في زمنٍ تتسارع فيه خطى الحداثة لتذيب ملامح الهويات الخصوصية ، تظل الأعراس الأردنية قلعةً حصينةً تحرس أصالة الماضي وتنبض بقيم الحاضر. إن العرس في الوجدان الأردني ليس مجرد حفل عابر لتوثيق ارتباط شخصين ، بل هو تظاهرة اجتماعية وثقافية كبرى ، تتلاقى فيها بيئات الوطن الثلاث : من كبرياء البادية ، وثبات الريف ، وعراقة الحواضر ، لترسم معاً لوحة تراثية تعزف على أوتار النخوة ، والكرم ، والتكافل الاجتماعي
العُرس الأردني ... ملحمة التراث الممتد من " فنجان الجاهة " إلى " ذبيحة الزوارة "
في زمنٍ تتسارع فيه خطى الحداثة لتذيب ملامح الهويات الخصوصية ، تظل الأعراس الأردنية قلعةً حصينةً تحرس أصالة الماضي وتنبض بقيم الحاضر. إن العرس في الوجدان الأردني ليس مجرد حفل عابر لتوثيق ارتباط شخصين ، بل هو تظاهرة اجتماعية وثقافية كبرى ، تتلاقى فيها بيئات الوطن الثلاث : من كبرياء البادية ، وثبات الريف ، وعراقة الحواضر ، لترسم معاً لوحة تراثية تعزف على أوتار النخوة ، والكرم ، والتكافل الاجتماعي .
وتبخيساً للتشتت ، وتوثيقاً للذاكرة الحية ، اورد في مقالي هذا تفاصيل هذا الموروث متسلسلةً ومنظمةً خطوةً بخطوة ، من أول عتبات الارتباط حتى أواخر أيام الفرح .
المرحلة الأولى : مراسم الخطوبة والارتباط الرسمي :
1 ) الجاهة والطلبة والرد ( فنجان لا يُشرب إلا بالقبول )
تبدأ الحكاية ببروتوكول عشائري صارم يفيض بالهيبة والوقار ، حيث تنطلق " الجاهة " التي تضم كبار رجالات عائلة العريس ووجهاء من عشائر أخرى ، متوجهةً صوب ديوان أهل العروس . وهناك ، يتجلى أدب اللجوء للوجهاء في طقس " فنجان القهوة السادة " ، هذا الفنجان الذي يُسكب ويُوضع أمام كبير الجاهة فلا يمسّه بشفةٍ ، بل يتركه شاهداً صامتاً حتى يُطرح المطلب .
وما إن ينطق لسان الجاهة بالطلب ، ويأتي " الرد " بالموافقة والترحيب من كبار عشيرة العروس قائلين : " اشرب قهوتك واطلب وتمنى " ، حتى يُرفع الفنجان وتُقرأ الفاتحة . لتنطلق المهاهات وتوزع الكنافة .
2 ) عقد القران ( كتب الكتاب ) :
يتلو الجاهة حضور المأذون الشرعي لتوثيق الزواج وتوقيع " كتب الكتاب " بصفة رسمية وشرعية . ويتضمن العقد اتفاق الطرفين وتحديدهما للمهر ، والذي يُقسم عادةً إلى مَهر معجّل ( يُدفع لتجهيز العروس ) ومهر مؤخّر .
3 ) شراء الذهب :
خطوة أساسية تتبع عقد القران وتسبق احتفالات الزفاف بأيام ، حيث يتوجه العريس برفقة العروس وأمهاتها إلى السوق لانتقاء " جهاز الذهب " والمصاغ الذي يمثل ركيزة في جهاز العروس وتكريمها وإعلاء شأنها .
المرحلة الثانية : احتفالات ما قبل الزفاف ( التعاليل والحناء )
1 ) التعاليل والدبكات وطقس الشاي :
وقبل ليلة الزفاف ، يعيش الحيّ صخباً جميلاً يُعرف بـ " التعاليل " ، وهي سهرات شعبية تمتد في ليالي ما قبل الزفاف . وإنْ اختصرت الأيام الآن لليلة أو ليلتين ، إلا أن الذاكرة الأردنية لا تزال تحتفظ بصورة العرس القديم الذي كان يمتد من الجمعة إلى الجمعة ، حيث كان الجيران يجمعون " فرشات الحارة ومواعينها " ليبيت ضيوف الفرح كلهم في بيت العرس بروح واحدة .
وفي هذه التعاليل ، يلتقي الشباب والرجال في حلقات " الدبكة " الأردنية المتنوعة ( كالشمالية ، والطيارة السريعة ، الجوفية والتسعاوية ) ، ويشاركون في حلقات " السحجة " و" السامر " و الدحية " البدوية الأصيلة . ويتلازم مع هذه السهرات طقس ضيافة أصيل ، حيث تُوزع أكواب الشاي الساخن على امتداد السهرة والتعليلة لتبث الدفء والانسجام وتُبقي جذوة السمر متقدة بين الحضور .
2 ) طقس الحناء وتوزيع المطبقيات :
وفي جانب آخر موازٍ للتعاليل ، تحتفي النساء بـ " طقوس الحناء " في ليلةٍ نسائيةٍ بامتياز تُعقد في منزل أهل العروس . تُزين " صينية الحناء " بالشموع وأوراق الشجر الخضراء والورود ، وتقوم قريبات العروس بنقش الحناء على كفيها وقدميها وسط صديقاتها .
وتتسم هذه الليلة بمزيج شجي من المشاعر ، حيث تمتزج زغاريد الفرح بالأغاني التراثية الحزينة ( مثل الأغنية التراثية الشهيرة : " يما سَبِّلي على جفوني ... وشيلوا دموعي لا يبكوني " ) . ويتخلل هذه الليلة طقس " توزيع المطبقيات " ، وهي علب تراثية صغيرة مزينة تحتوي على حبات من الحلوى والملبس ومستحضرات عطرية أو حناء مجففة ، تُوزع على المدعوات كشكرٍ لهن على مشاركتهن الفرحة وليحملن معهن طيب الأثر .
المرحلة الثالثة : مراسم يوم الزفاف ( من الصباح حتى المساء )
1 ) حمام العريس وإكرام المحارم :
مع إشراقة يوم الزفاف ، يبدأ طقس " حمام العريس " ، وهو لوحة دافئة من لوحات الصداقة والشهامة بين الشباب . يستضيف أحد الأصدقاء المقربين العريس في منزله ، ويستدعون الحلاق لقص شعر العريس وأصدقائه وسط الأغاني .
وعقب الانتهاء من الاستحمام واللباس ، يبرز طقس أصيل يعبر عن صلة الرحم المتجذرة في المجتمع الأردني ، حيث " يوزع العريس الهدايا على محارمه " ( من أخوات ، وعمات ، وخالات ) ، والتي تكون غالباً عبارة عن أثواب تراثية أو أقمشة فاخرة أو هدايا عينية قيمّة ، تعبيراً عن تقديره لهن وبره بهن في يوم فرحه الكبير .
2 ) زفة العريس ( طقس المظلة ورش الملبس والتوفي والأرز ) :
بعد الحمام واللباس وإكرام المحارم ، تبدأ " الزفة " ، حيث يُزف العريس بركبة من أصدقائه وأهله على أنغام الأهازيج التراثية والشعبية الحماسية التي تلهب حماس الحضور وتبعث روح النخوة ، ومنها أغاني المديح والفخر بالعريس ونسبه وعزوته ( مثل : " تشكيلة تشكيلة ... وعريسنا ما أحلى بدلتو الكحيلة " ، وأهازيج " يا ريت مبروك عليك عروستك " ) . وفي وسط هذه الجموع المتلاطمة ، تبرز " مظلة العريس المزركشة " ( شمسية الزفة ) المرفوعة بأيدي أصدقائه كـ " شاخص بصري " وهالة مهابة تُظلله كـ " ملك الفرح " .
وأثناء مسير الزفة وتهادي العريس ، يبرز طقس شعبي غاية في البهجة ، حيث تعمد النساء من على أسطح المنازل والشرفات إلى " رش العريس والزفة بالملبس ( حامض حلو ، مخشرم ، .... الخ ) والتوفي وحبات الأرز " . ويحمل هذا الطقس دلالات رمزية عميقة مستمدة من الوجدان الشعبي الأردني ، فرش الملبس والتوفي يرمز إلى أمنيات بأن تكون أيام العروسين القادمة حلوة المذاق تفيض بالمسرات والود التام ، بينما يمثل رش الأرز رمزاً تفاؤلياً بالخير الوفير ، والبركة في الرزق ، والنماء ، وتمني الذرية الصالحة التي تكاثر كحبات الأرز في هذا البيت الجديد .
3 ) عباءة الخال :
عند وصول العريس وأهله إلى بيت والد العروس لإحضارها ، يبرز طقس " عباءة الخال " قبل خروج العروس من باب بيتها . ففي الموروث الأردني ، يُعتبر الخال سنداً وابناً أصيلاً للعشيرة ، وتأكيداً لمكانته الرفيعة يتقدم العريس أو والده بتقديم عباءة عربية فاخرة تُوضع على كتف الخال ، كرسالة احترام بالغة تطلب مباركته وخروج ابنة أخته بالرضا التام تطييباً للخواطر وصوناً للحقوق .
4 ) الفاردة وموكب الزفاف :
بعد تطييب الخواطر ، تنطلق " الفاردة " ، ذلك الموكب الحافل والمهيب من سيارات الأهل والأقارب التي تتزين بالورود ، متجهةً بالعروسين نحو صالة الاحتفال ( أو منزلهما الجديد ) وسط أهازيج الفرح وأبواق السيارات المنسجمة .
5 ) الصمدة واللوج ( تلبيس الذهب ) :
في قاعة الحفل ، يتجلى فضاء الإشهار والحلول البصري من خلال " الصمدة " واللوج ( مقعد العروسين المرتفع ) . اشتُق مسمى الصمدة من الثبات والاستقرار والتعلي ، حيث تجلس العروس كملكة متوّجة على اللوج الذي يُصمم مرتفعاً ليراه كل الحضور إعلاناً وتكريماً لها .
وعلى منصة اللوج ، وأمام عيون الحاضرات ووسط انطلاق المهاهات ( آويها ) والزغاريد ، يتم تنفيذ طقس " تلبيس الذهب " ، إذ يقوم العريس بتلبيس طقم الذهب لعروسته ، وتقوم القريبات بتقديم قطع ذهبية كنوع من النقوط الثمين للعروس .
6 ) طقس العجينة على عتبة البيت ونحر الحلية :
عند وصول العروسين إلى منزلهما الجديد ، يُمارس طقس رمزي موغل في القدم ، وهو " إلصاق العجينة المزينة بورق العنب والتين " على مدخل الباب . تُعطى العروس قطعة من العجين لتلصقها بقوة على جدار العتبة وتغرس فوقها أوراقاً خضراء من شجر العنب والتين ، وهو طقس تفاؤلي يرمز إلى الثبات والاستقرار في هذا البيت ، والبركة والنماء والخصوبة المستدامة التي تحملها العروس معها . وقبل الدخول ، تُنحر " ذبيحة الحليّة " تيمناً ببركة العتبة وأن تحلّ له زوجته .
7 ) وليمة العرس ( المنسف الأردني ) :
في ظهيرة يوم الزفاف ، يتجلى الكرم الأردني في أبهى صوره الإنسانية والاجتماعية عبر " وليمة العرس " الكبرى ، حيث يكون " المنسف البلدي " هو سيد الموقف وعنوان الحفاوة دون منازع . تُنحر الذبائح من الخراف البلدية في الصباح الباكر ، ويشرف رجال العشيرة على طهوها في قدور كبيرة بالجميد الكركي أو البلعماوي الأصيل ، وتُقدم السدور الكبيرة المفروشة بخبز الشراك واللحم البلدي للأقارب والمهنئين وسط عبارات الترحيب : " أهلاً وسهلاً ... حيالله بالنشامى " .
8 ) النقوط والتعاضد الاجتماعي :
يتزامن مع الوليمة أو السهرة الختامية نظام اقتصادي وتكافلي عبقري يتمثل في " النقوط " . يقوم الأقارب والأصدقاء بتقديم مبالغ مالية دعماً للعريس في مستهل حياته الزوجية . وفي كثير من المناطق ، تُعلن الأسماء والمبالغ بمكبرات الصوت لتوثيق " دَين اجتماعي ملزم " يُسجل في دفاتر خاصة ليرد لأصحابها في مسراتهم القادمة ، مما يساهم في تخفيف الأعباء المالية وحماية الشاب من الديون .
المرحلة الرابعة : طقوس الأيام التالية للزفاف
1 ) الصباحية :
وحين تنطفيء أنوار ليلة الزفاف ، تتبعه في الأيام التالية طقوس عائلية متوارثة تؤكد عمق المصاهرة . تبدأ بـ " الصباحية " ( أو الصبحة ) وهي وجبة الإفطار التكريمية الغنية التي تُقدم للعروسين في صبيحة ليلتهما الأولى من قِبل أهل العريس أو الأقارب المقربين .
2 ) الزوارة أو اللحقة ( ذبيحة الزوارة ) :
تتوّج هذه المراسم بـ " الزوارة " ، حين يزور أهل العروس ابنتهم بعد أيام قليلة من انقضاء الزفاف في بيتها الجديد . ولا يذهب الأهل فارغي الأيدي ، بل يكونون مصحوبين بالهدايا العينية والأطعمة ، بالإضافة إلى تقديم ذبيحة كاملة تُعرف بـ " ذبيحة الزوارة " ، كرسالة محبة عميقة وتعبير اجتماعي مادي يؤكد أن الروابط بين العائلتين أصبحت وثاقاً غليظاً لا تنفصم عراه .
إن العرس الأردني ، بتفاصيله المرتبة والمتسلسلة من فنجان الجاهة العشائري ومظلة الزفة ورش الأرز والملبس إلى عباءة الخال وعجينة العتبة الخضراء ، وصولاً إلى الصمدة المميزة وتقديم ذبيحة الزوارة ، ليس مجرد فلكلور يُعرض ، بل هو مرآة حية تعكس بنية المجتمع الأردني المحافظ ، وتؤكد أن الأصالة والمعاصرة يمكن أن يسيرا جنباً إلى جنب . إنها تقاليد يتوارثها الأجيال بحب وفخر ، لتبقى الهوية الأردنية دائماً ناصعة ، بهية ، ونابضة بالحياة .
معرض العُرس الأردني
قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) وزارة الثقافة الأردنية ، مديرية التراث الثقافي غير المادي ، منصة ( ich.gov.jo ) ، توثيق عادات الزواج والتراث الاحتفالي في الأردن .
- 2 ) مؤسسة إرث الأردن ( Jordan Heritage ) ، دراسة منشورة بعنوان " عادات الغذاء في الطقوس والمناسبات عند الأردنيين " ، ودراسة " الطقوس والتراث الاحتفالي في الأعراس الأردنية " ، 2019 م .
- 3 ) مجلة الثقافة الشعبية ، المنامة ، البحرين ، دراسات ميدانية حول الأنثروبولوجيا والتقاليد الاجتماعية العربية .
- 4 ) مقال " أعراس الأردن : لكل منطقة موروثات خاصة " ، منشور في شبكة رصيف 22 الثقافية ، 2016 م .
- 5 ) تحقيق صحفي " زفة العريس تحيي الأهازيج الشعبية المنسية " ، جريدة الرأي الأردنية ، بقلم د . حنان الخريشا .
- 6 ) تحقيق صحفي " العُرس الأردني ... مرآة الأردنيين وتقاليد يتوارثها الأجيال " ، منشور في موقع عمان نت الإخباري ، 2020 م .
- 7 ) تقرير تلفزيوني " عادات وتقاليد أردنية في الأعراس تُراوح بين الماضي والحاضر " ، قناة المملكة الفضائية .
- 8 ) وثائقي ميداني " عادات وتقاليد الأردنيين في الأفراح بين الماضي والحاضر " ، إعداد الباحث إسماعيل الخصيلات .
- 9 ) منتدى آبار الماشي ، توثيق " عادات الزواج والتقاليد العشائرية الأصيلة في الأردن " .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.