ليست الأوراقُ دائماً صامتة، فثمة قصاصاتٌ تنطقُ بعبقِ السنين، وتفتحُ نوافذَ الحنين على زمنٍ كان فيه ” الحرفُ ” مقدساً، و ” النجاحُ ” ميثاقاً للرجولةِ والبناء. اليوم، نستنطقُ قصاصةً من جريدةٍ صفراء تعود لعام 1967 م، العام الذي انكسرت فيه الجغرافيا وصمد فيه الإنسانُ الأردنيُّ بعلمه وإرادته. هي ليست مجرد نتائج لشهادة الدراسة الثانوية العامة، بل هي ” خارطة طريق ” لجيلٍ صنع من المستحيلِ وطناً.

وثيقة من ذاكرة إربد التعليمية

سِجلُّ الخالدين في ذاكرة " الأقحوان "

قراءة في " وثيقة نجاح " عُمرها ستة عقود

(قصاصة من ورقة جريدة)

النص عبارة اسماء الطلاب الناجحين في الثانوية العامة عام 1967 م في مدرسة حسن كامل الصباح / اربد ويظهر من بين الاسماء اسم المرحوم:

الدكتور مازن خليل غرايبة

(الاسم موجود في الجزء السفلي من القصاصة) 👇

القصاصة مع المقال

قصاصة نتائج الثانوية العامة عام 1967
قصاصة من نتائج الثانوية العامة عام 1967 م - مدرسة حسن كامل الصباح / إربد

سِجلُّ الخالدين في ذاكرة " الأقحوان " .... قراءة في " وثيقة نجاح " عُمرها ستة عقود

ليست الأوراقُ دائماً صامتة، فثمة قصاصاتٌ تنطقُ بعبقِ السنين، وتفتحُ نوافذَ الحنين على زمنٍ كان فيه " الحرفُ " مقدساً، و " النجاحُ " ميثاقاً للرجولةِ والبناء. اليوم، نستنطقُ قصاصةً من جريدةٍ صفراء تعود لعام 1967 م، العام الذي انكسرت فيه الجغرافيا وصمد فيه الإنسانُ الأردنيُّ بعلمه وإرادته. هي ليست مجرد نتائج لشهادة الدراسة الثانوية العامة، بل هي " خارطة طريق " لجيلٍ صنع من المستحيلِ وطناً.

1. ثانوية " حسن كامل الصباح " .... حكايةُ المنارةِ التي أضاءت ليلَ الشمال:

بين سطور هذه القصاصة التاريخية، يطلُّ علينا عنوانٌ شامخ: ثانوية حسن كامل الصباح - إربد. هذا الصرحُ التعليمي الذي لم يكن يوماً مجرد غرفٍ صفية، بل كان " مَحْضَناً " للوعي في شمال المملكة الأردنية الهاشمية، ومصنعاً للنخب التي تشربت قيم الفلاحة والجد من تربة إربد الحمراء. في تلك السنة المفصلية من تاريخ أمتنا، كانت هذه المدرسة تخرجُ كوكبةً من الفرسان الذين أقسموا أن يكون " القلمُ " سلاحهم في معركة البقاء.

2. الدكتور مازن خليل غرايبة .... حين يكتبُ القَدَرُ أولى صفحاتِ المجد:

في الجزء السفلي من تلك القصاصة، وبين زحام الأسماء المتلألئة، يستوقفنا اسمٌ له في القلبِ غصّة وفي الذاكرةِ فخر: مازن خليل غرايبة .

هذا الفتى الذي كان يحلمُ تحت ظلالِ أشجارِ الزيتون، شقَّ طريقهُ من هذا السطر الصغير في جريدةٍ رسمية، ليصبح لاحقاً الدكتور مازن، الرمز العلمي والإنساني الذي نعتزُّ به.

إنَّ ظهور اسمه في هذا السجل التاريخي هو " توثيقٌ للبدايات “، وبرهانٌ على أنَّ عائلة الغرايبة، كغيرها من عائلات الشمال الأصيلة، جعلت من العلمِ “ركيزةً " لبناء الأبناء، وجهزتهم بالمعرفة ليكونوا ذُخراً للوطن. لقد رحل الدكتور مازن جسداً، لكنَّ اسمهُ المخطوط في هذه الورقة منذ عام 1967 م يظلُّ حياً، يخبرنا أنَّ الطيبين لا يرحلون، بل يتركون آثارهم في سجلاتِ الشرف.

3. تآلفُ القلوبِ والعشائر .... إربد في ورقةٍ واحدة:

حين تطوفُ عيناك في أرجاء القصاصة، تجد " فسيفساء " اجتماعية مدهشة، أسماءٌ من كل حدبٍ وصوب (عبابنة، الصفدي، الكيلاني، خريس، جرادات، سكلجيان، ابو رحمون، الصمادي، الداود، عبيدات، الروسان، العمري، الكيلاني، محافظة، درادكة، أبو الهيجاء، ابو السل، التهموني، وغيرهم الكثير) .

هنا، في مدرسة حسن كامل الصباح، انصهرت العشائرُ في بوتقةِ العلم، وتنافس الأبناءُ بفروسيةٍ أكاديمية. هذه القصاصة هي "وثيقةُ وئام" تثبتُ أنَّ المدرسة الحكومية كانت الحاضنة الأولى للهوية الوطنية، والسبيل الأوحد للارتقاء الاجتماعي المبني على الكفاءةِ والجهد.

4. عطرُ الحبرِ ووفاءُ الأجيال:

إنَّ الاحتفاظ بهذه القصاصة هو فعلُ "وفاء" لذاكرة الدكتور مازن خليل غرايبة (رحمه الله) ولجيله العظيم . إنها تذكرنا بأنَّ النجاح في زمن "السبع وستين" كان له طعمُ الصبر وعطرُ التحدي.

سيبقى اسمُ الدكتور مازن، وسيبقى رفاقُ دربه المنشورة أسماؤهم، شهوداً على عصرٍ ذهبيٍّ كانت فيه مدينة إربد تزهو بخريجيها كما تزهو ببيادرها. فسلامٌ على تلك الأرواح التي علمتنا أنَّ الورقَ قد يصفرُّ، لكنَّ الأثرَ المتروك في وجدان الوطن يبقى أخضرَ أبداً.

التوثيق الفني للقصاصة:

المصدر: نتائج الثانوية العامة الرسمية - الصحافة الأردنية.

التاريخ: عام 1967 م.

المؤسسة التربوية: ثانوية حسن كامل الصباح - إربد.

الشخصية المحورية: المرحوم الدكتور مازن خليل غرايبة

قيصر غرايبة

الكاتب قيصر غرايبة – كاتب مهتم بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة المحلية، يقدّم قراءة أدبية ومعرفية للمكان الأردني من خلال ربط الأرض بالإنسان، والذاكرة الاجتماعية بالوعي الوطني والحضاري.