تظل سير الرجال العظماء كأشجار السنديان المشمخرة، ضاربةً جذورها في أعماق الأرض الأصيلة ، ووارفة الظلال في ذاكرة الأجيال المتعاقبة. واليوم، نستحضر بمداد من فخر شخصيةً فذة من رجالات الشمال الأردني الأشم، رجلاً لم يكن مجرد عابرٍ في سجل الحياة، بل كان قيمةً وموقفاً وسيرةً باذخةً تُروى بكل اعتزاز: المرحوم محمد عبد الرحمن غرايبة (أبو زهير)، أحد وجوه الخير ولواء الوسطية، وركناً متيناً من أركان عشيرة الغرايبة العريقة.

سيرة وفاء وذكرى عطرة

محمد عبد الرحمن غرايبة (أبو زهير)

ستون عاماً من نبل العطاء وشرف الخدمة في ذاكرة " كفرعان "

بقلم: الأستاذ قيصر صالح الغرايبة

المرحوم محمد عبد الرحمن غرايبة

محمد عبد الرحمن غرايبة (أبو زهير) .... ستون عاماً من نبل العطاء وشرف الخدمة في ذاكرة " كفرعان "

بقلم: الأستاذ قيصر صالح الغرايبة

تظل سير الرجال العظماء كأشجار السنديان المشمخرة، ضاربةً جذورها في أعماق الأرض الأصيلة ، ووارفة الظلال في ذاكرة الأجيال المتعاقبة. واليوم، نستحضر بمداد من فخر شخصيةً فذة من رجالات الشمال الأردني الأشم، رجلاً لم يكن مجرد عابرٍ في سجل الحياة، بل كان قيمةً وموقفاً وسيرةً باذخةً تُروى بكل اعتزاز: المرحوم محمد عبد الرحمن غرايبة (أبو زهير)، أحد وجوه الخير ولواء الوسطية، وركناً متيناً من أركان عشيرة الغرايبة العريقة.

البدايات وتكوين الشخصية .... شرف الخدمة العسكرية:

وُلد الفقيد في أحضان بلدة " كفرعان " عام 1930 م، حيث نهل من نبع قيم الأصالة والثبات التي صاغت جيل الرواد الأوائل. استهل مسيرة عطائه جندياً مخلصاً في صفوف القوات المسلحة الأردنية (الجيش العربي) ، حاملاً أمانة المسؤولية بجدٍ واقتدار في مهنة (خازن عهدة) ، وهي المهمة التي استوجبت أمانةً مطلقة ودقةً متناهية، فكان نموذجاً للجندي المنضبط، والوطني الغيور الذي نذر زهرة شبابه لخدمة العرش الهاشمي المفدى والوطن العزيز.

بناء السيرة التجارية والاجتماعية في " كفرعان “:

بعد إتمام رحلته العسكرية الحافلة، عاد " أبو زهير " إلى مسقط رأسه ليخطَّ فصلاً جديداً من فصول البذل، حيث اقتحم غمار العمل التجاري مؤسساً لمحلات تجارة الجملة في بلدة " كفرعان “. ولم تكن تجارته مجرد مضاربات بيعٍ وشراء، بل غدت ملاذاً لأهل بلدته، يجدون فيها سماحة النفس وعون المحتاج، فكان من أوائل من لبّى نداءات الناس بيده الممدودة ووجهه البشوش. لُقب بحق بـ " عنوان الكرم “، فقد كان بيته مشرعاً للضيفان، وقلبه أرحب من المداوين، مما بوّأه مكانةً رفيعة كصوتٍ للحكمة وعقلٍ وازنٍ يُقصد في الملمات والشدائد.

الإرث الإنساني والأسري .... وحدة الدم والمصير:

اقترن المرحوم بالمرحومة السيدة الفاضلة الحاجة “فاطمة محمود عوض غرايبة “، التي كانت خير سندٍ وشريكةٍ في دروب الكفاح والبناء. والمرحومة " أم زهير " هي ابنة الشهيد البطل " محمود عوض غرايبة “، الذي نال شرف الشهادة على ثرى فلسطين الطهور، ممتشقاً سلاحه دفاعاً عن قدسية الأرض وعروبتها.

إن استشهاد والدها في فلسطين يضيف اسماً ناصعاً إلى سجل الخالدين من شهداء عشيرة الغرايبة، الذين رووا بدمائهم الزكية تراب القدس وأكنافها، ليظل ذلك برهاناً جلياً على وحدة الأرض والدم والمصير بين ضفتي نهر الأردن الخالد. وفي كنف هذا البيت المحاط بعبق الشهادة وشرف الخدمة، ترعرع الأبناء والبنات يحملون إرثاً من القيم الراسخة:

  • أ) الأبناء الذكور: (زهير، سهيل، عبد الرحمن، موفق، منير، عبد الرؤوف)
  • ب) البنات الفاضلات: (سهيلة، رقية، إيمان، منيره، زينب، أميرة)

رحلة الصبر والوداع:

في السادس من شهر كانون الثاني عام 1990 م، وبعد رحلةٍ طويلة من الصبر الجميل على ابتلاء المرض (الجلطة والسكري والضغط)، ترجل الفارس عن صهوة جواده عن عمر يناهز الستين عاماً. غادرنا " أبو زهير " جسداً، لكن أثره الطيب ظل نابضاً في كل ركنٍ من أركان " كفرعان “، وفي كل محفل من محافل عشيرته وأهله.

رحم الله المرحوم الحاج محمد عبد الرحمن غرايبة (أبو زهير)، ورحم زوجته المرحومة الحاجة فاطمة محمود عوض غرايبة (ام زهير)، وجعل قبريهما روضة من رياض الجنة، وجزاهما عما قدما لوطنهما وأهلهما خير الجزاء. ستظل يا أبا زهير حاضراً في تفاصيل أيامنا، وسيرةً عطرةً تفتخر بها الأجيال جيلاً بعد جيل.

قائمة المصادر والمرجعيات الشخصية:

  1. المقابلة الشخصية (الاتصال الهاتفي) : الأستاذ عبد الرؤوف الغرايبة (نجل المرحوم) ، توثيقاً لشهادات شفوية ومحطات تاريخية.
  2. السجلات العائلية: التوثيق الشخصي والمراسلات الخاصة بالمرحوم محمد عبد الرحمن غرايبة.
قيصر غرايبة
الكاتب قيصر غرايبة
كاتب مهتم بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة المحلية، يقدّم قراءة أدبية ومعرفية للمكان الأردني من خلال ربط الأرض بالإنسان، والذاكرة الاجتماعية بالوعي الوطني والحضاري.