ثمة عاداتٌ ليست مجرد طقوسٍ عابرة، بل هي “شيفرة” أخلاقية تُفسر لنا عمق الروابط الإنسانية في القرية الأردنية. ومن بين ركام النسيان، نستحضر اليوم مفهوم ” الزهبة “، ذلك المصطلح الذي يحمل في شمال الأردن (إربد وقراها) دلالات الستر والعفة، ويشكل في دول عربية أخرى عنواناً للفرح والزفاف، في مفارقة لغوية واجتماعية تستحق التأمل والتوثيق. إن المجتمع في محافظة إربد وقراها يزخر بممارسات تعلي من شأن الجماعة على الفرد، وتجعل من ” الستر ” و ” الفزعة ” ركيزتين للحياة اليومية.

من ذاكرة الشمال الأردني

العادات والتقاليد العشائرية الإيجابية في شمال الأردن

وفلسفةُ التكافل التي تتحدى النسيان

العادات والتقاليد العشائرية الإيجابية في شمال الأردن .... وفلسفةُ التكافل التي تتحدى النسيان

ثمة عاداتٌ ليست مجرد طقوسٍ عابرة، بل هي "شيفرة" أخلاقية تُفسر لنا عمق الروابط الإنسانية في القرية الأردنية. ومن بين ركام النسيان، نستحضر اليوم مفهوم " الزهبة “، ذلك المصطلح الذي يحمل في شمال الأردن (إربد وقراها) دلالات الستر والعفة، ويشكل في دول عربية أخرى عنواناً للفرح والزفاف، في مفارقة لغوية واجتماعية تستحق التأمل والتوثيق. إن المجتمع في محافظة إربد وقراها يزخر بممارسات تعلي من شأن الجماعة على الفرد، وتجعل من " الستر " و " الفزعة " ركيزتين للحياة اليومية.

العادات والتقاليد العشائرية الإيجابية في شمال الأردن
العادات والتقاليد العشائرية الإيجابية في شمال الأردن

1. " زَهبَة المتوفى" .... رحلة الوداع بذمةٍ بيضاء في إربد وقراها:

تعد " الزهبة " في موروثنا الأردني إعلان وفاء في حضرة الغياب، وهي في العرف الاجتماعي لإربد وقراها لا تعني مجرد قطع قماش، بل هي الاستعداد الكامل والمهيب لرحلة الإنسان الأخيرة، وتتكون من شقين أساسيين:

1. المكونات العينية: وتشمل الكفن (القماش الخام الأبيض النقي) ، والسدر ، والكافور ، والقطن ، والمستكة أو الريحان لتطيب جسد المتوفى ، مما يعكس حرص الأردنيين على أن يغادر الإنسان الدنيا بأبهى صورة طاهرة.

2. المكونات اللوجستية: وتتضمن تأمين قيمة أرض القبر ، وأجرة الحفر ، وتكاليف النقل (الجنازة) ، وهي أعباء تُستخرج فقهياً من أصل "التركة" قبل الديون والوصايا ، لتكون الأولوية دائماً لكرامة الميت.

2. " تبرئة الذمة" .... أكياس الإبر والمشابك وعفة نساء الشمال:

في زاوية منسية من تاريخ السبعينيات وحتى مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، يبرز طقسٌ اجتماعي نادر كان يُمارس في قرى إربد عند وفاة " الأنثى " تحديدا. حيث كان أهل المتوفاة يجهزون أكياساً صغيرة تُوزع على النساء الحاضرات لوداعها، يحتوي كل كيس على:

1. أدوات الخياطة والزينة: (إبر ، خيوط تلحيف ، خيوط - مواسير خياطة - ، قطعة صابون ، زجاجة عطر صغيرة ، حناء ، ومشط عاجي " سن الفيل “).

2. أدوات منزلية بسيطة: (مشابك الأقمشة وملاقط الغسيل وغيرها)

الفلسفة المنطقية: لم تكن هذه الأكياس ترفاً، بل كانت "صك براءة ذمة “. ففي حياة القرية حيث تستعير الجارات من بعضهن أدوات الخياطة البسيطة، كان توزيع هذه الأغراض بمثابة تعويض مادي ومعنوي لكل من استقرضت منها المتوفاة شيئاً في حياتها ولم ترده، لكي ترحل إلى باريها بذمةٍ نقية ونفسٍ راضية.

3. مفارقة " الزهبة" .... حين تتبادل المعاني بين بلاد الشام والخليج ومصر:

يشهد مصطلح " الزهبة " اشتراكاً لفظياً عجيباً، لكنه يتخذ اتجاهات متباينة تماماً عند عبور الحدود:

1. في بلاد الشام (الأردن ، فلسطين ، سوريا ، ولبنان): وكما أشرت ، الزهبة هي " جهاز الموت " والرحيل والستر الأبدي.

2. في دول الخليج والعراق: الزهبة مصطلح مبهج يشير إلى (جهاز العروس) من ذهب وملابس وعطور وفرش وأمتعة تُشترى قبل الزفاف.

3. في مصر: يُطلق المصطلح أيضاً على (متاع العروس) وتجهيزات الأثاث والملابس التي تُنقل إلى بيت الزوجية قبل الزفة.

تظل " الزهبة" في كلتا الحالتين تعبيراً عن " الستر والتجهيز “، سواء كان تجهيزاً لبداية حياة جديدة (عرس) أو تجهيزاً لختام حياة الدنيا (وفاة).

4. التكافل الميداني .... إرث "العونة" والشهامة في إربد وقراها:

تتميز محافظة إربد وقراها بمنظومة فريدة من العادات الإيجابية التي تُشكل جزءاً مهماً من الهوية الوطنية الأردنية، وتعمل على تقوية النسيج الاجتماعي:

1. عادة "العونة" أو "الفزعة “: تُعد من أبرز القيم الاجتماعية ، حيث يجتمع أهل القرية لمساعدة أحدهم في مواسم الحصاد ، أو بناء المنازل ، دون انتظار مقابل مادي ، مما يعزز روح التعاون والأخوة .

2. عادة "الخروج" أو "النياسة “: حيث يُمنع أهل المتوفى من الانشغال بالطبخ ، ويتكفل الجيران بإعداد الطعام (المناسف) في بيوتهم ونقلها لبيت العزاء لإطعام المشيعين ، في أسمى صور المواساة الإنسانية.

3. الكرم وحسن الضيافة (القهوة العربية): تظل القهوة العربية رمزاً مقدساً للاحترام ، حيث تُقدّم باليد اليمنى ، ويُعد قبولها وحسن التعامل مع " الدلة " و " الفنجان " مهارة اجتماعية تعكس أصالة المنبت.

4. المناسبات الاجتماعية الجماعية: تمتاز الأفراح والجاهات بطابع جماعي ، حيث يشارك الجميع في التنظيم والاحتفال (كالدبكة والأهازيج الشعبية) ، مما يرسخ الروابط الأسرية.

5. آداب المجلس واحترام الكبير: الالتزام بآداب الجلوس ، والوقوف عند استقبال الضيف ، وتقديم كبار السن في السلام والكلام ، مما يعكس ثقافة الانضباط الاجتماعي.

6. اللباس التقليدي والهوية: الحفاظ على ارتداء الثوب المطرز للنساء ، والشماغ الأحمر المهدب للرجال ، خاصة في المناسبات الرسمية ، كرمز للأصالة والاعتزاز بالتراث.

5. مظاهر منظومة القيم الإيجابية الموسعة في المجتمع الأردني وأهل الشمال:

يزخر المجتمع الأردني، وتحديداً في شماله الطهور، بفيض من القيم التي تُشكل ملامح الشخصية الوطنية:

1. عادة "القِرى" وإكرام الضيف (ذبيحة الضيف): لا تتوقف الضيافة عند القهوة ، بل إن "القِرى" هو واجب أصيل. ويُحكى في تراث الشمال أن الجار قد يستدين ليكرم ضيف جاره إذا شعر بضيق حال الجار، في تسابق محموم على نيل شرف الخدمة.

2. عادة "السكبة" و "الجيرة “: وهي تبادل أطباق الطعام الساخنة بين الجيران قبل الأذان ، لضمان أن يشم الجميع رائحة الطعام ويتذوقوه ، مما يمنع الحقد ويؤلف القلوب.

3. صلة الرحم و " الود " والولايا (العنايا مصلح دارج في شمال الأردن): يحرص أهل الشمال على زيارة " الولايا " (الأخوات ، العمات ، والخالات) (العنايا) ليس في الأعياد فحسب ، بل في " الطالعة والنازلة " ، ويُعد إكرام المرأة صوناً لهيبة العائلة برمتها.

4. عادة " النقوط " التكافلية: وهي "صندوق دعم سيار" ، حيث يساهم المجتمع في بناء حياة العريس الجديدة مالياً ، ويُوثق ذلك في دفاتر خاصة لرد الجميل في حينه.

5. المواسم الزراعية و " جداد الزيتون “: تجتمع العائلات في " الكروم " ، ويُطبخ الطعام على الحطب (مثل المنسف و المكمورة والمقلوبة والقلايات واللزاقيات وغيرها) ، وتُردد الأهازيج التي تشد من أزر المزارعين.

6. إصلاح ذات البين والقضاء العشائري: للوجهاء في إربد دور " صمام الأمان "، حيث تُعقد "الجاهات" لحل النزاعات وإتمام المصالحات ، مما يحفظ السلم الأهلي بعيداً عن الاحتقان.

7. إغاثة الملهوف و " دخالة البيت “: إجارة من استجار هي قيمة لا تُمس ، فالبيت الأردني مفتوح لكل ملهوف ، وحمايته واجبة حتى لو كلف ذلك النفس والنفيس.

8. آداب التحية و " وقفة العز “: السلام باليد اليمنى ، ووضع اليد على الصدر كتحية احترام ، والوقوف الفوري لكل داخل للمجلس تقديراً له.

9. تقدير " الخبز والملح " و " الممالحة “: من أكل في بيتك صار " معزباً " عليك أمانه ، وهي رابطة أخلاقية تمنع الغدر والقطيعة.

10. المشاركة في " التعليلة " و " المضافات “: تُعد المضافات في قرى إربد (مثل حوارة والصريح والحصن وبشرى والمغير وكفريوبا وغيرها) مدارس للأجيال ، يتعلم فيها الصغار من الكبار فنون الكلام ، والسياسة ، والتاريخ ، وآداب الاستماع.

تابع: مظاهر منظومة القيم الإيجابية الموسعة في المجتمع الأردني وأهل الشمال:

11. توقير " الشيبة " وكبار السن: يُقدم الكبير في كل شيء ؛ في الكلام ، وفي الطعام ، وفي صدارة المجلس ، ولا يُرد له طلب تقديراً لسنوات عمره وخبرته.

12. الشهامة في الطرقات (المروءة): لا يمر أردني بسيارته بجانب " مقطوع " على الطريق إلا ويتوقف للمساعدة ، وهي مروءة فطرية تميز أهل الأردن.

13. الاحتفالات الوطنية والروح الجماعية: في يوم العلم ويوم الاستقلال ويوم الجيش ووقت التفوق والفوز في المنافسات الرياضية وغيرها من المناسبات الوطنية ، تتحول الشوارع في الشمال إلى ساحات فرح جماعي بالأعلام والدبكات ، تعبيراً عن الولاء والانتماء.

14. تكاتف أهل الحي في الأزمات: عند حدوث حريق أو فيضان أو ثلوج ، تخرج " الفزعة " التلقائية لتنظيف الطرق ومساعدة العالقين دون انتظار توجيه من أحد.

15. المحافظة على الحشمة والوقار: في الأماكن العامة والأسواق ، يلتزم الجميع بآداب التعامل مع النساء والمسنين ، مما يخلق بيئة من الانضباط الاجتماعي العفوي.

6. التحولات المعاصرة والوثائق الاجتماعية:

نتيجة الأعباء المرهقة في العصر الحديث، أثبت المجتمع في شمال الأردن وعيه وقدرته على التطوير الإيجابي من خلال " الوثائق الاجتماعية " التي نادت بـ:

1. الاقتصار على القهوة والتمر في بيوت العزاء.

2. إلغاء الولائم الكبيرة والتبذير في المناسبات.

3. تيسير المهور وتبسيط مراسم الزواج (الجاهة والخطوبة) تخفيفاً على كاهل الشباب.

4. الالتزام التام بمنع إطلاق العيارات النارية في المناسبات (الأفراح ، مناسبات التخرج والنجاح في الثانوية العامة) حفاظاً على الأمن والأرواح.

5. تنظيم الوقت في المناسبات الاجتماعية لتجنب الإرهاق وتعطيل الأعمال.

إن العادات والتقاليد في شمال الأردن، وعلى رأسها " زهبة المتوفى “، ليست مجرد مستلزمات مادية، بل هي رسالة أخلاقية تحكي قصة شعبٍ يقدس الجيرة ويحترم الذمة المالية ويصون كرامة الإنسان حياً وميتاً. وبالرغم من تلاشي بعض تفاصيلها التاريخية، إلا أن جوهر " العونة " و " الستر " يظل منبتاً أصيلاً في ثرى الشمال الأردني الطهور، حاملاً قيم الشهامة من جيل إلى جيل.

قائمة المصادر والمراجع:

1. دائرة الإفتاء العام الأردنية: الفتاوى المتعلقة بمؤونة تجهيز الميت وحقوق التركة والتكافل.

2. وزارة الثقافة الأردنية: مديرية التراث الثقافي غير المادي ( توثيق عادات الموت والتعزية والتقاليد الاجتماعية)

3. جامعة اليرموك: دراسات أستاذ التاريخ الدكتور عمر العمري حول الأعراف والتقاليد الاجتماعية في شمال الأردن

4. جريدة الدستور الأردنية: دراسات حول عادات بيوت العزاء والفعاليات الاجتماعية في إربد وقراها.

5. موسوعة المملكة العربية السعودية ودول الخليج: الأقسام المختصة بـ " زهبة العروس " والجهاز.

6. هيئة تنشيط السياحة (زور الأردن): توثيق موائد الطعام وعادات الزواج (الجاهة والطلبة) والقهوة العربية.

7. منصة " إرث الأردن " و " إرثنا “: الأبحاث الميدانية لتوثيق العادات والتقاليد الشعبية في القرى الأردنية.

8. شهادات ميدانية: لنساء ورجال من محافظة إربد حول عادات السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي.

قيصر غرايبة

الكاتب قيصر غرايبة – كاتب مهتم بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة المحلية، يقدّم قراءة أدبية ومعرفية للمكان الأردني من خلال ربط الأرض بالإنسان، والذاكرة الاجتماعية بالوعي الوطني والحضاري.