المكانس في ريف محافظة إربد (قرى حوارة ، بشرى ، المغير ، مرو ، كفريوبا) ، نيسان 2026 م.

2. وكالة الأنباء الأناضول (Anadolu Ajansı) : تقرير (صناعة مكانس القش. حرفة يدوية تخوض صراع البقاء في الأردن)، منشور بتاريخ 17 / 09 / 2023 م.

3. صحيفة الفداء السورية: لقاء مع الحرفي (أبو إسماعيل) حول مراحل تصنيع مكانس القش ، منشور بتاريخ 05 / 02 / 2019 م.

4. التراث الشعبي العالمي: مراجع حول رمزية المكنسة في السينما العالمية وأثرها على الطلب العالمي للمكانس القشية.

5. دراسات في التنمية الريفية: بحث حول أثر زراعة (ذرة المكانس) في تعزيز الاقتصاد المنزلي في شمال الأردن.

قيصر غرايبة

الكاتب قيصر غرايبة – كاتب مهتم بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة المحلية، يقدّم قراءة أدبية ومعرفية للمكان الأردني من خلال ربط الأرض بالإنسان، والذاكرة الاجتماعية بالوعي الوطني والحضاري.