في تفاصيل العرس الأردني الممتد عبر بهجة الزمان، تفوح دائماً رائحة الأصالة المضمخة بعبق التاريخ، وتتجلى العادات والتقاليد كحبل سري وثيق يربط جيل اليوم بقيم الأمس وذكرياته الجميلة . ومن بين تلك التقاليد البهيجة والأعراف الآسرة التي نجت من مقصلة الحداثة الجارفة ، تبرز ” المطبقيات ” أو ما يتعارف عليه في القرى الحانية والمدن الأردنية بـ ” صرر السكاكر “، لتبوح للوافدين بأسرار الكرم ، وفيض المحبة ، وتباشير الفأل الحسن .
" صرر السكاكر والمطبقيات “: حلاوة العرس الأردني التي لا تطويها السنون
في تفاصيل العرس الأردني الممتد عبر بهجة الزمان، تفوح دائماً رائحة الأصالة المضمخة بعبق التاريخ، وتتجلى العادات والتقاليد كحبل سري وثيق يربط جيل اليوم بقيم الأمس وذكرياته الجميلة . ومن بين تلك التقاليد البهيجة والأعراف الآسرة التي نجت من مقصلة الحداثة الجارفة ، تبرز " المطبقيات " أو ما يتعارف عليه في القرى الحانية والمدن الأردنية بـ " صرر السكاكر “، لتبوح للوافدين بأسرار الكرم ، وفيض المحبة ، وتباشير الفأل الحسن .
إن المطبقية في جوهرها الأصيل ليست مجرد قطعة حلوى عابرة تُقدم لزائر ، بل هي رسالة شكر دافئة مغلفة بخيوط الشبك المزخرف والتطريز الفاخر ، ويقين شعبي حكيم يترجم مشاعر الفرح الغامرة إلى مظهر ملموس يتقاسمه الصغير والكبير في وئام .
من " الصرة " إلى " المطبقية " ... حكاية الاسم والنشأة :
يعيدنا كبار السن في قرانا الأردنية الوادعة إلى المحطات الأولى والمنابع الجذور لهذه العادة الوجدانية ، ففي ليلة الحناء الأنيقة أو صبيحة " يوم العرس " ، كان النسوة والأقارب يجتمعن قبل العرس بأيام في ألفة وتلاحم لتجهيز تلك " الصرر " . وكانت الصرة قديماً تصنع من قطعة قماش بسيطة وشفافة من قماش الشيفون ، تُملأ بحبات اللوز الشهي المغطى بالسكر الأبيض الناصع والسكاكر الزاهية الملونة .
أما تسمية " المطبقيات " أو " المطبقانيات " ، فقد انبثقت محلياً من ماهية الأواني أو العلب الصغيرة المحكمة الإغلاق ( المطابق ) التي كانت تُحفظ في أحشائها هذه الحلوى لتُوزع لاحقاً على الضيوف والمحبين ، حاملة معها " حلاوة الفرح " النبيل لتصل إلى بيوت ومنازل كل من حضر لبيان المودة ، ومن غاب لعذر .
دلالات تسكن الوجدان : " حياة حلوة " وشكر موصول :
ولم تكن المكون الصيد للمطبقية وليدة الصدفة المحضة أو العفوية العابرة ، بل إن اختيار اللوز المغطى بالسكر والسكاكر يعكس بُعداً نفسياً واجتماعياً عميقاً غائراً في الثقافة الشعبية ، وهو التفاؤل الاستشرافي والفأل الحسن ، وتمني " الحياة الحلوة " المديدة المترعة بالهناء للعروسين ، وأن يكتسي مستقبلهما المشترك بثوب البياض والنقاء الشبيه ببياض ذلك السكر الناصع .
ومن جانب آخر ، يمثل توزيع المطبقيات في العرف المأثور أعلى درجات الترحيب وحسن الامتنان . فالعرس في الموروث الأردني هو بمثابة " فرحة وطن صغير " تتداعى لها العشيرة والحي بأكمله ، وتقديم هذه التذكارات والهدايا الرمزية يعد بطاقة شكر صامتة وملموسة من عائلتي العروسين والذوي لكل من اقتطع من وقته وجاء متطوعاً ليشاركهم بهجة العمر الغالية .
الحداثة تخدم التراث: عندما تتأنق الصرة :
ورغم أن قطار العصرنة المتسارع قد غير الكثير من ملامح التجهيزات والحفلات ، إلا أن المطبقيات الأردنية الأصيلة لم تختفِ ولم تندثر ، بل " تأنقت " بذكاء واكبت من خلاله روح العصر وصيحات التصميم . تحولت الصرة البسيطة اليوم إلى قطع فنية هندسية مشغولة بعناية فائقة ، فباتت تضم بين جنباتها الشوكولاتة الفاخرة ، وقوارير المسك والعود الذكي ، والمباخر المصغرة الأنيقة ، والمصاحف الشريفة المغلفة بالقطيفة المخملية ، والتي يحمل بعضها اسِمي العروسين وتاريخ زفافهما الميمون محفوراً بدقة الليزر .
بل إن الإبداع والابتكار الأردني قد ذهب إلى أبعد من ذلك بكثير ، حيث اتجهت بعض المشاغل الحرفية واليدوية المحلية المتميزة إلى صناعة مطبقيات فريدة مستوحاة من الهوية التاريخية العريقة للأردن ، ومطرزة بحجارة الفسيفساء الأثرية الساحرة ، ليتحول التذكار الفاخر من مجرد قطعة حلوى تؤكل ، إلى تحفة تراثية باقية تُزين ردهات المنازل وصالوناتها لسنوات طويلة وعقود مديدة .
محرك اقتصادي بأيديِ الأسر المنتجة :
وخلف هذه العادة الاجتماعية الجميلة والمبهجة ، يقبع شريان اقتصادي وتنموي حيوي لا يمكن إغفاله . فلم تعد المطبقيات مجرد عبء منزلي تقليدي ، بل تحولت بمرور الأيام إلى قطاع حرفي واقتصادي منزلي يزدهر ويتنفس مع إشراقة " موسم الأعراس " في فصل الصيف . وتتنافس اليوم الأسر المنتجة الفاعلة ، والسيدات الحرفيات في الجمعيات الخيرية ، والمشاغل المحلية في ابتكار تصاميم فنية مميزة وأشكال هندسية وتطريزات تحاكي تراث وعراقة كل منطقة أردنية ( من أثواب الشمال المنسوجة والمطرزة بالحب إلى عبق وأصالة الجنوب الشامخ ) ، مما يوفر فرص عمل كريمة مستدامة ويحافظ في الوقت ذاته على ديمومة وصمود الحرف اليدوية المحلية بوجه الاندثار .
يبقى العرس الأردني لوحة فنية فلكلورية آسرة تشكل المطبقيات والتوزيعات إحدى أزهى وأرقى ألوانها التعبيرية . إنها العادة العميقة التي تثبت يوماً بعد يوم أن موروثنا الشعبي العريق يمتلك مرونة مذهلة وقدرة فائقة على البقاء والاستمرارية ، يتطور في الشكل الخارجي ، ويتأنق في المظهر العصري ، ولكنه يحافظ بقوة على جوهره الأصيل وثوابته المتمثلة في : نشر معالم الفرح ، وتعميق الروابط الإنسانية ، وبقاء الذكرى الطيبة العطرة في قلوب الناس والمجتمع .
معرض صرر السكاكر والمطبقيات
المصادر والمراجع :
- 1 ) صحيفة الغد الأردنية : تقرير منشور بعنوان " توزيع صرر السكاكر بالمناسبات ... عادة تحافظ على حضورها بالقرى " ، يوليو 2021 م .
- 2 ) صحيفة الدستور الأردنية : مقال وثائقي بعنوان " المطبقانيات والحنة والنقوط وزفة العريس ... تقاليد شعبية في ذاكرة الأردنيين " .
- 3 ) وزارة الثقافة الأردنية : مديرية التراث الثقافي غير المادي ، الدواوين والتقارير التوثيقية للعادات والتقاليد الاجتماعية .
- 4 ) منصة إرث الأردن ( Jordan Heritage ) : الدراسات والبحوث الميدانية الخاصة بـ " المناسبات الأردنية وأنماطها الغذائية والاجتماعية " .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.