تضرب جذور صناعة الخبز في أرض الأردن إلى أعماق التاريخ، حيث يُعد اكتشاف بقايا خبز في موقع (شبيقة) الأثري قرب الصفاوي شمال شرق الأردن، أقدم دليل معروف على صناعة الخبز في العالم ، إذ يعود تاريخه إلى نحو 14,400 عام، أي قبل ظهور الزراعة بآلاف السنين. ويكشف هذا الاكتشاف، المرتبط بالحضارة النطوفية، أن الإنسان القديم في هذه المنطقة كان يصنع خبزاً مسطحاً من حبوب برية، مما يؤكد أن الابتكار الغذائي في شمال الأردن سبق الاستقرار الزراعي بزمن طويل.
رغيف البركة في شمال الأردن: من ملاحق البيت الريفي إلى صراع البقاء في العصر الحديث
بقلم: الأستاذ قيصر صالح الغرايبة
تضرب جذور صناعة الخبز في أرض الأردن إلى أعماق التاريخ، حيث يُعد اكتشاف بقايا خبز في موقع (شبيقة) الأثري قرب الصفاوي شمال شرق الأردن، أقدم دليل معروف على صناعة الخبز في العالم ، إذ يعود تاريخه إلى نحو 14,400 عام، أي قبل ظهور الزراعة بآلاف السنين. ويكشف هذا الاكتشاف، المرتبط بالحضارة النطوفية، أن الإنسان القديم في هذه المنطقة كان يصنع خبزاً مسطحاً من حبوب برية، مما يؤكد أن الابتكار الغذائي في شمال الأردن سبق الاستقرار الزراعي بزمن طويل. ومنذ ذلك الفجر البعيد، ظلت هذه الأرض مهدًا للقمح، ولاسيما منطقة حوران التي تقع مدينة إربد في قلبها النابض، والتي كان يطلق عليها تاريخياً اسم (مخزن غلال روما) أو (رغيف حوران)، بسبب إنتاج سهولها الشاسعة لأجود أنواع القمح الذي يصنع منه الرغيف المبارك.
تراث الخبز المنزلي: فرن الطابون مِرفقاً أساسياً:
في مدينتي إربد وقراها، لم يكن المخبز في بداياته كياناً منفصلاً عن المسكن، بل كان (فرن الطابون) ركناً جوهرياً من ملاحق البيت الريفي ومرافقه الأساسية، حيث غابت آنذاك الأفران التجارية المخصصة للبيع، واستقلت كل عائلة بإنتاج قوتها اليومي داخل أسوار منزلها. وتُعد حرفة الخباز (الفران) من أسمى المهن اليدوية التي جسدت مفهوم (البركة) والاعتماد على الذات، وهي الحرفة التي طوعت النار لتقدم من سنابل القمح رغيفاً يفيض بدفء التاريخ.
بدائل الطابون: خبز الصاج و (العربود) البدوي:
وفي الحالات التي لم تتوفر فيها أفران الطابون، اتجهت العائلات في ريف الشمال وباديته نحو (الصاج) لإنتاج خبز (الشراك) الرقيق، وهو نمط شاع استخدامه بكثافة لدى أهل البادية. كما برز في البيئة البدوية ما يُعرف بخبز (العربود) ، وهو عبارة عن عجين يُرق ويُشكل على هيئة رغيف، ثم يُوضع بعناية فائقة بين (الجمر) والرماد الحار حتى ينضج ، مشكلاً أصدق صور التعايش مع البيئة واستخلاص القوت من أبسط الموارد والإمكانيات المتاحة.
أقراص العيد الأردنية: الهوية والبهجة في قرص ذهبي:
وعند الحديث عن تراث الخبز في شمال الأردن، لا يمكن إغفال (أقراص العيد) ، وهو نوع من الخبز يخبز خصيصاً في مناسبات عيد الفطر وعيد الأضحى، ليملأ المكان برائحة شهية لا تقاوم. هذا القرص الذهبي، الذي يُعجن بالحب والفرح، يُصنع من محصول الأرض من القمح وزيت الزيتون البلدي، مع إضافة السمسم وحبة البركة واليانسون والشومر. ويُعد (قراص العيد) الأردني التقليدي بديلاً فاخراً للخبز اليومي، حيث يدهن بمزيد من الزيت ليمنحه ألقاً خاصاً، ويؤكل إما منفرداً مع كأس من الشاي، أو يُغمس بالزيت واللبنة ليكون أكثر ثراءً.
رحلة التحول: من مجهود سيدة البيت إلى مهارة الفران:
ومع تطور أنماط الحياة، بدأت هذه الحرفة بالانتقال من النطاق المنزلي الضيق إلى النطاق الخدمي العام. وفي تلك المرحلة الانتقالية، ساد نمط اعتمد على سيدة البيت التي تتولى عجن العجين وإعداده في منزلها، ثم تحمله بعد تخميره إلى (الفرن) ليقوم (الفران) بمهمة الخبز حصراً. ولكن مع تسارع وتيرة التحديث، استلم الفران زمام المبادرة كاملاً، بدءاً من إعداد العجين وصولاً إلى بيعه جاهزاً للسكان، ليتوارى النمط اليدوي و (بيت النار) التقليدي تدريجياً أمام زحف الأفران الآلية والحديثة.
مخابز إربد العتيقة وبصمة (سركيس) الريادية:
وفي الذاكرة الحية لمدينة إربد القديمة، مثلت المخابز الحجرية الرئة التي تتنفس بها الحارات، فلا تزال رائحة (مخبز الجيزاوي)، و (مخبز الطيرة) في شارع الحصن، ومخابز (مرار) و (الهامي) حاضرة في الوجدان. هؤلاء الفرانة كانوا حراساً للذاكرة، يستقبلون (صواني) الطعام من بيوت الجيران لتنضج في (بيت النار) العام. وفي تلك الحقبة، لمع اسم (مخبز سركيس) كعلامة فارقة، إذ أدخل روح الحداثة بتصنيع الخبز الإفرنجي والكعك والقرشلة.
آل (أبو حماد) والفيحاء: حكايات الصمود والتجديد في حوارة:
أما بلدة حوارة، فقد اكتسبت فيها المهنة بعداً إنسانياً عميقاً، لاسيما مع حضور الشقيقين (أحمد أبو حماد) و (حسني أبو حماد) ، اللذين قدما إلى بلدة حوارة بعد نكسة عام 1967 م ، وعملا في هذه المهنة بكل جد وإخلاص. ومع حلول عقد الثمانينيات، شهدت حوارة تطوراً لافتاً بظهور (مخابز الفيحاء الحديثة) في (حي المطحنة) بالجهة الغربية، وهي مخابز تعود لعائلة من أصول شامية (عائلة مناع ) ، نجحت في المزج بين (السر الشامي) في العجن وبين تقنيات المخابز الآلية الحديثة.
المخابز الآلية الحديثة: تنوع المنتجات وتطور الصناعة:
ومع المضي قدماً في عصرنة هذه الحرفة، شهدت المخابز الآلية الحديثة في إربد تطوراً هائلاً، حيث لم يعد الإنتاج مقتصرًا على الرغيف التقليدي، بل تعددت الأشكال والأحجام لتشمل الخبز الأسمر والخبز الأبيض. كما تحولت هذه المخابز إلى مراكز غذائية متكاملة تشمل تشكيلة واسعة من الحلويات والمعجنات والمناقيش وغيرها، لتلبي احتياجات وتطلعات المستهلك المعاصر.
التحديات الراهنة: صراع البقاء في وجه التكنولوجيا:
رغم هذا التاريخ الموغل في الأصالة، تصطدم مخابز إربد اليوم بتحديات جسيمة، فارتفاع كلف الطاقة والمشتقات النفطية أرهق كاهل الأفران الحجرية، بالتزامن مع هيمنة المخابز الكبرى (الهيبر) ذات الإنتاج الضخم. كما أدت ندرة العمالة الماهرة وتغير الثقافة الاستهلاكية إلى تراجع دور (فران الحارة) التقليدي، مما يضع هذا الإرث أمام خطر الاندثار إذا لم يتم الالتفات إليه كجزء أصيل من الهوية الوطنية.
إن رغيف الخبز الذي نضج يوماً في أفران الطابون، أو على صاج الشراك، أو بين جمر العربود وأقراص العيد، سيبقى شاهداً على مسيرة تطور المجتمع في شمال الأردن. وتظل يد الفران هي اليد المباركة التي تعجن الصبر خُبزاً، ويظل توثيق هذه الذاكرة العبقة واجباً وطنياً لضمان بقاء (رغيف حوران) رمزاً للعطاء.
قائمة المصادر والمراجع:
1. الأبحاث الأثرية: تقارير حول اكتشاف موقع (شبيقة) وأقدم خبز في العالم في البادية الشمالية الشرقية للأردن.
2. الأبحاث الميدانية: توثيق شفوي من ذاكرة أهالي بلدة حوارة ومدينة إربد حول تطور المرافق المنزلية والمهن التراثية ، نيسان 2026 م.
3. التاريخ الشفوي لبلدة حوارة: شهادات حول مسيرة آل (أبو حماد) وتاريخ (مخابز الفيحاء) لعائلة (مناع) في حي المطحنة.
4. نقابة أصحاب المخابز في الأردن: تقارير حول كلف الإنتاج وتحديات القطاع وتطور المنتجات في إقليم الشمال ، 2026 م.
5. مدونة التراث الغذائي: مقال (قراص العيد الأردني التقليدي) ، من إعداد لـمى غرايبة ، (lama_gharaibeh).
6. التراث الشعبي الأردني: دراسة حول ملاحق البيت الريفي وتاريخ الأفران الحجرية والآلية في محافظة إربد.
كاتب مهتم بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة المحلية، يقدّم قراءة أدبية ومعرفية للمكان الأردني من خلال ربط الأرض بالإنسان، والذاكرة الاجتماعية بالوعي الوطني والحضاري.

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.