في الوقت الذي تزحف فيه حداثة القرن الحادي والعشرين بتفاصيلها الرقمية وقاعات الأفراح المغلقة على حفلات الزفاف ، تطفو على سطح الذاكرة الشعبية طقوس بدائية مشحونة بالدلالات والرموز ، عاشت عليها أجيال متعاقبة في بلاد الشام . ومن بين هذه الطقوس ، تبرز عادة ” عجينة العروس ” ( أو خميرة العروس ) كواحدة من أعمق الممارسات التراثية التي كانت تُشكل ” العقد النفسي والاجتماعي غير المكتوب ” بين العروس وعائلتها الجديدة فور وصولها عتبة منزلها ومستقبلها المشترك.
ملح وخميرة وورق عنب وتين ... " عجينة العروس " طقس العتبة الأولى وصك الاستقرار في الذاكرة الشعبية الأردنية
في الوقت الذي تزحف فيه حداثة القرن الحادي والعشرين بتفاصيلها الرقمية وقاعات الأفراح المغلقة على حفلات الزفاف ، تطفو على سطح الذاكرة الشعبية طقوس بدائية مشحونة بالدلالات والرموز ، عاشت عليها أجيال متعاقبة في بلاد الشام . ومن بين هذه الطقوس ، تبرز عادة " عجينة العروس " ( أو خميرة العروس ) كواحدة من أعمق الممارسات التراثية التي كانت تُشكل " العقد النفسي والاجتماعي غير المكتوب " بين العروس وعائلتها الجديدة فور وصولها عتبة منزلها ومستقبلها المشترك.
فما هي قصة هذا الطقس الذي وثقته المنصة الوطنية الأردنية للتراث الثقافي غير المادي ؟ وكيف تحولت قطعة عجين صغيرة إلى مؤشر يُقرأ من خلاله مستقبلاً كاملاً ؟
العتبة الأولى : اللحظة المترقبة تحت سقف الزغاريد
تبدأ حكاية هذا الطقس القديم عند اللحظة الأكثر إثارة وتشويقاً في حفل الزفاف ، وهي لحظة وصول " الزفة " وموكب العروس إلى بيت الزوجية . هناك ، على العتبة ، لا يكون الدخول عادياً ، بل تحكمه مراسم دقيقة أعدت لها والدة العريس ( الحماة ) مسبقاً .
تُجهز الحماة قطعة من العجين الخامر المصنوع من طحين القمح النقي . وقبل أن تطأ قدم العروس داخل المنزل ، تتقدم إليها الحماة حاملةً هذه القطعة وقد غُرست فيها ورقة من أوراق الشجر المعمر مثل ورق العنب أو ورق التين ، أو وُضعت عليها ورقة ريحان أخضر يفوح بعطره الزكي .
تتناول العروس قطعة العجين بيدها اليمنى – تبركاً وتيمناً باليُمن والبركة – وتقوم بلصقها بقوة أمام منزل زوجها ، إما على الباب الخشبي للبيت الذي ستعيش فيه ، أو على الحائط الخارجي المحيط بالباب ، وسط ترقب عيون الحاضرين الذين يحبسون أنفاسهم بانتظار النتيجة .
ميثولوجيا الطحين والنبات : تفكيك الرموز الشعبية
لم تكن " عجينة العروس " مجرد تسلية عابرة ، بل كانت فلسفة فلاحية بامتياز ، تستعير من الأرض عناصرها ( القمح ، الشجر ، والريحان ) لتصوغ منها أمنيات الوجود والبقاء ، ويمكن تفكيك رموزها التراثية على النحو التالي :
التصاق العجين ( الاستقرار الأبدي ) : التفسير الشعبي الأبرز لهذه الحركة هو الرغبة في أن تلتصق العروس في هذا المنزل وثناياه وتصبح جزءاً لا يتجزأ من نسيجه الأسري ، تماماً كما تلتصق قطعة العجين بالجدار ، كناية عن الثبات الأبدي وألا تخرج من هذا البيت أبداً .
الخميرة ( سر الخصوبة ) : العجين يُصنع من الخميرة ، والخميرة في الوعي الجمعي القديم هي أصل النمو والنضج ، وبالتالي فهي ترمز إلى " الخصب والنماء " ، والدعوة بأن تكون العروس سبباً في استمرار الحياة وتكاثر الذرية وإنجاب الأطفال .
ورق العنب والتين والأشجار المعمرة ( الديمومة ) : اختيار ورق العنب ، وورق التين أو الأشجار المعمرة يحمل أمنية مبطنة بأن يمتد العمر بهذه الحياة الزوجية ، وأن تمتلك الأسرة الجديدة جذوراً قوية تقاوم عوادي الزمن .
ورق الريحان ( البهجة الفواحة ) : يمثل الريحان بنضارته وخضرته ورائحته العطرة دور العروس القادمة التي يُنتظر منها أن تملأ البيئة الأسرية الجديدة بالخير ، البركة ، السعادة ، والبهجة .
بين الفال الحسن ونذير الشؤم : الأثر النفسي للطقس
تحبس اللحظات التي تلي إلصاق العجينة الأنفاس ، فإذا التصقت قطعة العجين بثبات ولم تسقط ، يُعتبر ذلك فالاً جيداً وبشيراً بالاستمرار في الحياة الزوجية بنجاح وهدوء ، وهنا تنطلق زغاريد أم العريس ( المهاهات ) وتتعالى أغاني النساء فرحاً بقدوم " الكنّة المباركة " ذات القدم الميمون .
أما إذا خانت المقادير العروس ، وكانت العجينة رخوة فسقطت على الأرض ، فإن المشهد ينقلب تماماً ، إذ يُنظر إلى ذلك كـفال شؤم ونذير قلق ، مما يترك هواجس وانطباعات أولية سلبية في الوجدان الشعبي حول مصير هذا الزواج وقدرته على الاستقرار ، وقد يتسبب ذلك أحياناً بحساسيات عائلية مبكرة .
من العتبة إلى الكرسي : اكتمال الفرح
بعد الفراغ من طقس العجين ، تدخل العروس البيت محفوفة بالنساء لتجلس على كرسي أُعد لها خصيصاً ، وإلى جانبها كرسي العريس . وتستمر النساء في تدوير الأغاني الشعبية بانتظار وصول العريس الذي يكون متواجداً في تلك الأثناء في المضافة أو " الديوان " يستقبل المهنئين ، لتكتمل بذلك لوحة الفرح البدوي والقروي الأصيل .
ختاماً ، وبالرغم من أن هذه العادة قد تراجعت في أفراحنا المعاصرة واستُبدلت بمظاهر أخرى ، إلا أن " عجينة العروس " تظل محفورة في سجلات توثيق الهوية الوطنية لحفظ التراث الثقافي غير المادي الأردني . إنها تذكرنا بزمن كان فيه الفرح يُصنع من طحين القمح ، وكانت عتبات البيوت فيه تقرأ الغيب بعيون من أمل وخضار وثبات .
معرض تراث عجينة العروس
قائمة المصادر والمراجع
أولاً : المصادر الوطنية والمؤسسية الرسمية
- 1 ) المنصة الوطنية الأردنية للتراث الثقافي غير المادي ، وزارة الثقافة المملكة الأردنية الهاشمية . ملف حصر عناصر التراث الشعبي : طقوس وعادات الزواج ( عجينة العروس ) . الرابط الإلكتروني : https : //ich.gov.jo/node/114359
- 2 ) مديرية التراث الثقافي غير المادي ، وزارة الثقافة الأردنية . قاعدة بيانات المأثورات الشعبية والعادات الاجتماعية في المحافظات . الرابط الإلكتروني : https : //www.ich.gov.jo/node/70313
ثانياً : الصحف والمواقع الإخبارية والثقافية المتخصصة
- 3 ) وكالة حقيقة نيوز الإخبارية ( Fact International ) ، تقارير توثيقية حول الموروث الفلاحي وعادات العتبة في الأفراح الأردنية القديمة . الرابط الإلكتروني : https : //factjo.com/news/126784
- 4 ) منصة ومجلة همسات الثقافية ، قسم الأنثروبولوجيا والتراث الشعبي . مقال استقصائي حول " عجينة العروس في تراث بلاد الشام وفلسطين " . الرابط الإلكتروني : https : //hamsaat.co/archives/241693
- 5 ) موقع ومنصة شرقنا الثقافية ( Charqouna ) ، دراسات في الأنثروبولوجيا المشرقية : أصل وفصل عادة " خميرة العروس " ودلالاتها الميثولوجية . الرابط الإلكتروني : https : //www.charqouna.com/خميرة-العروس/أصلو - وفصلو/
ثالثاً : المراجع الميدانية والأدبيات الشفوية
- 6 ) الروايات الشفوية المتواترة : مرويات الجدات والأمهات في مجتمعات القرى والأرياف الأردنية ( خاصة في شمال الأردن ) حول طقوس " الفال " وشروط ممارستها على عتبة بيت الزوجية .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.