يستعرض هذا المقال ، سرد تاريخي وإنساني ، لسيرة الراحل المرحوم موسى ( أكرم ) سليمان الغرايبه ، مسلطاً الضوء على محطات حياته في بلدة المغير الريفية ، وروح العصامية التي تحلى بها ، إلى جانب مسيرته المهنية الحافلة في بلدية إربد ومكتبتها ، وصولاً إلى استقرار أسرته وكفاح زوجته الراحلة في تربية أبنائهما الأبرار .

شذرات من الوفاء والعصامية : سيرة الراحل المرحوم موسى ( أكرم ) سليمان الغرايبه


بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه


​هناك أواصر خفية تربطنا بذاكرة المكان والرجال ، وكأن التاريخ المحلي لبلدنا يكتبه أولئك البسطاء الأبرار الذين مروا بصمت ، تاركين خلفهم بصمات لا تُحجب وسيرًا تنبض بالكرامة والوفاء . وفي هذا الشريط الطويل من الذكريات التي تشبه تراب قريتنا الطاهرة « المغير » ، تتكشف لنا وجوه ناصعة غابت مبكراً ، لكنها ظلّت حية في وجدان العائلة والوطن . ومن هؤلاء الرجال الأبرار الذين قطفتهم يد المنون في ريعان الشباب ، المرحوم موسى المعرّف في مجتمعه المحلي ، وأكرم المدّون في سجلات الدوائر الرسمية ، ابن سليمان علي الغرايبه ، الذي رحل واضعاً خلفه إرثاً من طيب المعشر ونقاء السيرة .


​ميلاد في رحم الأصيلة « المغير » وتعدد الأسماء بين العرف والرسم :


​في الثاني من كانون الثاني عام 1950 م ، استقبلت بلدة المغير الوادعة في شمال إربد مولوداً رُسمت ملامحه على طين الأرض وعنفوان الريف الأردني الأصيل . نشأ الفقيد في كنف والديه الكريمين ، وفي رحاب عشيرة الغرايبه العريقة التي تربطه بأبنائهم وبأقربائه منها أواصر المحبة والقربى والشهامة ، متأثراً ببيئة مجتمعية متماسكة تعلي من شأن القيم الأصيلة .


​لقد تنفّس الفقيد عبق هذه الأرض الطيبة بكل ما تحمله من ذاكرة وبيئة زراعية عريقة ، حيث عين راهوب وماؤه العذب الذي يروي الحكايات وينعش الروح ، وبساتينها الغناء من بساتين العنب والتين التي تزين سفوحها ، وحقولها الفسيحة الممتدة كحقول القمح الذهبية التي تتمايل مع نسائم الريف ، وغيرها من تفاصيل الطبيعة الخلابة التي طالما شكلت حضناً دافئاً لأهلها . ومنذ طفولته ، اتسم الراحل بروح العصامية التي بنيت على الاعتماد الكامل على النفس بثقة وعزيمة صلبة ، ممتلكاً طموحاً عالياً ومثابرة لا تلين في مواجهة التحديات بصبر وإصرار دون اتكال ، ليتكئ على كده وجهده الذاتي الخالص في صنع نجاحه ومكانته من الصفر ، ومخاطراً في خوض التجارب بمرونة وتكيف دائمين .


​ولقد عُرف الراحل بثنائية التسمية التي لطالما طبعت ذاكرة أهله ومحبيه ، فهو في وسطه الاجتماعي وفي قلوب أهل بلدته « المغير » يُعرف باسم « موسى » ، بينما استقر اسمه في الأوراق الثبوتية والوثائق الرسمية لدى الدوائر الحكومية باسم « أكرم » ، وكلا الاسمين كانا مرآة لصدق طويته ونقاء سريرته .


​على مقاعد الدراسة في مدارس بلدة المغير :


​تلقى الراحل تعليمه في مدارس الزمن الجميل ، حيث عاهد العلم بجدٍ ومثابرة ، فدرج في مدارس بلدة المغير الابتدائية والإعدادية والثانوية ، متسلحاً بالصبر وحب المعرفة في مرحلةٍ كانت فيها مسيرة التعليم تتطلب الكثير من الجهد والعزيمة . وظل محافظاً على تحصيله ومثابرته حتى نال شهادة الثانوية العامة ( التوجيهي ) من مدارس بلدته ، لتكون تلك المرحلة صياغةً مبكرة لوعيه وانتمائه لتراب قريته .


​في رحاب العمل ومحطات العطاء في بلدية إربد :


​على صعيد العمل العام ، التحق الفقيد مبكراً للعمل في بلدية إربد الكبرى ، شاغلاً المسمى الوظيفي " كاتب " بوعي وأمانة واقتدار ، حيث أمضى في هذا الموقع سنوات طويلة يخدم أهله ومراجعي البلدية بضمير حي ودقة متناهية . ثم انتقل في الفترة التي سبقت وفاته بقليل للعمل في مكتبة البلدية ، مواصلاً رسالته في خدمة المجتمع ومحبي القراءة والمعرفة بروح دؤوب ونفس أبية ، فعرفه الزملاء والمواطنون موظفاً هادئ النبرة ، نظيف اليد ، ومنتمياً بصدق لمدينته ومؤسسته .


​واحة الأسرة ورفيقة الدرب الصابرة :


​في عام 1980 م ، خطا الراحل خطوة مباركة نحو استقرار حياته الاجتماعية باقترانه بالمرحومة الفاضلة سامية قسيم صياحين ( التي ولدت في الأول من آب عام 1959 م ، وانتقلت إلى رحاب ربها في العاشر من آذار عام 2024 م ) . لقد بنيا معاً بيتاً عامراً بالمحبة والسكينة ، وتشاركا دروب الحياة بحلوها ومُرها .


​وقد رزقهما الله تعالى بسبعة أبناء هم : سليمان ، وفاء ، عمران ، عبير ، محمد ، يزن ، وأماني .


​ولكن مشيئة الله شاءت أن ترتحل روح الأب مبكراً ، لتجد رفيقة دربه نفسها أمام أمانة ثقيلة ومسؤولية كبرى . هنا تجلت معدن الأم الأصيلة ، فقد صبرت وصابرت ، وناضلت وتحدت كل الصعاب بشجاعة وإباء . لقد ترك لها الراحل عائلة في مهد الطفولة ، فقامت بتربيتهم أحسن تربية وأفضلها ، واضعة نصب عينيها بناء جيل صالح محصن بالأخلاق والقيم . لم تهن لها عزيمة أمام قسوة الظروف ، بل أنشأت أبناءها تنشأة دينية مميزة غرست في قلوبهم حب الله ، والاستقامة ، والبر ، ليكونوا اليوم ثمرة مباركة لذلك الكفاح الطويل وامتداداً ناصعاً لذكراها العطرة وذكرى والدهم الراحل .


​وداع مبكر وخلود في الذاكرة :


​لم تمنح الأقدار رحلة الحياة أن تمتد طويلاً لتعانق طموحات الأب الواسعة ، ففي الحادي والثلاثين من تموز عام 1990 م ، ترجل الفارس عن صهوته وهو في خضم شبابه وعطائه عن عمر يناهز الأربعين عاماً ، لتلحق به بعد عقود من العطاء والصبر رفيقة روحه في العاشر من آذار عام 2024 م .


​لقد رحل " موسى " أو " أكرم " مبكراً ، ورحلت معه " سامية " بعد أن أتمتا الرسالة ، تاركين في قلوب أبنائهم ومحبيهم لوعة الفراق ، وصورة ناصعة للإنسان الوفي والأم العظيمة التي قهرت الصعاب بصمت واقتدار .


​رحم الله الفقيد الغالي موسى ( أكرم ) سليمان الغرايبه ، وزوجته الوفية المرحومة سامية قسيم صياحين ، وأسكنهما فسيح جناته ، وجعل ذكراهم العطرة نبراساً يضيء دروب أبنائهم الأبرار . وإنا لله وإنا إليه راجعون .

قائمة المصادر والمراجع

  1. المرجعية التوثيقية الشفوية والوثائقية : الشيخ عمران موسى الغرايبه ( نجله ) .